; الشيخ مروان حديد شهيد قضى نحبه في سجون النصيريين بدمشق.. | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ مروان حديد شهيد قضى نحبه في سجون النصيريين بدمشق..

الكاتب عبد الله محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976

مشاهدات 50

نشر في العدد 311

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 03-أغسطس-1976

مروان حديد يتحدى الظلم أمام المجلس العرفي..

بقلب كسير وحزن عميق، تلقيت نبأ استشهاد الشيخ مروان حديد الذي قتله الطغاة القرامطة في سجن المزة بدمشق، يوم الإثنين ٢٢ رجب ١٣٩٦هـ والموافق ١٩ تموز 1976م، وشيع جثمانه قلة قليلة من أهله تحت حراسة مشددة من قبل سرايا الدفاع، بعد أن منعوا أهله من دفنه في مدينته «حماة»، ومنعوا إخوان مروان وتلامذته من تشييع جثمانه وتوديعه الوداع الأخير.

 رحمك الله يا أبا خالد رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

 لقد عرفت مروان عام ١٩٥٧ في مدينة القامشلي السورية، وكان طالبا في السنة النهائية من المرحلة الثانوية، وكنت أشعر بمتعة في الجلوس معه والاستماع إليه، وأدركت منذ اللقاء الأول بأني أمام رجل رباني بكل ما تحويه هذه الكلمة من معنى، كان رحمه الله لا يتحدث إلا عن الدعوة والعمل الإسلامي ووجوب الجهاد في سبيل الله، وكنت أشعر وأنا أصغي إليه بأنه قد وضع الدنيا وشهواتها تحت حذائه.. ولطالما حدثني عن غربته حتى في بيته ومحاولة شقيقه البعثي الإيقاع بينه وبين أبيه لولا أن الوالد لا يقبل كلاما في ابنه الصالح.

وغادرت القامشلي بعد لقاء قصير مع مروان، وصرت أتابع أخباره، وعلمت أنه التحق بجامعة عين شمس- كلية الزراعة-.. وهناك في أرض الكنانة عرفت مساجد القاهرة وجامعاتها من هو مروان حديد، كان رحمه الله يتنقل داعيا مبلغا دعوة ربه، لا يخاف جبروت الطاغية ولا يخشى تنكيله وبطشه بكل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وكان عدد من المباحث يتناوبون في مراقبة مروان أينما اتجه، وكان ينظر إليهم نظرة عطف وشفقة، فإذا دخل بيته وجلس على مائدة الطعام تذكر موظف المباحث الذي يرابط قرب بيته، فيخرج إليه ويقسم عليه أن يدخل ويأكل معه شارطا على نفسه أن يساعده في كتابة التقرير.. وبمثل هذا الخلق استقام أكثر الذين كانوا يراقبونه.

عاد مروان- رحمه الله- إلى سورية بعد انتهاء دراسته، وأقسم أن لا يهادن نظاما باطنيا قرمطيا ولا يذعن له بالولاء والطاعة.. ومضى يطوف المحافظات ويزور الدعاة ويجوب المساجد والنوادي داعيا إلى الله تعالى، مذكرا الناس بعدم الاستسلام لعبيد سلمان المرشد.

 وفي عام ١٩٦٤ اضطهد النظام النصيري أساتذة الدين في مدارس حماة واعتقلوا كثيرا من الطلبة، فقام مروان ينكر هذا المنكر وتبعه شباب حماة، عندئذ وجه الظلمة لواءين من الجيش معظمهم من النصيريين إلى حماة، ومما هو جدير بالذكر أن هذين اللواءين جاء من الخطوط الأمامية مع العدو الصهيوني لتطويق حماة وضربها.. وراح الجنود النصيريون يصطادون بمدافعهم وبنادقهم أطفال حماة وشبابها ونسائها الذين تصدوا للغزاة بالحجارة والسلاح الأبيض، وراح الموتورون يهتفون بشعارات مجوسية معادية للإسلام وللرسول صلى الله عليه وسلم، واضطر مروان ومن معه من الشباب إلى الالتجاء إلى جامع السلطان، اعتقادا منهم بأن الغزاة لن يتجرأوا على المساجد، ولكنهم صوبوا مدافعهم إلى جامع السلطان فهدموا منارته الشاهقة وجزءا من بنائه.

واعتقل مروان رحمه الله بعد مقاومة عنيفة وشجاعة نادرة، ولبث فترة من الزمن تحت التعذيب الشديد، وقدموه إلى محكمة مزيفة في مدينة حمص، وفي المحكمة كان له موقف بطولي- تجدونه في موضع آخر من هذا العدد- وحكموا عليه بالإعدام شنقا، وحاولوا تنفيذ الحكم لولا أن القلاقل عادت إلى حماة وغيرها من محافظات سورية فاضطروا إلى الإفراج عن مروان وإخوانه.

وخرج مروان- رحمه الله- من السجن شديد الإيمان، عزيز النفس.. خرج ليتابع مسيرته ولينذر قومه قائلا لهم:

 كيف يستعبدكم عبيد سلمان المرشد؟! 

كيف يسوسكم حثالة المجوس ودعاة زردشت ومزدك؟!

 وبعد هزيمة ١٩٦٧ عرفت معسكرات الفدائيين في الأردن مروان وهو يدرب الشباب لاسترداد الأقصى، وتطهير الأرض المباركة من اليهود المجوس.

 وفي عام ۱۹۷۲ اعتقلت السلطات النصيرية معظم علماء سورية العاملين من أجل قضية الدستور وطاردت مروان حديد ولكنها لم تفلح في اعتقاله، وما زال متواريا عن الأنظار حتى عام ١٩٧٥، حيث داهمت قوات من المخابرات النصيرية شقة كان يقيم بها مروان في حي من أحياء دمشق، ورفض رحمه الله أن يستسلم لأنه كان يعرف مصيره، ويعلم مدى حقد الباطنيين.. قاومهم أكثر من عشر ساعات وقتل عددا منهم حتى نفدت ذخيرته فاعتقلوه وزوجته وزوجة أخيه في الله وضيفه وقتلوا طفلته الصغيرة وصدق الله العظيم الذي وصفهم فقال: ﴿لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ﴾

وعاش مروان رحمه الله عامًا كاملًا تحت التعذيب، واشتد تنكيلهم به بعد أن ثار أهل حماة لابن من أبنائهم وقتلوا قاتله المجرم مدیر مخابرات حماة النصيري.

 وثبت مروان رحمه الله، واستعلى بإيمانه على شهوات الدنيا حتى صار وزنه: ٤٠ كلجم بعد أن كان يزيد على ضعف هذا الوزن، ورأى أحدهم مروان قبل وفاته فكان هيكلا عظميا وشبحا من الأشباح لا يصدق من يراه بأنه ذلك الإنسان الذي زاده الله بسطة في الجسم والعلم.

 وأخيرا فاضت روحه بعد حياة حافلة بالجهاد والابتلاء والصبر.

قتله الطغاة في ظرف عصيب، كشر فيه الذئاب عن أنياب الغدر، وتحالفوا مع الصليبيين واليهود حتى ينفذوا مخططاتهم في إقامة الدولة العبيدية المجوسية.

 قتل الباطنيون مروان في الوقت نفسه الذي يقتلون فيه أبناء المسلمين من الفلسطينيين واللبنانيين في جسر الباشا وتل الزعتر ومخيم نهر البارد وكل حي أو قرية إسلامية في لبنان.

 قتلوه وخاف الجبناء منه وهو ميت فمنعوا الناس من تشييع جثمانه، واستنفروا قواتهم لتحرس دمشق یوم دفنه.

 رحمك الله يا مروان، ونحتسبك عند الله شهيدا إن شاء الله، ونسأله تعالى أن يسكنك الفردوس الأعلى. اللهم إليك نشكو ظلم الظالمين، وطغيان الكافرين الباطنيين، اللهم هيء لهذه الأمة من يقودها إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، ويثار لها من المجرمين النصيريين وإخوانهم الموارنة واليهود.

 اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وأغفر لنا وله. إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. فأقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا... 

نشرت جريدة العروبة- الحمصية- في عددها رقم 285 الصادر في 3-5-1964 أقوال المؤمن البطل مروان حديد في أثناء استجوابه أمام المجلس العرفي للمنطقة الوسطى، وبالرغم من الحذف والتحريف لكثير من الأقوال بغية طمس الحقائق وإخفائها فإن في الجزء اليسير المنشور في الجريدة دروسا خالدة تعلم الظالمين أن عقيدة الأمة أعز عليها من أرواحها وما تملك وأن أمتنا آمنت بالإسلام عقيدة ونظاما للحياة ولن ترضى عن شريعة السماء بديلا من شرائع الأرض، وإن العقيدة التي تستمد قوتها من الله لا ترهبها قوة الظلم والطغيان، ولا تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، وإن رجل العقيدة الربانية ليستخف بكل وعيد ويستعلي فوق كل تهديد حين يعلن كلمة الحق ويطلق صيحة الإيمان ويقف في وجه الظلم والطغيان غير عابئ بما يتعرض له من سجن وتعذيب واستشهاد في سبيل الله.. هكذا كان موقفه من الجزء اليسير المنشور في الجريدة- الحمصية- العروبة.

قالت الجريدة: بدأت الجلسة باستجواب المتهم مروان حديد المتزعم للحركة وهو من خريجي جامعة عين شمس- كلية الزراعة- وله دراسات استفادها من كلية الشريعة أيضا.

وقد سئل: لماذا اعتصمت في جامع السلطان؟

فأجاب: كنت أخطب في الناس وأشرح لهم معنى «لا إله إلا الله» حيث إن أكثرية الناس يقولونها ولا يفهمون معناها وعندما سمعت من إذاعة دمشق قول المذيع: آمنت بالبعث ربا لا شريك له.. وبالعروبة دينا ما له ثان تألمت أشد الألم وتكلمت عن ذلك في الجامع.. 

الحاكم: اخرس.. هل أنت من الإخوان المسلمين؟ 

الجواب: إنني أعتبر نفسي من الإخوان المسلمين وإنني ليشرفني الانتساب إليهم.

 الحاكم: ما هي المطالب التي كنت تطالب بها في خطبتك؟

 الجواب: عدم اضطهاد أساتذة الدين وإطلاق سراح الطالب نزار عرواتي. 

الحاكم: كان من الواجب أن تعلم المحافظ بالأمر.

 الجواب: لقد أعلمته بذلك ووعد بالإفراج عنه ولكنه لم يصدق بوعده.

 الحاكم: لماذا كنت توزع الأسلحة الحربية على الناس في الجامع؟

 الجواب: كل واحد من أبناء الشعب كان يدافع عن دينه.

الحاكم: هل لك أقوال تحب أن تقولها؟

 الجواب: يجب أن يكون الحكم بشريعة الإسلام.

هذا ما نشرته جريدة العروبة الحمصية أما ما تجاهلته من وقائع هذه المحاكمة كما سمعه الحاضرون وشاهدوه بأعينهم وأصبح بعد ذلك حديث المنتديات والمجالس في حمص فهو:

 الحاكم: سنريكم أنت وعصام العطار نهايتكم..

 الجواب: الآجال بيد الله ولا يستطيع أحد تقديم أجل أو تأخيره فالآية تقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(الأعراف:34) وإنني أتحدى أن يستطيع أحد تقديم أجلي ولو خمس دقائق.

الحاكم: أنت قابض وعصام العطار قابض.. أنتم عملاء.

مروان: إنني أتحدى كل من يقول هذا أن يثبت شيئًا منه ثم قال: - قل هاتوا برهانكم إن کنتم صادقين- نحن لا نقبض ولكن رئيسك ميشيل عفلق قبض سبعين ألف جنيه فأنتم العملاء وأنتم القابضون.. هل تستطيع أن تنكر هذا؟

الحاكم: اخرس.. اخرج، ويهجم عليه شرطي عسكري ليضربه بأخمص بارودته وينهره مروان ويقول له: لا يحق لك بصفتك حاكما أن تقول اخرس وإذا بدا لك أن ترفع صوتك فأنا أرفع صوتي أكثر، ثم قال هذا الذي بجانبك- وأشار إلى أحد أعضاء المجلس العرفي- هذا الظالم عذبني وقلع أظافري وضربني على يدي حتى صارت إلى هذه الحال- وأشار إلى يده وخاطب الحاضرين قائلا: انظروا إلى أفعال هؤلاء المجرمين.. 

الحاكم: أنتم تكفرون حزب البعث وحزب البعث مسلم أكثر منكم يريد أن يحقق الإسلام، فأجابه مروان: نحن نقول كما قال الله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

وكل من يدعو لنظام غير نظام الإسلام فهو مرتد كافر وخائن.

الحاكم: أنتم تثيرون الفتن..

مروان: بل أنتم الذين تثيرون الفتن.. ألم تقل إذاعتكم: آمنت بالبعث ربا لا شريك له وبالعروبة دينا ما له ثان.. ألم تقولوا: البعث ديني والعروبة مذهبي.. ألم يقل قائدكم يجب تجميد القرآن لأنه يولد الكبت؟ من الذي مزق القرآن في حمص؟ من الذي امتهن القرآن في السويداء وألقاه على الأرض؟ إن رؤوس حكومتكم هم الذين يجب أن يحاكموا لأنهم يثيرون الفتنة، إن الأولى أن يحاكم مكاني محافظ حماة الذي لم يحل مشكلة الشعب ولم يلبي مطالبه..

 الحاكم: لماذا اعتصمت بالمسجد؟ وصرت تذيع أمورا وأمورا...

الجواب: إنني كنت مطاردا فلجأت إلى بيت الله من ظلم الظالمين وما كنت أظن أن أحدا سيجرؤ على ضرب المسجد مهما بلغ به الكفر والضلال فالفرنسيون لم يضربوا المساجد...

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 60

62

الثلاثاء 18-مايو-1971

الأسرة (60)

نشر في العدد 193

157

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)

نشر في العدد 224

78

الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

العالم الإسلامي (العدد 224)