العنوان الشيوعية خطأ في النظرية والتطبيق معًا!!
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1990
مشاهدات 69
نشر في العدد 954
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 13-فبراير-1990
عندما ينكشف زيف
المذاهب المادية - وعلى رأسها الماركسية - وعجزها وإفلاسها وتصادمها مع حقائق
الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وعندما تصير هذه الأمور حقائق كضوء الشمس في
رائعة النهار، ولا يراها أحبار اليسار وسدنته، والمرتزقون باسمه، يحق لنا أن نردد
مع القائل:
قد تنكر العين
ضوء الشمس من رمد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم
يدعي الشيوعيون
أن الثورات الشيوعية تقوم أساسًا من أجل التقدم الاقتصادي والاجتماعي للشعوب،
وإقرار العدالة الاجتماعية، ورفع مستوى الطبقات الفقيرة الكادحة، ولكن الحقيقة غير
ذلك، كما اتضح من الممارسات التي قام بها الشيوعيون في البلدان التي حكموها، مما
أدى إلى ثورة الجماهير وغضبها على الشيوعيين والشيوعية. وقد اعترف الشيوعيون
أنفسهم بأنهم فشلوا في أهم هدف لهم بعد أن أحاطت ببلدانهم الأزمات الاقتصادية،
ونراهم يستنجدون الآن بالدول الرأسمالية؛ لتنقذ اقتصادهم المنهار، وأعلنوا عن
فشلهم كما يعلن التاجر الفاشل إفلاسه أمام الدائنين.
فشل شامل
يزعم بعض
الماركسيين العرب أن الماركسية في حقيقتها لم تفشل، وليس فيها خطأ، وإنما الخطأ
والفشل في التطبيق.
ولنا أن نتساءل:
إذا كان الفشل في أهم هدف للماركسية، وفي محورها الأساسي، فما المبرر لها إذًا؟
ولماذا وُجدت؟
وإذا كان الخطأ
والفشل في التطبيق، فهل يكون بهذا الشمول والعموم في كل الأنظمة ابتداءً من
الاتحاد السوفييتي إلى رومانيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وألمانيا الشرقية؟
فهل يعقل أن
يكون التطبيق خطأ في كل الدول التي اعتنقت الماركسية؟
وهل يعقل أن
يكون الخروج من الشيوعية بهذا الاندفاع الجماهيري، وكأنهم هاربون من نيران تحشرهم
من الخلف؟ ولو أن هناك خطأ في التطبيق لاقتصر على دولة أو دولتين، أما أن يشمل كل
الدول الشيوعية، فإن الخطأ لا بد وأن يكون في الأساس الذي تقوم عليه هذه الدول وهي
الماركسية. فالواقع الصحيح أن الشيوعية لا تتفق مع طبيعة البشر، ولا مع الفطرة
السليمة، ويجب أن يعترف الذين لا يزالون يغالطون، ويحاولون أن يغطوا الشمس
بالغربال، ونقول لهم: كفى تزييفًا، وكفى شعارات براقة. ونقول لفروع الشيوعية التي
تحاول أن تظهر وكأنها أشجار مستقلة عن شجرة الزقوم الأم: لا تحاولوا التمويه
والتضليل، فالشعوب قد وَعَت، ولن تخدعها الشعارات، والنخر الذي أصاب جذع الشجرة
سيحول الفروع إلى نوع من الحطب الذي استغنى عنه الناس في عصر الطاقة.
لقد جربت الشعوب
الاستبداد الذي نكبهم بالهزائم المتتالية، ولا تزال تعاني من نتائج غرور اليسار.
حتمية نهاية
الظالم
لقد أكثر
الشيوعيون من ذكر الحتميات في نظرياتهم، ولكنهم ينسون حتمية واحدة، وهي المصير
الذي يؤول إليه الظالم والمجرم والمستبد، وهي حتمية شهد لها التاريخ الإنساني على
امتداد الحياة الإنسانية كلها. أما نحن المسلمين فنؤمن بهذه الحتمية لأمرين:
الأمر الأول: أن
الشرائع السماوية - وعلى رأسها شريعة الإسلام - قد أقرت هذه الحتمية، وحذرت من
مصير الظالمين والمجرمين الذين يعذبون الناس وينتهكون أعراضهم، وينهبون أموالهم،
ويستغلون ضعفهم، ويستكبرون في الأرض بغير الحق.
والأمر الثاني:
الواقع التاريخي - منذ عهد آدم إلى اليوم - الذي أيد بصورة قاطعة ما أخبرت به
الشرائع، وما أخبر به الإسلام على وجه الخصوص. والذين يؤمنون بحياة أخرى لا بد وأن
يكونوا أبعد الناس عن الظلم؛ لأنهم يؤمنون بأن من أفلت من عذاب الدنيا لن يفلت من
عذاب الآخرة. وقد أخبرنا القرآن عن مصير كثير من الظالمين عبر التاريخ، قال تعالى
عن قوم عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ *
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ
لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ
الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ (فصلت:15-16).
والذين يتمادون
في ظلمهم وجبروتهم، ويفرحون بما أوتوا من قوة وسلطان، وينسون ما ينتظرهم من مصير،
ويُصمون آذانهم عن آهات المظلومين وأنات المعذبين، ولا يكترثون بنصح الناصحين، ولا
يتعظون بمن سبقهم من الظالمين، يفاجؤون بمصيرهم المحتوم الذي يقطع دابرهم، قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ
شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم
مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:44-45).
ظهور حقيقة
الشيوعيين
لقد كان
الشيوعيون يدعون أنهم أطهر الناس، وأنزه الناس، وأخلص الناس للشعب، وأحرص الناس
على مصالحه، وأبعد الناس عن استغلال المناصب، فتبين بالأدلة الدامغة - بعد أن
انكشف المستور، وافتضحت الأمور - أنهم لا يُشق لهم غبار في السرقة واللصوصية
والنصب والاحتيال، والتزييف والتزوير، والكذب والافتراء، مع إجرام ووقاحة منقطعة
النظير. فقادة الحزب الشيوعي في كل بلد إنما يكونون عصابة أخطر من المافيا، ولذلك
كانوا معرضين للانتقام من الشعب عندما يتمكن من التخلص من حكمهم، والسعيد منهم من
استقال من الحزب، أو أعلن التراجع والتوبة من الماركسية قبل سقوط الحكم.
أعوان المجرمين
هناك أناس
مُغفّلون ينضمون إلى أجهزة القمع التي تسمى في عرف الشيوعيين "أجهزة أمن
الدولة"، ينفذون أوامر القياديين في التخلص من المعارضين، وهؤلاء يكونون هم
أول الضحايا في حالة اتفاق القيادات مع المعارضين، كما جاء في مسرحية لجان بول
سارتر تحكي قصة أحد المكلفين في الحزب الشيوعي بقتل معارض، وبعد أن ينفذ المكلف
القتل، يتفق الحزبان على مصالحة على أن يُسلم القاتل من أجل إعدامه. فقد كان هؤلاء
حراسًا لمجرمين أكبر منهم، وليس أدل على ذلك ما ظهر في رومانيا من أعمال الشرطة
السرية، الذين كانوا يحمون الفساد الذي يمارسه شاوشيسكو وزوجته، أو أولئك الذين
كانوا يحمون هونيكر رئيس جمهورية ألمانيا الشرقية، الذي تبين أنه نهب أموال
الدولة، وأثرى على حساب الشعب، وكان يتمتع هو والقادة الشيوعيون بالثراء الفاحش.
وكما هو معروف، أن ألمانيا الشرقية هي الدولة الرائدة في جرائم هذا الجهاز، وهي
التي تمد الدول الماركسية في العالم بخبرتها وخبرائها، فما أن واتت الشعب الفرصة
في موجة الديمقراطية التي عمت العالم الشيوعي، حتى اتجهت المظاهرات الغاضبة إلى
مكاتب الجهاز الذي يُطلق عليه "الشنازي"، وفي هذه الأثناء انتحر بعض
ضباط الجهاز خوفًا من الانتقام، وهرب بعضهم، وضُبط بعضهم وهم يحاولون تهريب حقائب
مملوءة بالعملات الصعبة إلى خارج مباني الجهاز في برلين الشرقية، وبعضهم شنق نفسه
في زنزانته بعد أن سُجن. وهذا الجهاز في ظل النظام الشيوعي يختص بمراقبة الناس،
ورصد أفكارهم الاجتماعية والسياسية والدينية، ويخطط للتخلص من كل من يُشتبه أنه
يمثل خطرًا على الفكر الماركسي، أو يهدد سلطة الحزب والقيادة، ويرتكب أفراد هذا
الجهاز جرائم فظيعة في حق الناس، ويأخذون بالظن والاشتباه، وقد يموت الضحية بين
أيديهم تحت تأثير التعذيب، أو يُصاب بعاهة دائمة، أو بمرض نفسي، أو يفقد عقله، ويلاحظ
أن أغلبية عناصر هذا الجهاز هم من الأفراد الذين تربوا في بيئات منحطة، أو من
اللقطاء الذين ليست لهم روابط أسرية في المجتمع، ويُعدّون إعدادًا خاصًّا يجعلهم
يحقدون على الناس، وينفذون كل ما يُطلب منهم من قبل المسؤولين الكبار في الحزب،
فهم كآلات صماء بلا إحساس ولا مشاعر إنسانية، فيستغلهم طغاة الحزب الكبار في تعزيز
سلطتهم، وتحقيق مآربهم في التعسف والاستبداد.
أكاذيب
الماركسيين العرب
ويلاحظ أن بعض
الكتاب من اليساريين العرب يروجون الآن لإمكانية انسجام الماركسية مع الديمقراطية،
وينسون أن أساس الماركسية هو الديكتاتورية. أليست الماركسية هي ديكتاتورية
البروليتاريا في تعبيرات الشيوعيين أنفسهم؟ وكما ادعى ماركس نفسه؟ ولا يخفى أن
لينين عدّل النظرية إلى ما يُعتبر إغراقًا في الديكتاتورية، عندما جاء بمقولة:
"حزب طليعي عن الطبقة العاملة يمثل ديكتاتورية البروليتاريا".
إن محاولات
اليساريين العرب في تغطية سوأة الماركسية محاولات فاشلة، ونحن نطالبهم أن تكون
لديهم الشجاعة التي عند غيرهم، فيعترفون بخطئهم في اعتناق الماركسية، وبعدم صلاحية
النهج الماركسي في تحقيق مطامح الشعوب العربية والإسلامية.
لقد حاولنا منذ
أن أطلت الماركسية برأسها إلى العالم العربي، واعتنقها بعض المثقفين العرب مع دخول
النفوذ السوفييتي إلى المنطقة، أن ننبه إخواننا إلى أنه لا خير في الماركسية إلا
الدمار للشعوب، والكفر والإلحاد في الدين، فلم يأبهوا لتنبيهاتنا ونصائحنا، وقالوا
عنا أننا رجعيون متخلفون، وأن من يهاجم الماركسية إنما هو عميل للغرب. واليوم وقد
سقطت الماركسية في معاقلها وعقر دارها، وافتضح أمر قادتها، ووُصموا بالفساد،
وبعضهم اندفع إلى أحضان الغرب، فماذا هم قائلون اليوم؟
أمرتهمُ أمري
بمنعرج اللوى *** فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
﴿وَقُلْ جَاءَ
الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:81).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل