; الصائم بين جناحي : التوكل والأسباب (3) | مجلة المجتمع

العنوان الصائم بين جناحي : التوكل والأسباب (3)

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 38

السبت 13-أغسطس-2011

  • من تمام التوكل عدم الركون للأسباب.. فيكون حال قلبه قيامه بالله وحال بدنه قيامه بالأسباب 
  • دعاء الاستخارة يشتمل على التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور والرضا بعده
  • لو تحقق للطائر جناحاه فيطير لرزقه فقد يحدث منه ما يعطله ويثقله.. كالذنب يصيبه أو عدم القناعة
  • يوسف بن أسباط ط: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له

أنا الطائر كجملة الطير التي تغدو في الصباح جائعة وتروح شبعانة. فهي تحركت وطارت وخرجت ولم تبق في أعشاشها، أخذت بالأسباب وتوكلت كما جاء في الحديث «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا» (الترمذي).

والتوكل عمل قلبي، وعلم القلب بكفاية الرب للعبد، وانطراح القلب بين يدي الرب، وترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار، والرضا بالمقدر.

ذلك أن أوله معرفة بالرب، وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته.. ذلك جناح، والجناح الآخر هو الأسباب!

فإن الله قضى بحلول الشبع إذا أكل المرء، والري إذا شرب فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو.

وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق، فإذ جلس في بيته لم يصل إلى مكة.

تمام التوكل

ولكن القضية أن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بالأسباب.

فالأسباب كما قال ابن القيم في «مدارج السالكين»: هي محل حكمة الله وأمره ودينه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية. وما أخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الأسباب؛ فرغم أن الله عصمه من الناس، لبس لامة الحرب في «أحد»، وظهر بين درعين في نهاية المعركة، واستأجر دليلا مشركا يدله على طريق المدينة أثناء الهجرة.

سيد المتوكلين

وفي البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم»، وهو سيد المتوكلين.

وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة، حمل الزاد والمزاد، وكذا أصحابه وهم أهل التوكل حقًا.

ومن الآيات: فقد قال تعالى: ﴿وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (المائدة:٢٣)، وقال عز وجل: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهُ فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التغابن:١٣).

وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (الزمر:٣٦)، فطالب الكفاية من غيره والتارك للتوكل هو المكذب لهذه الآية.

الفوز العظيم

وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكَّلِينَ﴾ (آل عمران:١٥٩)، وأعظم بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه، ومضمون كفاية الله تعالى فاعله فمن كان الله تعالى حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه ؛ فقد فاز الفوز العظيم، فإن المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب وكان ذلك في معرض مشاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر تطييبا لقلوبهم؛ ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم «بدر» في الحرب فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك. 

وشاورهم أيضا، أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم. وشاورهم في «أحد» في أن يقعد في المدينة، أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم.

وشاورهم يوم «الخندق» في إعطاء قبيلة «غطفان» ثلث ثمار المدينة في ذلك العام حتى يخلخل الأحزاب بخروج غطفان من التحالف؛ فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة؛ فترك ذلك، وكلها أخذ بالأسباب في أعمال مصيرية.. ﴿فَبمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهُ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلينَ﴾ (آل عمران:١٥٩).

الاستخارة والتوكل

من الأدعية التي يتمثل فيها معاني التوكل، دعاء الاستخارة «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم»، فهذا توكل وتفويض.. ثم قال : فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة وتوسل إليه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً أو آجلاً، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلاً أو آجلا، فهذا هو حاجته التي سألها، فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له، فقال: «واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به».

فقد اشتمل هذا الدعاء على المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي من جملتها التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور، والرضا بعده، وهو ثمرة التوكل والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد.

فعل وسبب

ولا ننس أن المستخير قد عزم على فعل وسبب، ولم يترك ذلك أو يعطله.. بل طار المستخير بجناحين.

قال يوسف بن أسباط: «كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له».

وها هو القرآن يأمر بتعاطي الأسباب مع الأمر بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:۷۱) ﴿وَأَعِدُوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوّة﴾ (الأنفال:٦٠)، ﴿فَإِذَا قضيت الصَّلاةُ فَانتَشرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة:١٠)، ﴿وَتَزَوَدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أَوْلِي الألْبَابِ﴾ (البقرة:۱۹٧).

كفاية الله

ومن لطائف أسرار اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى، وحصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا۞ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق:٢-٣).

التقوى والتوكل

عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه، قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عليّ هذه الآية حتى فرغ من الآية، ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم». قال: فجعل يتلو بها ويرددها عليّ حتى نعست. (رواه أحمد).. يعني لو أنهم حققوا التقوى والتوكل، لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه، وينهى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقَى» (البخاري)، والأظهر (كما في جامع العلوم والحكم) أنه أراد بذلك أن الله يقويه ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح القدسية والمنح الإلهية والمعارف الربانية التي تغنيه عن الطعام والشراب برهة من الدهر.. فهذه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.

حتى لو تحقق للطائر جناحاه فيطير لرزقه، فقد يحدث منه ما يعطله ويثقله.. كالذنب يصيبه «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (أحمد بإسناد حسن). 

أو التكلف في طلب الرزق «وإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم» (ابن ماجه وصححه ابن حبان). 

القناعة أو عدم وعدم الرضا، قال عمر -رضي الله عنه-: «بين العبد وبين رزقه حجاب؛ فإن قنع ورضيت نفسه أتاه رزقه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه».

الرابط المختصر :