; الصحة النفسية بين الاستقرار والأزمات | مجلة المجتمع

العنوان الصحة النفسية بين الاستقرار والأزمات

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-أبريل-2019

مشاهدات 70

نشر في العدد 2130

نشر في الصفحة 21

الاثنين 01-أبريل-2019

 

مختصون نفسيون في الدوحة لـ»المجتمع»:

الثقة بالنفس حائط صدّ في مواجهة الأزمات النفسية

الدوحة - عمرو محمد: 

 

من المخاطر التي تواجه بني البشر، تلك المشكلات النفسية التي تلم بالإنسان؛ فتخلف لديه الكثير من التداعيات السلبية، التي تفضي إلى مشكلات جمة، قد يكون من بينها فقد الحياة، عن طريق الانتحار.

ولا يقف انتشار الأزمات النفسية عند حيز جغرافي بعينه، ولكنه يمتد إلى العديد من المجتمعات، حتى التي يعيش أبناؤها في رفاهية تفوق بكثير تلك الشعوب التي ترزح تحت خط الفقر، أو تعاني من آثاره.

يشدد مختصون في علم النفس بالدوحة على ضرورة أن يحظى الإنسان بالثقة بالنفس؛ لتكون حائط صد في مواجهة الكثير من الأزمات النفسية، مؤكدين أن تراكم الخبرات يمكّن الأفراد من مواجهة الشدائد والصدمات.                   

وانطلاقاً من دورها المجتمعي، أعدت جمعية الصحة النفسية «وياك» دراسة حول «المرونة النفسية والتعامل مع الأزمات»، وذلك في إطار دورها الساعي إلى نشر المفاهيم الصحيحة عن الصحة النفسية بين أفراد المجتمعات، وعكست ذلك في تقديم أنشطتها النفسية ذات الطبيعة التفاعلية عبر موقعها الإلكتروني وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف.

فمن جهتها، تقول الأستاذة ظبية حمدان المقبالي، المرشدة النفسية المجتمعية بجمعية أصدقاء الصحة النفسية “وياك” في الدوحة: إن هناك أشخاصاً يتعرضون لموقف أو مواقف ضاغطة، تشكل لهم أزمات في مرحلة من مراحل حياتهم، وهناك العديد من الطرق التي يتم التعامل معها في مواجهة هذه الأزمات، حيث تتعدد طرق التعامل مع الأزمات باختلاف البنية النفسية للأشخاص الذين يتعرضون لها.

وتضيف أن هناك أشخاصاً صمدوا أمام الأزمات والضغوط النفسية، غير أن آخرين لم يتمكنوا من ذلك الأمر؛ مما يترتب عليه إصابتهم بالاضطرابات النفسية التي أعاقتهم عن العيش بطريقة سوية، فالمرونة والقوة النفسية التي يتميز بها بعض الأشخاص تعتبر من الأسباب الأساسية التي تمكنهم من التغلب على الظروف الصعبة.

ودعت المقبالي إلى ضرورة القدرة على مواجهة الشدائد والصدمات والتهديدات والأحداث الضاغطة مع اكتساب خبرات كبيرة تمكن الفرد من التعامل مع أحداث مماثلة بكفاءة وفاعلية، ومن ثم العودة إلى الوضع الطبيعي والسوي بعد التعرض لهذه الأحداث وما يناظرها.

نظرة خيالية

أما د. العربي عطا الله قويدري، استشاري في الإرشاد النفسي والأسري بالدوحة، فيقول: إن الإنسان يواجه في عصرنا الحاضر الكثير من أنماط الصراع النفسي وأشكاله المختلفة خاصة مع الإيقاع السريع للحياة، والتطور التكنولوجي السريع، وكثرة المشاغل والمغريات التي يتعرض لها؛ مما يجعله عرضة للإصابة بالكثير من الضغوط النفسية والصراعات الداخلية والتضارب بين العواطف المختلفة.

وتابع أن بعض الناس يُصيبهم الاكتئاب والحزن؛ لأنهم يفكرون خطأ، وبالطبع فإن المكتئب يفكر خطأ، حيث إن لهم نظرة خيالية، فأحدهم يقول: أنا لا يمكن أن أكون سعيداً إلا والناس الذين من حولي راضون عني، أو يحبونني، وهذا أمرٌ غير واقعي، فالإنسان لا ينظر إلى رضا الناس؛ لأن إرضاء الناس غايةٌ لا تدرك، بل عليه إرضاء رب الناس سبحانه وتعالى، وإرضاء نفسه بما يُرضي الله تعالى، وبُعد بني البشر عن مخالطة الناس خطأ كبير، يولد الكثير من المشكلات النفسية، منها العزلة والانطوائية، ومن ثم النفور من الآخرين.

وينصح بضرورة برمجة النفس على إزالة الخوف من الذات، وعدم ترك هذا السلوك يُهيمن على النفس، فالإنسان يستطيع أن يعيش حياة طبيعية مثل الآخرين، ولكن مع الأفكار الانهزامية التي تطغى على بعض الناس، فإنها تشعره بأنه إنسان غير متزن؛ ما يجعله عرضه للوساوس، بدلاً من التفكير في المستقبل والدراسة والنجاح، فكل منا يجب أن يبرمج نفسه لتحقيق النجاح، ويجعل من تفكيره تفكيراً إيجابياً، دون خوف أو قلق أو انزعاج، علاوة على ضرورة الاطمئنان وعدم القلق والتوتر.

ويشدد على ضرورة تجنب التفكير السلبي، وعدم تحقير الذات أمام الآخرين، والتفكير دائماً في تحقيق التميز والنجاح، وإثبات القدرة للآخرين على تحقيق الهدف، واليقين بأنه يمكن التخلص من القلق والاضطراب الانفعالي وآثار الصراع النفسي الذي يعاني منه البعض، مع الموازنة بين الخيارات المطروحة.

 

وفق متخصصين

هذه أسباب انتشار الأزمات النفسية في العالم.. وإليكم وصفة العلاج

 

د. أبو زيد: لو صدقنا الله تعالى لاستقامت نفوسنا وما انحرفت أبداً ولا تأزمت

د. القلعاوي: الإيمان يمنح المرء السلام النفسي والطمأنينة الروحية بعيداً عن كل الأفكار السلبية

مستشارة أسرية: لا يمكننا إغفال التربية بالصغر في نشوء الأمراض النفسية خاصة لدى الأطفال والمراهقين

 

القاهرة – براء ماجد:

 

ربط متخصصون نفسيون واجتماعيون وعلماء شريعة بين الأزمات النفسية والبعد عن الله عز وجل، ورواج النظرة المادية والتأثيرات السلبية للعولمة، مع غياب الأسرة عن التوجيه والإرشاد النفسي، وقمع الحرية الإيجابية في المجتمعات وبعض الأسر، مؤكدين لـ”المجتمع” أن الوعي بالذات والعالم والاستقامة والمحضن الأسري التربوي وانتشار الحرية المسؤولة ركائز مهمة في مواجهة الأمراض النفسية المنتشرة حتى في الدول الأكثر رفاهية.

يرجع د. وصفي عاشور أبو زيد، أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية، وعضو مجلس الأمناء للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الأزمات النفسية لأسباب كثيرة، منها: الأحداث الضخمة التي لا تتحملها النفوس العادية، ومنها الظروف الخاصة والمحن التي يمر بها الفرد نفسه، وهذه تختلف باختلاف الأفراد وظروفهم وسياقات حياتهم، أما في الدول الأكثر رفاهية فتكمن الأزمات النفسية في ضمور الجانب الروحي التزكوي الإيماني الذي يعصم النفس من الانحراف والتردي، ويحفظ لها التوازن والاستقرار النفسي.

وأوضح في حديث لـ”المجتمع” أن العبادات بشعائرها الكبرى والنوافل التابعة لها، وقراءة القرآن، والذكر والدعاء والرجاء والتوبة والأوبة والاستغفار والانكسار بين يدي الجبار هو ما يحفظ الإنسان من الأزمات النفسية، وكذلك مصاحبة الأخيار أسوياء النفس الذين سيكون لهم الأثر الكبير في استقامة الإنسان وحفظ توازنه النفسي.

ويرى د. أبو زيد أن الصدق مع الله مدخل كل استقامة نفسية، قائلاً: لو صدقنا الله تعالى لاستقامت نفوسنا وما انحرفت أبداً ولا تأزمت، وهو القائل سبحانه: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ (النحل: 97).

ومن جانبه، يؤكد د. محمود القلعاوي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن الإيمان والاستقامة جديران بمقاومة الأزمات النفسية التي يعيشها الغرب قبل الشرق رغم التقدم الموجود لديهم والأزمات التي تحاصر الشرق.

ويضيف أن الإيمان يمنح المرء السلام النفسي الداخلي والطمأنينة الروحية، بعيداً عن كل الأفكار السلبية والهواجس التي توصل للتوتر والقلق وسائر الأمراض النفسية، ويذكر بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣﴾ (البقرة)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٩٧ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٩٨ وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩﴾ (الحجر)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة وأبو سعيد: "ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من خطاياه..".

نظريات وحلول

بدورها، أعربت د. مروة عياد، مستشارة العلاقات الأسرية ومعلمة التربية الإيجابية، عن أسفها من أن الأمراض النفسية باتت أكثر الأمراض المنتشرة حول العالم وخاصة مرض الاكتئاب، موضحة أن هناك العديد من النظريات التي تفسر المرض النفسي، وهناك فيها ما يتعلق بقدرته وقدْر العقبات التي تواجهه مما يسبب توتراً مستمراً ينهك الإنسان نفسياً ويعرضه للمرض، ولأن العالم متسارع جداً وطموحاته باتت زائدة وكثرة أهدافه باتت النسبة أكبر.

وأضافت أن هناك نظريات أخرى تفسر الأمر على أنه اضطراب في صورة الذات من حيث الكفاءة والقبول والسيطرة، وهنا يمكن التوقف قليلاً لنسأل: كيف يقدم العالم القبول والسيطرة والكفاءة على إدارة الأمور للإنسان؟ ولكن الإجابة تكمن في تصدر الصورة المادة على العالم بحيث جنى أموالاً أكثر وسلطة أعلى وشهرة أوسع وأكبر؛ فصار الوصول إلى صورة ذاتية إيجابية في ظل تلك الأبعاد الثلاثة من الصعوبة بمكان ومحاطاً بالعقبات والتحديات التي أدت إلى توترات شديدة أدت إلى المرض النفسي.

ولفتت د. عياد الانتباه إلى أنه لا يمكننا إغفال التربية بالصغر في نشوء الأمراض النفسية خاصة لدى الأطفال والمراهقين، وباتت عيادات الطب النفسي في الفترة الأخيرة مليئة بأطفال ومراهقين من كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والتعليمية، وفي معظم الأحيان تكون الأزمة في إدارة علاقاتهم مع آبائهم أو أصدقائهم، وكذلك إدارة الصعوبات اليومية الحياتية؛ وهو ما نسميه “نقصاً في القدرة على الصمود”، ويرجع ذلك إلى ما نسميه “الحماية المفرطة”؛ حيث يمنع الآباء أولادهم من مواجهة قدر كاف من التحديات التي تبني قدرتهم على مواجهة المشكلات، وتبني شخصيات قادرة على التحمل، كما يرجع في بعض الأحيان إلى أسلوب آخر في التربية يسمى “التسلط” أو “التحكم”، وهو أسلوب يقضي على العلاقة الآمنة بين الطفل وأبويه، ويجعله إما مستسلماً لكل ما يقدم له صحيحاً كان أو خاطئاً، وإما متمرداً على كل قيم وثوابت أسرته ليخرج إلى الحياة وبداخله رغبتان متناقضتان تفرزان الأزمات النفسية.

وأشارت إلى أن زيادة العولمة والانشغال المادي يقلصان دور المحضن الطبيعي ومصدر الأمن والأمان وهو الأسرة، بحيث صارت لا تقوم بدورها في الدعم النفسي والإرشاد الأسرى؛ مما يزيد من احتمالات التعرض للأمراض النفسية في ظل عدم الرصد المبكر للأزمة.

وتقدم د. عياد دواء رباعياً لعلاج الأزمات النفسية، يبدأ من الوعي الذي تعتبره أهم مراحل العلاج والوقاية منه، وهو يأتي عبر الوعي بالذات، وبتأثير المجتمع، وبدور كل فرد وتأثيره، أما الخطوة الثانية في العلاج فهي قبول الأخطاء والتركيز على السعي بدلاً من التركيز على النتائج، وغرس ذلك في الأطفال منذ التنشئة؛ مما يساعدهم مع الكبر على تحمل التحديات وتجارب المعاناة.

وترى د. عياد أن توفير البيئة الآمنة في الأسر والمجتمعات بخلوهم من التهديدات المباشرة، بجانب توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان؛ يساهمان في تقويض الأزمات النفسية، مؤكدة أن تحسين العلاقات الأسرية يعتبر صمام الأمان ضد الأمراض النفسية ومصدر دعم ومساندة عند حدوثها.

فقدان الأمان

في سياق متصل، تشير المستشارة الاجتماعية والأسرية منال خضر إلى وجود أسباب داخلية وخارجية أدت إلى وجود جميع الأمراض النفسية الرائجة حالياً، ومن أهمها تعرض الإنسان المستمر للقهر والظلم وفقدان الأمان مع كثرة الدماء والقتل ومحاولة البعض العودة بالإنسان إلى عصر العبودية وتقييد الحرية، عبر مصادرة الرأي والأحلام والطموح والأمل في مستقبل مشرق بالأمل وليس عبر المفهوم القديم للعبودية.

وترى خضر أن من أهم الأسباب الشخصية التي تمس الإنسان نفسه تكمن في التنشئة وطريقة التربية من فقدان للحنان والاحتياج وعدم القدرة على إشباع الرغبات، فضلاً عن التربية في بيئة غير صحية، وفقدان القدوة والأمان الأسري، بجانب الصحبة غير المُعِينة، وأعني بها الصحبة الفاسدة أو السيئة في حياة الإنسان.

وتوضح المستشارة الاجتماعية والأسرية أن التعامل مع الإنسان كجسد وروح هو جسر العلاج من الأزمات النفسية، حيث تقوم على تغذية الجسد والاهتمام بالروح والعودة بها إلى الله، والعودة إلى دور المؤسسات الدينية والعلمية والثقافية والأنشطة والمسابقات المختلفة التي تغذي هذه النزعة الدينية بجانب الترويج للحرية الإيجابية التي تعتبرها من أبرز أسباب علاج الأمراض النفسية في العصر الحالي؛ حيث إن العبيد لا يبدعون ولا يتطورون ولا يسعدون، ويمرضون تحت وطأة الضغوط، مضيفة أنه كلما كان الإنسان حراً كان سعيداً ومبدعاً ومتميزاً وصاحب طاقة جسدية ونفسية منشغلة بالخلق والإبداع.

وتؤكد خضر أن تحقيق الأمان والاستقرار في الأسرة الصغيرة والكبيرة (الوطن) هو ثالث أهم عوامل الحياة بصحة نفسية جيدة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا”، مشيرة إلى أن توفير الحاجات الإنسانية الأساسية عامل مهم لعلاج الأمراض النفسية، متسائلة باستنكار: كيف يعيش بلا أمراض نفسية من لا يستطيع أن يطعم هو ولا يطعم أولاده ولا يوفر لهم العلاج والملبس، ومن لا يجد سكناً وجدراناً تؤويه وأسرته؟!

الاحتياجات النفسية للمراهق وتشكُّل الهوية

 

النشاط الهرموني للمراهق يرتبط بتقلبات مزاجية تصاحب التغيرات الجسدية السريعة

3 حاجات نفسية تساهم في الفعالية النفسية هي الحاجة إلى الانتماء والاستقلال والشعور بالثقة

 

د. السيد مصطفى الأقرع

اختصاصي نفسي - دكتوراه في علم النفس

 

السمة الأساسية لمرحلة المراهقة أنها فترة تسارع في النمو، والتغير المطرد في المظاهر الجسمية والانفعالية، ويشمل النمو فيها كافة أشكال النمو (الجسدي والاجتماعي والانفعالي والذهني)؛ فهي مرحلة نشاط وتغير على كافة أوجه الفرد ومكونات ذاته. 

وتشكل التغيرات التي تحدث في النمو الفسيولوجي ونشاط الهرمونات في هذه الفترة المحددات والمؤثرات الأساسية لها، وتقوم بدور مهم في ظهور الملامح الجنسية المميزة لكل من الذكور والإناث، أو ما يعرف بالبلوغ لدى الجنسين، خاصة في الفترة بين 12 و14 عاماً. 

يبدأ البلوغ من المخ في منطقة تحت المهاد تعرف بـ»الهيبوثالاموس» الذي يرسل إشارة للغدة النخامية لإفراز هرمون النمو، وتبدأ الغدد الدرقية والأدرينالية، والخصيتان والمبيضان بإفراز الهرمونات المرتبطة بالجنس والنمو المتمايز للجسم، وظهور الميول الجنسية للمراهق.

ويرتبط ذلك النشاط الهرموني والغددي بتغيرات انفعالية وتقلبات مزاجية تصاحب التغيرات الجسدية السريعة؛ بدءاً من الشعور بالدهشة والاستغراب، وربما الشعور بالفخر حتى الشعور بالخجل، كما يرتبط النمو الجسدي كذلك بالإحساس بالتعب أو الإرهاق، أو عدم التوازن أثناء المشي أو الحركة، مما قد يسبب الارتطام بقطع الأثاث أو إيقاع الأشياء، أو الظهور كما لو كان المراهق غير مبالٍ أو مكترث، كما تتميز هذه المرحلة بنشاط ما يعرف بـ»اللوزة»؛ وهي أحد أجزاء ما يعرف بالجهاز الحوفي بالمخ، وهو المسؤول عن الانفعالات وتنظيم عملها وإدارتها، ويكون نشاط اللوزة أكبر من نشاط الفص اللحائي الجبهي، وهو الفص المسؤول عن التفكير المنطقي وحل المشكلات واتخاذ القرارات والتعقل، وهو ما يفسر غلبة المشاعر والانفعالات وثورانها غير المتحكم. 

 وفي إحدى الدراسات العلمية التي تمت بجامعة هارفارد لمعرفة تفاوت القدرة بين المراهقين والراشدين على التركيز، وتقدير المكاسب والخسائر، ودور الوصلات العصبية بين مراكز السيطرة المعرفية في قشرة الفص الجبهي والمراكز الانفعالية، طلب الفريق العلمي من كل من الكبار والمراهقين المشاركة في لعبة، والإجابة عن الأسئلة وهم داخل جهاز التصوير المقطعي بالرنين المغناطيسي، بحيث يحصل المشارك عند كل جواب صحيح على 20 سنتاً، ويدفع عن الخطأ 10 سنتات، كما تضمن اللعبة رهانات كبيرة؛ حيث كان بإمكان المشارك ربح دولار واحد أو خسارة 50 سنتاً. 

واكتشف الباحثون أن تفكير المراهقين لم يتغير خلال الرهانات الصغيرة والكبيرة، في حين كان الكبار أفضل بكثير في تقييم الربح والخسارة، وأن القدرة على التركيز ازدادت مع زيادة عمر المشارك.

وأكد تحليل نشاط الدماغ أن الاتصالات بين قشرة الفص الجبهي وحزام القشرة الأمامية ومنطقة إدارة الانفعالات باللوزة لدى المراهقين كانت منخفضة؛ أي بعبارة أخرى لم يميزوا جيداً بين الربح والخسارة، ويفسر ذلك عدم تقدير كثير من المراهقين لأهمية الاختبارات النهائية؛ وهو ما يستوجب منا فهم كيف يعمل عقل المراهق، وتقدير غلبة الانفعالات، وأثر الإفراز الهرموني المطرد على شخصية المراهق وتقلبات مزاجه؛ وهو ما يظهر لنا أن النمو النفسي لا ينفصل عن النمو الجسدي وأثر الهرمونات وعمل المخ لدى المراهق بل يتأثر به.

الاحتياجات النفسية

جانب آخر في البناء النفسي للمراهق يجب أخذه في الاعتبار والإشارة إليه، وهو الاحتياجات النفسية له، حيث تخلص واحدة من أحدث النظريات النفسية -التي تعرف بنظرية تحديد الذات أو تقرير المصير الشخصي- إلى وجود ثلاث حاجات نفسية أساسية للإنسان تسهم في توافقه وفعاليته النفسية، وهي:

1- الحاجة إلى الانتماء: تتمثل في حاجة المراهق إلى الشعور بالأمن الناتج عن الارتباط بالآخرين، والشعور أنه جزء من مجموعة، وأنه يمكن أن يُحِب ويُحَب، ولذلك نجد اهتمام المراهق بجماعات الأقران وتكوين الصداقات، والميل نحو المجاراة، وتفضيل جماعة الأصدقاء في بعض الأحيان على الأسرة والأهل؛ حيث يساهم الانتماء بشعوره بأنه مرغوب فيه، بل محتاج إليه، كما يولد لديه إحساساً أنه جزء من المجموعة، ومثل هذا الشعور يزيد من الأمان الداخلي له. 

2- الحاجة إلى الاستقلال: حيث يحتاج للشعور بالحرية في القول والفعل؛ ليتمكن من التعبير عن الرأي دون خوف أو كبت، ويتمكن من القيام بما يرغب القيام به دون ضغط أو إحباط. 

3- الشعور بالكفاءة والثقة في قدراته: لتنمى لديه الشعور بالمسؤولية، وتقدير الذات وإدراك دوره وأهميته مما يضفي على شخصيته التكامل، بينما يؤدي الحرمان من ذلك إلى معاناة من التبعية، والاعتماد على الآخرين والخوف من الإقدام، وانخفاض الإنجاز، وهو ما ينقص من تكامل شخصيته ويهز كيانه أمام من يتعامل معهم.

مراحل الهوية

إحدى النظريات الكلاسيكية في علم النفس التي فسرت سيكولوجية المراهقة هي نظرية «أريكسون» الخاصة بتكوين هوية الفرد -التي تعرف بنظرية البناء الداخلي للذات، ونظامه المميز للدوافع والقدرات والمعتقدات- وحسب هذه النظرية، كلما تطور البناء الداخلي بصورة جيدة أصبح الفرد أكثر وعياً بمدى تميزه عن الآخرين ومشابهته لهم، وبجوانب قوته وضعفه في شق طريقه بهذا العالم، وكلما كان البناء أقل تطوراً أصبح الأفراد أكثر اضطراباً بشأن اختلافهم عن الآخرين، وأكثر اعتماداً على مصادر خارجية في تقييم ذواتهم.

ويفترض “أريكسون” أن الهوية على شكل سلسلة من ثماني مراحل في النمو النفسي الاجتماعي، تبدأ كل منها بظهور أزمة نفس/ اجتماعية، وتسعى الذات جاهدة لحل هذه الأزمة، وهناك احتمالان لحل الأزمة؛ فهي إما تُحل إيجابياً مما يعني استمرارية النمو وكسب الذات لكفاءة جديدة، أو سلبياً مما يعني إعاقة النمو وفشل الذات في كسب فاعلية متوقعة؛ مما يعني درجة من الاضطراب النفسي والسلوكي يعبر عن نفسه في سلوك سلبي.

وفيما يلي المراحل الخمس من مراحل تشكل الهوية حسب “أريكسون”، وهي التي تنتهي بمرحلة المراهقة: 

الأولى: تتشكل في أول سنتين بعُمر الفرد: والهدف منها الشعور بالثقة، والمحصلة الإيجابية لها الشعور بالأمل والقوة والقدرة على التحرك في العالم.

الثانية: في عُمر سنتين إلى 3 سنوات: والهدف منها الاستقلال، والفشل فيها يؤدي إلى الخجل والشك.

الثالثة: من 4 إلى 5 سنوات: وتهدف إلى تنمية المبادرة، والفشل فيها يؤدي إلى الشعور بالذنب.

الرابعة: من 6 إلى 12 عاماً: ومن خصائصها السعي إلى تنمية الاجتهاد، والفشل فيها يؤدي إلى الشعور بالنقص. 

وتشكل فترة المراهقة المرحلة الخامسة من مراحل الهوية، وهي مرحلة تشكل الهوية، مقابل اضطراب الأدوار، وتشتت الهوية والشعور بالاغتراب، وهي مرحلة تكامل للمراحل الأربع السابقة لتكون هوية الفرد، حيث يسأل الفرد نفسه: من أنا؟ وماذا أريد؟ وما أهدافي في الحياة؟ وإلى أين أتجه؟

وتجاوز الأزمة في هذه المرحلة يجعل الفرد يشعر بهويته، ويكون متفائلاً نحو المستقبل، أما الفشل في الوصول إلى إجابات محددة لتساؤلاته فيجعله يعاني من اضطراب وتشويش هويته، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات حول موضوعات مهمة كالدراسة والمهنة ودوره في الحياة. 

والفشل في تكوين هوية إيجابية متكاملة لدى المراهق يجعله عرضة للاضطرابات النفسية، التي غالباً ما تبدأ من هذه المرحلة؛ فتشير الإحصاءات إلى أنه من المحتمل أن واحداً من كل خمسة مراهقين سيكون عرضة للاضطراب النفسي، وتصل نسب اضطرابات المزاج والاكتئاب لدى المراهقين قرابة 11%، و10% قد يعانون من اضطرابات بالمسلك، و10% عرضة لاضطرابات القلق.

وعامل من العوامل الاجتماعية والثقافية الحديثة الذي بات مؤثراً على مرحلة المراهقة استخدام الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي تمثل تحدياً كبيراً من حيث فرصة التعرض لمواد غير مقبولة أو لائقة، أو الاستخدام الكثيف ذو الأثر السلبي على الشخصية.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من نصف المراهقين عرضة لمشاهدة مواد غير مقبولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الإنترنت، وربع المراهقين في خطر إدمان استخدام مواقع التواصل والألعاب الإلكترونية، وهذا التعرض الكثيف يزيد نتائج الدراسات الحديثة من تأييد أثره على عمل المخ، وعمليات الذاكرة والانتباه، والقلق والاغتراب الاجتماعي، والعزلة والاكتئاب، والسلوك المخالف للقواعد والأعراف الاجتماعية.

ويمكن تلخيص هذا العرض في أن المراهقة مرحلة نمو متسارع غير متوازن؛ أحياناً تؤدي المشاعر والانفعالات والحاجات المتصارعة والهرمونات دوراً رئيساً تجعل احتمالية أن تكون هذه المرحلة هي مرحلة صراع أمراً وارداً، ومن المهم أن ينعكس هذا الفهم في آلية التعامل التي يجب أن تعتمد على الاحتواء والتفاهم والثقة ودعم النمو الإيجابي، وإتاحة الفرص لاكتشاف الذات والتعبير عنها، وتبتعد -قدر المستطاع- عن النقد واللوم والتحقير وعدم التفهم والمعاملة كطفل غير مسؤول أو كراشد مسؤول مسؤولية كاملة.

ويأتي تفهم احتياجات المراهق الرئيسة في الانتماء والاستقلال والكفاءة ورغبته في اكتشاف ذاته وتشكيل هوية أساساً لأي علاقة ناجحة معه، وهو ما يسمح بتشكل هوية إيجابية متكاملة لدى المراهق تُمكّنه من عبور هذه المرحلة المؤقتة والانطلاق بثقة نحو مرحلة الشباب والرشد. 

       

مرتكزات صحة النفس في التراث الإسلامي

 

تراثنا تميز بعظم مؤشراته للصحة النفسية التي تعد مثلاً أعلى معيارياً تحاول النفس الوصول إليه

الإسلام يؤكد مرتكز السعادة باعتباره ضرورياً لصحة النفس بحيث يكون معبراً عن الرؤية التوحيدية للحياة كلها

مسكويه: إذا توافرت الحكمة والشجاعة والعدالة والعفة كانت النفس في أعلى درجات اطمئنانها

العصر الحالي أسوأ العصور من الناحية النفسية رغم تطور وسائل الرفاهية والسيطرة على الطبيعة

البلخي يقدم مجموعة من المبادئ التي تعظم المحافظة على الصحة النفسية تتمثل في الوقاية والواقعية والمعرفة

الصداقة بجوانبها المختلفة بالتراث الإسلامي عامل من عوامل صحة النفس لأداء أدوارها بفاعلة

أ.د. حسان عبدالله

أستاذ أصول التربية بجامعة دمياط - مصر   

 

يشير مصطلح «الصحة النفسية» إلى قدرة الفرد على تحقيق أمرين ضروريين لسير حياته؛ الأول: الانسجام مع الذات الذي يحقق الرضا الداخلي، ويكون ذلك غالباً من خلال اتساق قدراته الذاتية مع رغباته وطموحاته، والثاني: تحقيق التوافق مع الآخرين الذين يشكلون دوائر علاقات الفرد الرئيسة (الأسرة، العمل، الجيرة، الأقارب..)، وإن غياب تحقيق أحد هذين الأمرين يؤدي إلى حالة من الاضطراب النفسي لدى الفرد أو ما يعرف بسوء التوافق أو سوء التكيف الذي يعني «ضعف قدرة الفرد على تحقيق علاقات سوية ومُرضية بينه وبين مجتمعه وبيئته بحيث تكفل له التوفيق والنجاح في حياته».

إن مفاهيم الصحة النفسية في الدراسات الحديثة تتمحور بصورة رئيسة حول الخلو من التوتر، وتحقيق الاطمئنان الوجداني، والتفاعل الاجتماعي الإيجابي، فهذه الجوانب الثلاثة تمثل جوهر الصحة النفسية للفرد. 

وعلى هذا جاءت الدراسات والبحوث النفسية تقدم من المعارف والنتائج ما يعين الفرد على تحقيق هذه الجوانب الثلاثة السابقة.

سبق التراث الإسلامي –الدراسات المعاصرة- في الاهتمام بالصحة النفسية ووضع أصولاً وقواعد لها، وهو انعكاس لاهتمام القرآن ذاته بالنفس (وردت ما يقرب من 270 مرة في آياته الكريمة).

وأول ما نلاحظ هذا المفهوم نجده عند مسكويه (ت421هـ)، الذي طرحه تحت مصطلح «صحة النفس» على غرار «صحة الأبدان».

يذكر مسكويه في المقالة السابعة تحت عنوان «الأمراض الغالبة على النفس وعلاجها»(1): رد الصحة على النفس إذا لم تكن حاضرة، أن النفس تمرض وعلاجها أي رد الصحة التي غابت عنها يكون بمعالجة أمراضها التي طرأت عليها، ويرى أن نبدأ بالأكثر أثراً وأعظم خطراً ثم ما دونه من الأمراض الأكثر جناية ونكاية على النفس.

ويطرح أهم مؤشرات «صحة النفس» في توافر أربع فضائل، هي: الحكمة، والشجاعة، والعدالة، والعفة وما يتفرع عنها ويكثر، فإذا توافرت هذه الأربع كانت النفس في أعلى درجات توافقها وتفاعلها واطمئنانها الوجداني.

وفي ضوء ذلك، عدّد أعظم الأمراض التي تصيب النفس، ووضعها في ثمانية متقابلات –لهذه الفضائل- وهي: السفه والبله، التهور والجبن، الشره والخمود، الجور والمهانة(2). 

وكما يظهر من هذه المؤشرات والمعايير لصحة النفس ومرضها، أنها تتضمن ثلاثة أبعاد هي مكونات النفس الإنسانية، وهي: الجانب المعرفي، الوجداني، النزوعي والسلوكي.

فالصحة النفسية تبدو في الشخصية المتكاملة المتوافقة فيما بينها –أي الخالية من أكبر قدر من الصراع الداخلي أو التوتر والاضطراب- الذي ينتج بالضرورة عن معرفة واضحة بالنفس، ويظهر في سلوكها الاجتماعي الإيجابي المتوازن الذي يتواءم مع السوية بالمعنى العام.

إن تميز التراث هنا –بالإضافة إلى السبق في طرح المفهوم- يبدو أيضاً في عظم مؤشرات الصحة النفسية التي وضعها، التي تعد مثلاً أعلى معيارياً تحاول النفس الوصول إليه في ضوء برامج التربية الإسلامية التي تتم في المجتمع المسلم عبر وسائط الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ فالتوافق بين هذه الوسائل في بناء الشخصية السوية الفعالة أمر يعول عليه التراث النفسي بصورة واضحة لا لبس فيها.

السعادة.. وصحة النفس

«السعادة» مرتكز آخر لصحة النفس؛ فالإنسان يسعى بطبيعته وفطرته إلى تحقيق كل ما يحصل له وما يرضي نفسه، ليشعرها بالرضا الذي تتحقق به «السعادة»، وأن خلاف ذلك هو الشعور بالسخط الذي يجلب على النفس توتراً وكآبة وحزناً يفقدها التفكير الراشد والاستقرار الوجداني والفاعلية الاجتماعية، ومن ثم فإن حركات الإنسان وسعيه في غالبه إنما يكون لتحقيق «السعادة» وتجنب «الضرر».

ولا يخالف التراث النفسي الإسلامي هذه الفرضية النفسية؛ بل يؤكدها، أي على مرتكز «السعادة» باعتباره ضرورياً لصحة النفس، ولكنه يعطي مضموناً متمايزاً عن مفهوم “السعادة” في الرؤية المادية، التي ربطت بين السعادة والجانب الحسي المادي في الإنسان وتحديداً رادفت بين “السعادة” و”اللذة” في كل أشكالها المادية الحسية فقط، وبكل وسائلها المشروعة وغير المشروعة.

جاء مفهوم السعادة معبراً عن الرؤية التوحيدية للحياة بكاملها التي تعد النفس جزءاً رئيساً فيها، بل المكون الأول لهذه الحياة، فيكتب الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) مصححاً لهذا المفهوم وموضحاً لأركانه تحت عنوان «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين»، ويقصد بالسعادتين هنا: سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة، ليس على سبيل الفصل، وإنما على سبيل الاتصال والحفز بينهما.

ويوضح في ذلك المقصود بقوله: “ما أحد إلا هو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد، ولكن كثيراً ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها، إن النعم الدنيوية إنما تكون نعماً وسعادة متى تُنُولت على ما يجب وكما يجب، ويُجرى بها على الوجه الذي لأجله خُلقت، وذلك أن الله تعالى جعل الدنيا عارية ليُتناول منها قدر ما يتوصل به إلى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية”(3).

ويقسم الناس في تحصيل السعادة إلى فريقين؛ فريق تناولوها على الوجه الذي جعلها الله لهم فانتفعوا بها فصار لهم نعمة وسعادة؛ ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠﴾ (النحل)، وفريق تناولوها لا على الوجه الذي جعلها الله لهم فركنوا إليها فصار ذلك نقمة وشقاوة فتعذبوا بها عاجلاً وآجلاً؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥﴾ (التوبة).

إن الارتباط بالغيب جزء رئيس في استقامة الفرد الداخلية والخارجية، فلا نبذ للذة التي يسعى إليها إلا إذا انحرف الإنسان في طريق كسبها وتحصيلها، فهي في هذا الوقت -وكما هو مشاهد- تنقلب عذاباً لصاحبها، بالمعنى النفسي والاجتماعي كذلك، ولعل هذا الارتباط أو بالأحرى غياب هذا الارتباط (الغيب وحياة الإنسان المعاصرة) جعل الإنسان المعاصر يدخل في حياة الضنك؛ فعلى الرغم من تطور وسائل الرفاهية، ووسائل السيطرة على الطبيعة والاكتشافات العلمية الواسعة التي ظن الإنسان أنها ستحقق له السعادة كل السعادة وتجنبه التوتر بكل أشكاله، وتضمن له حياة اجتماعية خالية من المشكلات والحوادث، فإن العصر الذي نعيشه من الناحية النفسية هو أسوأ عصور الإنسان على الإطلاق؛ حيث دخل الإنسان في أتون الآلة التي صنعها، ولم يصبح سيداً في الكون بل ترساً ضمن آلاته التي لا تنتهي. 

ويسجل العصر الحديث أعلى نسب التوتر الإنساني على مر التاريخ، وكذلك أعلى نسبة جرائم في الكم والتنوع، وأعلى نسبة من الاضطرابات السلوكية والنفسية، وأعلى حوادث اجتماعية، وتفكك روح الفرد والمجتمع.. كل ذلك أدخل الإنسان المعاصر في حياة الضنك التي غاب عنها "الغيب" بصورة واضحة وملموسة، ومن ثم غابت السعادة الحقيقية عن الإنسان وغاب كذلك استقرار الوجداني والنفسي.

تدبير «صحة الأنفس»

يقدم أبو زيد البلخي (ت 322هـ) منحى آخر في رعاية الصحة النفسية، وعوامل تحققها؛ فيكتب كتابه الرائد «مصالح الأبدان والأنفس»(4) في مبلغ الحاجة إلى تدبير مصالح النفس: «إن الإنسان لما كان مركباً من بدن ونفس صار يوجد له من كل منهما صلاح وفساد، وصحة ومرض، وسقم وأعراض تعرض له في صحتهما، ومما يعرض على النفس من أمراض: الغضب والغم والخوف والجزع وما أشبهها».

ويؤكد أنه لا يوجد إنسان لا يمر بهذه الأعراض النفسانية، فإن الإنسان مدفوع في أكثر أوقاته إلى ما يتأذى به منها؛ إذ ليس يخلو في كل أحواله من استشعار غم أو غضب أو حزن أو ما إلى ذلك من هذه الأعراض، ولكنه يشير إلى الفروق الفردية النفسية بين الناس في مقدار التأثر بهذه الأعراض، إلا أنه ليس ما قد يصل إلى كل واحد من الناس قدراً واحداً؛ فإنهم مختلفون فيما يحصل إليهم من هذه الأعراض، إذ كل واحد يأخذ منها بحسب مزاجه وأصل تركيبه في القوة والضعف(5).

أما تدبير صحة النفس -أي إجراءات المحافظة على صحة النفس والتخطيط العلمي والفكري لها- فيشير البلخي إلى أن جوهر هذا التدبير تجنب تعرض النفس للمتغيرات التي يمكن أن تسبب لها الاضطرابات الوجدانية والأعراض النفسانية -أي مبدأ الوقاية- فيجب لمن أراد حفظ صحة نفسه أن يبدأ بحفظ صحتها وسكون قواها، وأن يجتهد في استدامة هذا السكون حتى لا يهيج منها هائج؛ أي أن تصان النفس عن الأعراض الخارجة التي هي ورود ما يرد عليها من الأشياء التي يسمعها الإنسان أو يبصرها فتقلقه وتضجره، وتحرك منه قوة غضب أو فزع أو غم أو خوف أو ما أشبه ذلك(6).

كما يشير إلى مبدأ الواقعية في التوقعات الدنيوية -لأن الفجوة بين التوقعات والطموحات عامل آخر من عوامل القلق والتوتر الذي يصيب الإنسان- ومضمون هذا المبدأ النفسي هو «أن يُشعر الإنسان قلبه وقت سلامة نفسه، وسكون قواها ما أسست عليه وجبلت أحوال الدنيا من أن أحداً لا يصل فيها إلى تحصيل إرادته ونيل شهواته على سبيل ما يتمناه ويهواه من غير أن يشوب كلاً من ذلك شائبة تنغص وتكدر، أو يعرض له عارض أذى أو مكروه»(7).

ويسوق مبدأ الواقعية من وجه آخر وهو مراعاة السنن الكونية؛ «فلا يطلب من دنياه ما ليس في أصل بنيتها، ولا غير ما جرت به العادة، وهو ما يتطلب الاستقصاء في وجوه المعاملات والمعاشرة لمعرفة ذلك، لمن هو فوقه أو مثله أو دونه، ويتغافل عن كثير من الأمور التي ترد عليه بخلاف مراده ومحبته ما وسعه ذلك وجاز أن يغضي عنه». 

أما المبدأ الثالث الذي يسوقه البلخي لتدبير صحة النفس فهو «مناسبة مقاصد الإنسان ومطالبه بمقدار تحمل النفس الخطوب؛ «فإذا عرف الإنسان طبيعته، ومنتهى قوتها، ومبلغ استقلالها بالأمور؛ بنى على ذلك تدبيره في مطالبه ومقاصده، وتجنب وجوه المخاطرات وأنواع التغريرات، وما يتعاطاه ذوو الأنفس القوية والصدور الواسعة والطبائع المستحصفة، وجعل غرضه فيهما غرض من يحصّل سلامة النفس».

وهكذا يقدم البلخي مجموعة رائدة من المبادئ التي تعظم المحافظة على الصحة النفسية، يربط فيها بين صحة البدن وصحة النفس –وهو ما توصلت إليه الدراسات العلمية الحديثة- ويقدم مبدأ المحافظة/ الوقاية على مبدأ المعالجة، ومبدأ معرفة النفس ومعرفة قدراتها ومطالبها، وتجنيب الإنسان التعرض لمواضع التوتر يمثل رؤية لدور المجتمع في الصحة النفسية للفرد بما ينعكس عليهما بالنماء والزيادة في الفعالية الاجتماعية.

الصداقة والصديق

مما تفرد التراث النفسي الإسلامي في طرحه –أيضاً- العلاج الاجتماعي للنفس الإنسانية، وكتب في ذلك عن «الصداقة والصديق» ودورهما في تخفيف سوء التوافق والتكيف، واعتبر أن الصداقة بجوانبها المختلفة؛ المحبة والتواد واللفة والأنس والتعاون وقت الحاجة، كل ذلك عاملاً من عوامل صحة النفس وتهيئتها لأداء أدوارها الفردية والجماعية بصورة فاعلة وإيجابية.

ومن هذا مثلاً ما كتبه أبو حيان التوحيدي (ت 414هـ) في الصداقة والصديق، ومن هو الصديق وأحواله مع صديقه وما بينهما من إرادة وإيثار وقصد ومحبة ومرضاة(8). 

وهكذا يقدم التراث نماذج للعلاج الاجتماعي لصحة النفس؛ فالمناخ الذي تنشأ فيه النفس الإنسانية جزء من علاجها وسويتها، كما أنه جزء من مرضها وانحرافها، إذا وجدت عوامل الأول استقامت ونجت ونجحت داخلياً واجتماعياً، وإذا وقعت في الثانية غرقت وانحرفت وفشلت ذاتياً واجتماعياً.

وفي الختام، فما يزال في التراث النفسي للأمة رؤى متجددة لم تُكتشف بعد، وهذا يرجع من وجهة نظرنا إلى ضعف ثقة الباحث المسلم في ذاته الحضارية من ناحية، وإمكاناته العقلية من ناحية أخرى التي تجعله يستسهل الاستيراد دون النظر في خزائنه الملأى بالكنوز المعرفية النفسية التي تحتاج إلى ثقة الباحث في قدرته على الاكتشاف، وفي ثقته في جدارة تلك الثروة في الاهتداء والتطوير لمعارفه المعاصرة(9).

الهوامش

(1) أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ص 201. 

(2) المرجع السابق، ص 202.

(3) الراغب الأصفهاني: تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، ص57.ِ

(4) أبو يزيد البلخي: مصالح الأبدان والأنفس،

(5) المرجع السابق، ص115.

(6) المرجع السابق، ص 199.

(7) المرجع السابق، ص 119.

(8) أبي حيان التوحيدي، المقابسات (المقابسة 106).

(9) من أهم المشروعات المعاصرة لاكتشاف التراث النفسي ما قدمه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، تحت عنوان “علم النفس في التراث الإسلامي” في 4 أجزاء، ط2009، يتضمن عرضاً وتكثيفاً لنحو 300 كتاب ومقال من أمهات التراث العربي الإسلامي المطبوع الذي يعطي الفترة من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري، وتنوعت الموضوعات التي تناولها هذا المشروع من آداب وفنون وفلسفة وتصوف وأخلاق وفقه.. حيث كانت موضوعات علم النفس تتداخل مع هذه المجالات. 

 

إنفوجراف

 

الصحة النفسية في العالم

 

300 مليون مصابون بالاكتئاب

50 مليوناً مصابون بمرض الخرف

60 مليوناً مصابون باضطرابات الثنائية القطبية

23 مليوناً مصابون بالفصام

2.5 تريليون دولار تكلفة أمراض الصحة النفسية سنوياً

5% من الإنفاق الحكومي في 80 دولة للأمراض النفسية

580 مليوناً عانوا في منطقة الشرق الأوسط نفسياً

16 - 36% معدل انتشار الأمراض النفسية

50% من الحالات المرضية النفسية تظهر أعراضها بحلول سن 14، و75% من إجمالي الحالات في سن 24

 

أثر الإيمان في الحفاظ على الصحة النفسية

 

قد يُعطى الإنسان كل مقومات السعادة في الدنيا لكنها لا تحقق له السعادة بالضرورة لافتقاده إلى السكينة

الإيمان بالله يقدم الإجابات عن الأسئلة المحورية في حياة الإنسان فيتخلص من الحيرة والشك

المؤمن يتعايش رغم مرضه مع الآخرين بصورة إيجابية بينما غير المؤمن يسيطر عليه الاكتئاب

الإيمان بأن الدنيا مزرعة للآخرة يحمي الإنسان من الاكتئاب إذا وجد نفسه فقيراً مبتلى

حامد العطار

الباحث الشرعي بموقع «إسلام أون لاين» سابقاً

 

نتناول في هذه السطور أثر الإيمان على الصحة النفسية، ويحسن بنا ابتداء أن نُعَرّف المقصود بالصحة النفسية.

الصحة النفسية هي حالة من الاتزان النفسي الناتج عن الثبات الانفعالي، وتتجلى الصحة النفسية في الشعور بالطمأنينة والأمان، والرضا عن الذات، والقدرة على التفاعل الاجتماعي، والتكيف مع الواقع وحل مشكلاته.

وعلى هذا فالمرض النفسي هو: فساد يصيب النفس، ويخرجها عن حد الاعتدال والتوازن؛ فيختل إدراكها لمفهومي الخير والشر، وتضعف إرادتها وتنحرف ميولاتها.

تتفاوت درجات المرض النفسي حسب درجة القوة أو الضعف النفسيين، وحسب قدرة إمكان السيطرة على السلوك والأفكار والمشاعر.

 ومن الأمراض النفسية الشائعة القلق، والرهاب الاجتماعي، والأمراض النفسية العقلية (العصاب/ البارانويا): وهي أمراض تنشأ بسبب العجز عن التكيف مع ظروف الحرمان العاطفي والمادي، ومن أعراضها الاكتئاب والوسواس القهري.

ومن الأمراض النفسية “النرجسية/ الميجالومانيا/ السكيزوفرينيا”: وتنشأ بسبب الانسياق التام مع نزوات النفس وفقدان السيطرة عليها، وينتج عن هذا المرض آفات الأنانية والتكبر والغرور والادعاء والتبجح، ومنشأ هذه الأمراض الأخيرة التطرف في حب الذات.

السَّكينة

إذا كان علماء النفس يعرفون الصحة النفسية بأنها حالة من الاتزان النفسي الناتج عن الثبات الانفعالي؛ فإن هذا التوصيف تقابله في الأدبيات الدينية حالة «السَّكينة».

فالسّكينة في اللغة مأخوذة من مادّة “س ك ن” التي تدل على خلاف الاضطراب والحركة، يقال: سكن الشيء إذا ذهبت حركته فاستقر وثبت(1). 

وأما السكينة في الاصطلاح الشرعي، فقد عرفها الجرجانيّ: هي ما يجده القلب من الطّمأنينة عند تنزّل الغيب، وهي نور في القلب يسكن إليه شاهده ويطمئنّ، وقيل: هي زوال الرّعب(2).

وقال ابن القيّم: هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة الخوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات(3).

والسكينة على هذا من أفضل أسباب السعادة وموجباتها في الدنيا؛ بمعنى أن الإنسان قد يُعطى كل مقومات السعادة في الدنيا من مال وصحة بدنية، وجاه، وولد، لكن هذه المقومات لا تحقق له السعادة بالضرورة لافتقاده إلى السكينة (الصحة النفسية).

السكينة كما وصفها د. يوسف القرضاوي بحق: روح من الله، ونور، يسكن إليه الخائف، ويطمئن عنده القلق، ويتسلى به الحزين، ويستروح به المتعب، ويقوى به الضعيف، ويهتدي به الحيران.

يقول ابن القيم، يرحمه الله: 

«في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله.

وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله.

وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته.

وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه.

وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه.

وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً»(4). 

الإيمان وسر الوجود

إذا كان بعض الاختلال النفسي ينشأ فيما ينشأ عن الأسئلة المحورية التي لا يجد الإنسان لها إجابة، مثل:

من أين جِئتُ وجاء هذا الكون العريض من حولي؟

هل وُجِدتُّ وحدي أم هناك خالق أوجدني؟ 

ومَن هو؟ وما صِلَتي به؟

وهذا العالَم الكبير بأرضه وسمائه، وحيوانه ونباته وجماده وأفلاكه، هل وُجِد وحده أم أوجَده خالق مُدبّر؟ 

ثم ماذا بعد هذه الحياة، وبعد الموت؟ إلى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب الأرضي؟ 

لماذا وُجِدَ الإنسان؟ لماذا أُعْطِيَ العقل والإرادة وتَمَيَّزَ عن سائر الحيوان؟ لماذا سُخّر له ما في السماوات وما في الأرض؟ أهناك غاية من وجوده؟ أَلَهُ مُهِمّةٌ في حياته؟ أم وُجِد لمجرد أن يَأكل كما تَأكل الأنعام ثم يَنْفَقُ كما تَنْفَقُ الدواب؟ وإنْ كانت هناك غاية من وجوده فما هي؟ وكيف يَعرِفها؟ 

فإن الإيمان بالله وحده هو الذي يقدم الإجابات عن هذه الأسئلة فيتخلص الإنسان من الحيرة والشك والارتياب.

وحتى يكون كلامنا هنا علمياً وعملياً، لنتحدث عن أثر الإيمان في إذكاء حالة السكينة والاتزان النفسي.

أجريت مراجعة على الدراسات النفسية والسلوكية، التي أُلّفَت من فترة الستينيات حتى عام 2012م؛ بحثاً عن العلاقة بين الدين والاكتئاب، باعتبار الاكتئاب أبرز أعراض اختلال الصحة النفسية، وأكثرها ارتباطاً بالدين والتدين.

وخضعت للمراجعة أكثر من 400 دراسة، انتهت هذه المراجعة من قبل القائمين عليها المتخصصين في الطب النفسي إلى أن من 60% إلى 70% من الحالات المفحوصة كان للدين والتدين فيها أثر إيجابي على تخلص النفس من الاكتئاب، وتجلى ذلك الأثر الإيجابي على النواحي التالية:

أولاً: وجدوا أثراً للإيمان على تقليل نسبة الإصابة بالاكتئاب:

فالشخص المؤمن، أو المتدين، أو الذي يعتقد أن للكون خالقاً، أبعد عن الإصابة من الاكتئاب من الشخص غير المؤمن أو غير المتدين.

ثانياً: سرعة التعافي من الاكتئاب:

ومن بين المصابين بالاكتئاب وجدوا أن الشخص المؤمن، أو المتدين أقرب إلى الشفاء، وأسرع في التعافي من غير المؤمن وغير المتدين.

ثالثاً: التعامل الأفضل مع الاكتئاب أثناء وجوده:

من بين المصابين بالاكتئاب وجدوا أن المؤمن أو المتدين يتعامل أثناء المرض تعاملاً أفضل من غير المؤمن ومن غير المتدين؛ فالمؤمن والمتدين يمكنه رغم مرضه أن يتعايش مع الآخرين بصورة إيجابية نوعاً ما، بينما غير المؤمن وغير المتدين تسيطر عليه حالة الاكتئاب بحيث تجعل تعامله مع الآخرين ومع نفسه تعاملاً سلبياً وضاراً.

الأسباب

ولأن الدراسة دراسة علمية، تُخضع كل ظاهرة إلى سبب مادي ملموس، كما يهمها أن تُحوّل الظواهر الصحية والمرضية إلى ظواهر يمكن قياسها والتأكد منها، طفقت تبحث عن أسباب هذه العلاقة الإيجابية بين الدين والتخلص من الاكتئاب، فوجدت مرد ذلك إلى أربعة أسباب:

الأول: الحياة الاجتماعية في الإسلام:

وجدت هذه المراجعة أنها تطلب من مريض الاكتئاب أن يندمج اجتماعياً مع الآخرين، ويوسع القاعدة الاجتماعية التي يتعايش معها، باعتباره جزءاً من العلاج، ولا يترك نفسه فريسة للوحدة والانطواء.

وهذا بدوره موجود في الإسلام، من صلة الرحم، وزيارة الأهل، والتفاعل الإيجابي مع المسلمين في بذل النصيحة وعيادة المريض وعزاء أهل الميت، وتشييع الجنائز، وصلاة الجماعة، واعتبار أسرة الإنسان ليست أسرته النووية، بل أسرته الممتدة التي تشمل الأهل والأقارب، وانتهاء بالنهي عن نوم الإنسان وحده؛ فعن ابن عمر مرفوعاً «نهى عن الوحدة؛ أن يبيت الرجل وحده، أو يسافر وحده» (رواه أحمد، وصححه الألباني).

الثاني: حيلولة الدين بين الشخص والأسباب التي تسبب الاكتئاب: 

وجدت هذه المراجعة أن ثمة أسباباً تؤدي إلى الاكتئاب، منها إدمان المخدرات، والخيانة الزوجية.

وفي ديننا تعرف الخمر بأم الخبائث، وأثنى القرآن على الزوجات الصالحات؛ ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ (النساء: 34).

الثالث: وصف الدنيا على أنها ليست جنة في الأرض:

من الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب أن يجد الشخص نفسه فقيراً مبتلى معدماً محتاجاً، بينما يرفل الآخرون في ثياب النعمة، فيرى أنه وحده هو الذي جنت عليه الدنيا دون الآخرين.

لكن الشخص المتدين في ظل الإسلام يعلم أن هذه الحياة القصيرة التي يعيشها الناس ممزوجة الخير بالشر، والعدل بالظلم، والحق بالباطل، واللذة بالألم، ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنما هي مزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى، تجزى فيها كل نفس بما كسبت، وتخلد فيما عملت.

الرابع: الدين يساعد على إعطاء قدرات تكيف أعلى:

فإذا أخطأ المتدين عرف أن الخطأ من سمات البشر، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (رواه مسلم، رقم 2749)، وأن باب الإصلاح مفتوح بالتوبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

وأخيراً وجدت هذه المراجعة أن 6% من الحالات فقط أثبتت أن الشخص المتدين أقرب إلى الاكتئاب، فالمتدين يكتئب إذا أخفق في تربية أولاده، أو إذا اكتشف اعوجاجاً في زوجته، لكن حتى هذه الآثار الجانبية عالجها الدين الإسلامي بأن المرء مأجور على العمل لا على النتيجة، وفي الحديث: «عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد» (رواه الشيخان، اللؤلؤ والمرجان 1/ 54).

الهوامش

(1) انظر مقاييس اللغة (3/ 88)، والصحاح (5/ 2136).

(2) التعريفات للجرجاني (125).

(3) مدارج السالكين (2/ 525).

(4) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 71).

الكويت

 

مقرر اللجنة الصحية بمجلس الأمة الكويتي أسامة الشاهين لـ»المجتمع»:

قانون الصحة النفسية راعى آخر المعايير الدولية

 

المرض النفسي شائع وكلنا معرضون له ولا يعيب الإنسان

القانون نتاج تكامل جهود حكومية ومجتمعية وبرلمانية

هناك مراجعون على رأس عملهم في وظائف حكومية ولا يُلاحظ عليهم أي تأثير

القانون يشمل عقوبات مشددة على الأطباء في حالة تعريض المريض لإجراءات لا يحتاجها

اهتممنا بالسرية لأن الطب النفسي تخصص دقيق والنظرة الاجتماعية للمريض ما زالت سلبية

نبشر المواطنين والمقيمين بأنه تم سد النقص التشريعي والآن إجراءات الدخول والخروج محمية بالقانون

أدعو وزارة الصحة لإعادة الاهتمام بمركز الطب الإنساني الذي كان رائداً في الثمانينيات

الطب النفسي تطور كثيراً والالتزام بالدواء في المواعيد المحددة يعجّل بالشفاء بإذن الله

أجرى الحوار- سعد النشوان:

 

قال النائب أسامة الشاهين، مقرر اللجنة الصحية في مجلس الأمة الكويتي، وأحد المساهمين في إصدار قانون الصحة النفسية: إن الدافع وراء هذا القانون كان أهمية موضوع الصحة النفسية وانتشاره، بالإضافة إلى خلو التشريعات الكويتية من أي تنظيم للمسائل المتعلقة بالمريض النفسي.

وأكد الشاهين، في حواره مع «المجتمع»، أنهم بدؤوا في صياغة القانون من حيث انتهى الآخرون؛ حيث إن القانون الكويتي راعى آخر المعايير الدولية، باعتبار الأدلة النفسية التي تصدر من منظمة الصحة العالمية أدلة تُحدَّث كل سنتين أو أربع سنوات حسب الحاجة، أو تطورات علم النفس.

< بداية، بصفتك مقرر اللجنة الصحية بمجلس الأمة، وساهمت في إصدار قانون الصحة النفسية، هل نحن بحاجة إلى مثل هذا القانون؟

- بداية، الشرف لي أن ألتقي مع قامة صحفية كبيرة، تمثّل مجلة رائدة وغالية على قلوبنا جميعاً، وهي مجلة «المجتمع» الكويتية الإسلامية العالمية التي نعتز بها، وتمثل أحد عناصر القوة الناعمة الجميلة لبلدنا الحبيب خارج حدود هذه الدولة الصغيرة.

ثانياً: نشكر لكم تسليط الضوء على هذه القضية المهمة، التي سأوضح الآن مدى أهميتها للقراء عموماً، والمجتمع الكويتي على وجه الخصوص.

 

 

بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، فإن شخصاً من كل 5 أشخاص على الكرة الأرضية معرّض في حياته لعارض المرض النفسي، فالأمراض النفسية منتشرة انتشاراً كبيراً، والنسبة في الولايات المتحدة الأمريكية ترتقي إلى شخص من كل أربعة أشخاص معرّض لمرض نفسي لفترة من فترات حياته.

فالقضية في المقام الأول شائعة ومنتشرة، والإنسان معرض للمرض النفسي، وهو مرض من الأمراض لا يعيب الإنسان، وأسبابه ليست بالضرورة متعلقة بالإنسان نفسه، أو تقصيره في جانب معين من جوانب حياته، ولكنه ابتلاء يصيب الإنسان كغيره من الابتلاءات، وهذه النفس البشرية معقدة تعقيداً كبيراً، وهي خلق عظيم من خلق الله سبحانه وتعالى، ولذلك أقسم بها الله عز وجل، عندما قال:{وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧} (الشمس) صدق الله العظيم.

فلأهمية هذا الموضوع وانتشاره كان لا بد من إصدار هذا التشريع، خاصة مع خلو التشريعات الكويتية الرائدة من أي تنظيم للمسائل المتعلقة بالمريض النفسي، بمعنى إيواء المريض النفسي، واستقباله، وتعريضه للعلاج الكهربائي أو غير ذلك من العلاجات، وإدخاله للمصحة النفسية وحجزه رغماً عن إرادته، وحق الشكوى للأهل والأولياء، وما يترتب عليه من حجر على أمواله وتصرفاته.. كل هذه المسائل رغم تعقيدها وأهميتها وارتباطها بحرية الإنسان وحقوقه وأمواله، فإنها غير منظمة في التشريع الكويتي.

وكان القضاة والمحامون ورجال الأمن يلجؤون إلى النصوص العامة المتعلقة بالأمراض العضوية العادية، ولذلك انبرى مجموعة من الأطباء النفسيين، وفي مقدمتهم د. عادل الزايد، ود. عبدالمحسن الحمود، مشكورين، من القطاع النفسي الحكومي، وأيضاً عناصر أخرى في وزارة الصحة الكويتية، وكذلك كان هناك دور للمجتمع المدني؛ من خلال أكثر من ثلاثة مجاميع مدنية مجتمعية ناشطة في هذا الموضوع، ودافع له؛ فكان هذا القانون نتاج تكامل هذه الجهود الحكومية من جهة، والمدنية المجتمعية من جهة أخرى، والبرلمانية التي تلقفتها من جهة ثالثة.

< هل أخذ القانون نظريات علم النفس والصحة النفسية في الاعتبار، أم كان مجرد قانون منظم لهذه الأمور؟

- بدأ القانون من حيث انتهى الآخرون، وعبر هذا المنبر، نوجه الشكر للمكتب الفني للجنة الصحية والاجتماعية والعمل، وأعني بهم الموظفين الإداريين والباحثين القانونيين، الموجودين في اللجنة، حيث قاموا بجهد كبير في تجميع القوانين المقارنة، وأستطيع القول جازماً: إن القانون الكويتي راعى آخر المعايير الدولية، باعتبار الأدلة النفسية التي تصدر من منظمة الصحة العالمية، هي أدلة تُحدَّث كل سنتين أو أربع سنوات حسب الحاجة، أو تطورات علم النفس، ولذلك راعينا مثل هذا الجانب، وبدأنا من حيث انتهى الآخرون، وكذلك الجانب النفسي الإكلينيكي الطبي، استعنّا بالجانب النفسي الأكاديمي، وكان للزميل د. عودة العودة، عضو مجلس الأمة، وهو في الوقت نفسه عضو في قسم علم النفس بجامعة الكويت، دور ومساهمات كبيرة في إعداد تفاصيل هذا القانون وإنتاجه بهذا الشكل، وأحد الدكاترة القائمين على هذا الفريق هو حالياً في الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، كي يساهم في إعداد التشريع الإماراتي من حيث الخبرة والتجربة الكويتية المميزة في المجال التشريعي.

< ما أبرز نقاط مواد القانون؟

- من أبرز النقاط: تنظيم إجراءات الدخول، وتنظيم إجراءات الفحص، والفصل بين الفحص والدخول، ولا يُشترط لكل من يُفحص أن يدخل المستشفى النفسي، فقد يتم الفحص ولكن لا يحتاج دخول المستشفى.

أيضاً حرصنا على التمييز بين درجات الدخول، فهناك دخول مستمر، وحالات لا يتطلب منها الأمر سوى مراجعة أسبوعية فقط، لتلقي عقاقير طبية معينة.

وهناك من المراجعين من هم على رأس عملهم في وظائف حكومية، ولا يُلاحظ عليهم أي تغيير أو تأثير، ما دام ملتزماً بالمراجعة الأسبوعية، وأيضاً استحدثنا مراكز إيواء، وكذلك مما استحدثه هذا القانون حقوق التظلّم والشكوى، ووجود لجنة عليا غير اللجنة التنفيذية للرقابة، وكذلك الإلزام بتقييم الحالة خلال 48 ساعة حتى لا تطول مدة التقييم.

أيضاً راعينا حق المريض بالاطلاع -متى كانت حالته تسمح- على الخطة العلاجية الكاملة، ومعرفته بما سوف يتلقاه من أدوية وأساليب العلاج، ووضعنا قيوداً حتى على الأطباء في استخدام العلاجات الكهربائية وغيرها من الإجراءات المشددة، بأن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا في حالات ضيقة جداً ورقابة طبية داخلية عليها قبل مزاولتها.

< ماذا لو كان المريض في حاجة لصاعق كهربائي؟

- هناك مشرف يكون بجانب الاختصاصي النفسي المتابع اليومي، وهناك إشراف طبي أعلى، بحيث يكون هناك أكثر من رأي وأكثر من عقل يشارك في اتخاذ القرار؛ لأن المريض النفسي في حالات قد يعجز عن إبداء رأيه؛ لذا على الدولة أن تكون حريصة على مصلحته والرقابة عليها.

ويشمل القانون كذلك عقوبات مشددة على الأطباء، وهم وافقوا على التشديد بالعقوبة على الأطباء المتجاوزين في القانون الجديد، إيماناً منهم بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقهم، والعقوبة المشددة تكون في حالة تعريض المريض لإجراءات لا يحتاجها أو تعمد الحجز خلاف الواقع، أو نعته بأوصاف، أو أعراض، أو أمراض غير صحيحة، وكل هذه الأعمال أصبحت جنائية ولها عقوبات رادعة، بجانب الأخلاقيات ومواثيق المهنة الطبية.

< هل يحرص القانون الجديد على سرية وخصوصية المريض النفسي؟

- أشكرك على هذا السؤال المهم؛ لأنه يتناول قضية مهمة، نعاني منها للأسف في الكويت؛ لأن هناك واقعاً مقلوباً؛ فالبيانات الشخصية بشكل عام مستباحة ومتاحة، ومطلوب منك في كل مراجعة حكومية أن تحضر بياناتك الشخصية كلها سواء ما له علاقة بالجهة التي تراجعها أو ليس له علاقة بها، بينما البيانات العامة مغلقة عليها الأدراج ولا تستطيع الوصول إلى المعلومة العامة التي الأصل فيها الإتاحة والإباحة، ولكن للأسف الواقع لدينا مقلوب.

ولذلك حرصنا في هذا القانون، كمحاولة لتصحيح هذا الهرم المقلوب، أن نضع عقوبات جنائية مشددة ومغلظة على انتهاك حرية سرية الملفات الطبية، بجانب العقوبات المقررة أصلاً في قوانين مزاولة المهنة الطبية، لكون الطب النفسي تخصصاً دقيقاً، والنظرة الاجتماعية للمريض النفسي ما زالت خاطئة وسلبية للغاية، لذلك لا بد من العناية بالسرية والخصوصية حتى تصل التوعية في المجتمع إلى المستوى المطلوب، وأن المرض النفسي مجرد مرض عارض قد يعتري أي إنسان، ولا يعيب هذا الإنسان ولا أسرته ولا عائلته وجود هذا المرض النفسي عند أي شخص في الأسرة.

< هل يسمح القانون لمؤسسات المجتمع المدني بالاشتراك في علاج المريض النفسي، وخصوصاً المدمنين، ومن يعاني من الأمراض الاجتماعية؛ مثل السجناء الذين يعانون من العزلة، وغير ذلك؟

- لم نتطرق كثيراً لقضايا إدمان المخدرات؛ نظراً لوجود تشريعات مستقلة لذلك، ولكن حرصنا على أن يكون مجلس التنسيق والمتابعة الأعلى للصحة النفسية ليس مكوناً فقط من موظفين حكوميين، ولكننا ألزمنا أن يكون هناك عضوية للمجتمع المدني، سواء من الديوان الوطني لحقوق الإنسان، أو غيره من جهات مجتمعية، بحيث يكون لهم عضوية في هذا المجلس، ووضعنا اختصاصاً إلزامياً لهذا المجلس لتلقي الشكاوى، سواء من المرضى أو ذويهم، كمزيد من الضمان.

< هل هناك تحديات أو ثغرات واجهتكم في صياغة القانون وما زالت تحتاج إلى معالجة؟

- ركزنا في القانون على إجراءات الدخول إلى المستشفى، والعلاج، والخروج، لكن اكتشفنا ونحن نعالج هذه الجزئية من القانون أن هناك جزئيات أخرى مثل العلاج الصحي النفسي الأكاديمي، وهنالك طبيب نفسي خريج كليات طبية بتخصص علم نفس، وهنالك اختصاصي نفسي، قد يكون خريج كليات أدبية أو تربوية تخصص علم نفس، وهذا الثاني وإن كان له دور اجتماعي كبير، فإنه لا يحق له صرف عقاقير طبية، أو القيام بأي علاجات فيزيائية للمرضى النفسيين، ويكتفي فقط بتقديم النصائح والإرشادات فقط، وهذه الجزئية لم يتم تنظيمها حتى الآن.

وما زالت هناك ثغرة تشريعية تحتاج إلى معالجة، ولكننا أحببنا أن نبدأ بتنظيم إجراءات الدخول والخروج والعلاج بشكل عاجل نظراً لأهميتها وضروريتها، ولوجود حالات الآن داخل مستشفى الطب النفسي أو داخل المخافر، وموضوع الصحة النفسية أكبر من ذلك وأوسع، ونأمل أن ننجح في تغطيته في الفترة المقبلة إن شاء الله.

لكن نبشر المواطنين والمقيمين على أرض الكويت الطيبة، بأنه تم سد النقص التشريعي، والآن إجراءات الدخول والخروج منظمة ومحمية بالقانون، ونطمئنهم بأن الفحص لا يرتبط بالمرض، فربما يتعرض الإنسان للفحص ولكن لا يترتب عليه فتح ملف للمفحوص، كما أن الطب النفسي والعلاج والعقاقير الطبية تطورت كثيراً، وهناك كثير من الحالات موجودة في المجتمع، وبمجرد تناولها الأدوية بانتظام تعيش حياة طبيعية وشاملة.

لذا لا تحرم الأسر الكويتية أبناءها أو بناتها الذين يعانون من أمراض نفسية من الطب النفسي بحجة الحرص على سمعة الأسرة أو العائلة، فالمرض ليس عيباً، ولكنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله أن يشافي الجميع ويعافيهم ويحميهم من كل الأمراض النفسية والعضوية.

< المرض النفسي عضوي وليس روحانياً كما يقول د. عادل الزايد، فهل يتناول القانون الجديد النص على التوعية بالمرض لدى المواطنين والمقيمين؟

- للرقية الشرعية احترامها ومكانتها وأهميتها البالغة، وللطب النبوي أيضاً أهميته ومكانته، وأدعو عبر مجلة «المجتمع» وزارة الصحة لإعادة الاهتمام بمركز الطب الإنساني الذي كان نشطاً ومركزاً رائداً في الثمانينيات، ولكننا شهدنا بعد تحرير الكويت الغالية اندثاره وتراجع دوره بكل أسف.

ومن ناحية أخرى، أدعو الإنسان لبذل الأسباب الدينية والدنيوية كافة، والرسول [ يقول: «ما خلق الله داء إلا وجعل له دواء»، أو كما قال [.

فعلى المريض أن يبذل الأسباب، مثل اللجوء إلى الأطباء، بجانب لجوئه إلى الدعاء والذكر، وهو بلا شك له دور كبير في الصحة النفسية مصداقاً لقوله تعالى:{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨} (الرعد)، وأوصي الجميع بألا نجعل بيوتنا مقابر كما قال النبي [، تخلو من ذكر الله، بل علينا أن نعمرها وننورها بذكر الله، وأذكار اليوم والليلة، والحرص على صلاة التطوع في البيوت حتى تعمر وتستنير، وتكون حياتنا أفضل وأجمل، ويبقى أمر المؤمن كله له خير، سواء كان من عافية أو ما كان من ابتلاء، فمع الابتلاء يكون الأجر والثواب، كذلك ينال ذوو المريض النفسي نصيبهم من الأجر والثواب، الذين يعانون بسبب معاناته، ويتابعونه ويشرفون على علاجه، والذهاب به إلى المشافي، وأنا أقول لهم: إن الطب النفسي تطور كثيراً، والالتزام بالدواء في المواعيد المحددة يعجّل بالشفاء إن شاء الله تعالى.>

 

«الرحمة العالمية» تتجاوز علاج اللاجئين السوريين جسدياً إلى نفسياً

 

وليد السويلم:

- قوافل الدعم النفسي تخفف تأثيرات الاضطرابات النفسية للنازحين واللاجئين بالطرق العلمية

- «الرحمة» سيّرت 7 قوافل للدعم النفسي للاجئين السوريين بتركيا والأردن

جنان القطان:

- المتضرر الأكبر بالأزمة السورية الطفل.. وحاجة ماسة لفتح مراكز دعم نفسي واجتماعي وتربوي

- فتاة (14 ربيعاً) فقدت القدرة على الكلام بعد رؤيتها قتل والدها وعمّها وأخيها أمام عينيها

د. منى القطان:

- نعمل على اكتشاف حالات الاضطراب النفسي لدى الأطفال وآلية التعامل معها

- رحل زوجها وترك على عاتقها 8 أشخاص وهي لا تملك شيئاً وكانت راضية

تحقيق - سامح أبو الحسن:

 

يعاني آلاف الأطفال السوريين من اضطرابات نفسية، وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، وفي محاولة لتلبية احتياجاتهم، قامت جمعية الرحمة العالمية بتسيير قوافل للدعم النفسي والتربوي، ضمت أساتذة ومتخصصين في الدعم النفسي؛ حيث وصل عدد القوافل التي سيرتها الجمعية إلى سبع.

قال رئيس مكتب سورية وتركيا في جمعية الرحمة العالمية وليد السويلم: تنشأ خلال الأزمات والكوارث الإنسانية تحديات تهدد بنية المجتمع بأكمله، وتخلق آثاراً نفسية واجتماعية سلبية عديدة، تتفاوت شدتها من شخص لآخر، وهنا تبرز أهمية برامج الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من هذه الأزمات كوسيلة للتخفيف من حدة الآثار السلبية على الفرد والمجتمع، وصولاً إلى تجاوزها وتحصينهم من آثارها مستقبلاً؛ لذا وضعت الرحمة العالمية ضمن أهدافها لإغاثة اللاجئين السوريين إنشاء فريق للدعم النفسي والتربوي؛ فكان فريق «بلسم» الذي سيّر منذ بداية عمله إلى الآن سبع قوافل للدعم النفسي والتربوي؛ منها خمس قوافل للاجئين السوريين في تركيا، واثنتان للاجئين في الأردن.

وأوضح السويلم، في تصريح لـ«المجتمع»، أن فريق «بلسم» للدعم النفسي استشعر مدى المعاناة التي يعيشها الرجال والنساء والأطفال السوريون جراء المشاهد الأليمة التي وقعت لهم، مبيناً أن حالات الهلع والخوف والتردد التي عانى منها الأشقاء السوريون خلال رحلة اللجوء الصعبة على مدار السنوات الماضية لها الدور الكبير في إحداث تقلبات نفسية قد تكون في بعض الأحيان ذات بُعد عدواني تجاه الآخرين.

ونوه السويلم إلى أن قوافل الدعم النفسي تعمل على التخفيف من حدة تأثيرات هذه العوامل بالطرق العلمية، إضافة إلى تعزيز الوازع الأخلاقي والديني لدى المصابين لما له من أثر كبير في إحداث الطمأنينة والراحة النفسية لهم بشكل مباشر، مبيناً أن الفريق المختص يعمل على إدخال السرور لقلوب الأطفال السوريين، وإبراز بعض ما لديهم من مواهب، مؤكداً أن تلك القوافل ركزت على مساعدة الأطفال المتضررين على التأقلم مع البيئة الاجتماعية من خلال النصيحة والإرشاد وإجراء برامج تربوية هادفة بحسب فئاتهم العمرية ومتطلباتها.

وأوضح السويلم أن هدف هذه القوافل هو تقديم الحماية والدعم النفسي للاجئين السوريين الذين شهدوا أبشع مظاهر العنف والحرب، محاولين بذلك دفعهم كي ينسوا صفحاتها وإزالتها من عقولهم وأفهامهم أن الحياة مليئة بالحب والسلم والروح الإنسانية المتسامحة، عبر إدخال ولو مسحة فرح بسيطة ولمسة هدوء وسكينة إلى قلوبهم، وإبراز بعض ما لديهم من مواهب.

 

«يزن».. اختصار المعاناة

وأفاد السويلم بأن الرحمة العالمية أطلقت مشروع «يزن» التربوي لرعاية أبناء السوريين النازحين في إطار الدور الذي تضطلع به في مواجهة آثار الأزمة السورية، وأضاف أنه تم استلهام المشروع من قصة «يزن»، وهو طفل سوري من أهل درعا لم يتجاوز 13 عاماً، غير أن حياة التشرد التي فرضت على أسرته أرغمته على دخول سوق العمل ليمارس حياة الكدح كل يوم ويعود بما يتيسر من مال، وقد دفعته الحاجة لممارسة هذا العمل كونه أكبر الأبناء في أسرته التي تضم إلى جانب أمه المريضة أختاً أكبر منه بسنتين وأخوين أصغر منه.

وكشف السويلم عن أن وفداً من الرحمة العالمية التقى بأسرة يزن، واستمع إلى قصته المؤثرة، ورأى فيها اختصاراً لمعاناة أطفال سورية بما تحتاجه من معالجة تربوية وعلمية عميقة وليس مجرد إيواء إغاثي مؤقت، واعتبر أن هذه البرامج تهدف إلى تفريغ الشحنات السلبية من نفوس الأطفال وإشعارهم بالمساندة والأخوة على المستوى النفسي.

 

تعزيز التعايش المجتمعي

ومن جانبها، أكدت عضو فريق «بلسم» للدعم النفسي التابع لجمعية الرحمة العالمية، جنان القطان، أن الدعم النفسي هو ما يعزز مفهوم التعايش المجتمعي ومفهوم التكيف الإيجابي في ظل ظروف قاسية، ويساهم في علاج الاضطرابات النفسية الناتجة عن الصدمات وضغوط الكوارث والحروب، مشيرة إلى أن الهدف من برامج الدعم النفسي تتمثل في الصحة النفسية للفرد التي تعتمد على ثلاثة نطاقات؛ الأول: القدرة الذاتية من خلال مهارات الفرد وقدراته وثقافته وصحته، والثاني: التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال العلاقات الاجتماعية وأنظمة الدعم الفردية والجماعية والمؤسسية، أما الثالث: التراث القيمي والثقافي؛ حيث تصنع الثقافة والقيم المجتمعية درجة قوة أو ضعف السلوك للأفراد مما يؤثر على الاتزان النفسي والاجتماعي.

وأوضحت القطان، لـ«المجتمع»، أن أشكال الدعم النفسي متعددة، منها التوعية والتثقيف وذلك من خلال المحاضرات والورش والدورات التدريبية المتخصصة بتمكين الفرد من مهارات الصحة النفسية والتحفيز على الإيجابية الفاعلة وكذلك الملتقيات والمؤتمرات، مشيرة إلى أن ضمن تلك الأشكال أيضاً البيئة الاجتماعية الإيجابية الداعمة، وذلك من خلال الأنشطة والفعاليات الجماعية لذات الطابع الترفيهي الإيجابي الهادف، بالإضافة إلى تشكيل مجموعة داعمة وتأسيس أندية ومراكز دعم متخصصة ذات نشاط اجتماعي.

وتابعت القطان أنه ضمن أشكال الدعم النفسي يأتي أيضاً التوجيه والعلاج المتخصص من خلال متابعة الحالات الفردية وعلاجها، وتوجيهها بحسب حالاتها لدى المتخصص للوصول بالفرد إلى الأمان النفسي والاتزان العاطفي والتفاعل الإيجابي، إضافة إلى توفير المبادرات التنموية من خلال فتح باب العمل في المبادرات التنموية حيث العمل في بيئة إيجابية مع الإنجاز الذي بدوره يساهم في تعزيز الصحة النفسية.

 

أبرز النتائج

وعن أبرز النتائج التي تم التوصل إليها قالت القطان: إن المتضرر الأكبر في الأزمة السورية هو الطفل السوري، كما أن الحاجة ماسة إلى فتح مراكز دعم نفسي واجتماعي وتربوي ليكون المركز هو الوحدة الدائمة للتوجيه والإرشاد، ليس فقط في الاعتلال النفسي بل في العلاقات الأسرية والأشكال التربوية أيضاً، مؤكدة أهمية تدريب مجموعات الدعم الداخلي، وهم مجموعة من الأفراد السوريين من ذوي الكفاءات، ليقوم أفراد هذه المجموعات بدور متخصص الدعم النفسي والتربوي والاجتماعي طول فترة المهجر، بالإضافة إلى ضرورة فتح مراكز ثقافية للأسرة؛ وذلك لدعم الأنشطة الثقافية والمهارات الاجتماعية.

وأكدت القطان حاجة المتضررين للدعم الإيماني الروحاني موازاة مع الدعم النفسي، خاصة أن هناك عدداً كبيراً يحمل تجارب قاسية جداً وبشعة مؤثرة بشكل سلبي على الصحة النفسية والعقلية والجسدية، ومع ما يحمله فإنه يتعرض لضغوط نفسية متعددة المصادر في أرض المهجر، مشيرة إلى أن هناك العديد من التحديات التي تواجههم، مثل تحديات البقاء على قيد الحياة، واستمرار التعايش في أرض المهجر، أشغل جميع الأفراد عن الاهتمام بمظاهر الهوية السورية والتراث السوري الذي يحمل الكثير من القيم والعادات والثقافات والقصص البطولية التي تعزز الشعور بالفخر والولاء للوطن، مؤكدة ضرورة ربط الأجيال بالتراث السوري لما له من أثر في تعزيز الصحة النفسية.

وقالت القطان: وعند رفع الوعي بأهمية الإنسان من خلال تقديم الدعم النفسي، اتضح أن الناس يخلطون بين المشكلات والاضطرابات النفسية الناتجة عن الأزمة الأمنية والمشكلات الناتجة بسبب خلل وظيفي بالدماغ أو بأسلوب التنشئة؛ ولذلك من ضمن أهداف الدعم النفسي زيادة الوعي بالمشكلات المرتبطة بالأزمات، وتقديم وسائل عملية مبنية على أسس علمية، وتدريب المهتمين بأفضل الوسائل الداعمة لتخفيف الآثار التي قد تعيق حياة الإنسان، بالإضافة إلى تحديد المشكلات النفسية وتقديم الإرشاد المناسب للتكيف معها.

 

معوقات ومشاهدات

وعن أهم المعوقات في ميدان العمل النفسي قالت القطان: إن هناك العديد من المعوقات، يأتي في مقدمتها الجانب المادي وتوفير المكان والتصاريح وعدم التعاون بين العديد من الأطراف بينها المدرسة والبيت والداعم والمرشد، كما أن هناك محسوبيات في اختيار الداعمات، إضافة إلى تدخل الجهات الداعمة في العمل التربوي والنفسي، وعدم توافر المقاييس الخاصة بالإرشاد النفسي والتربوي، وسوء تشخيص الحالات لدى الأطفال، والغياب المتكرر لدى الأطفال عن برامج الدعم لأسباب مختلفة، منها تعارض الوقت مع المدارس والنوادي التربوية، وعدم الاستطاعة إلى الوصول إلى بعض الأماكن أو المراكز أو المناطق، إضافة إلى عدم الوعي بأهمية الدعم التربوي والنفسي، وضعف التأهيل الشرعي للدعم النفسي لدى المجتمع.

وعن أبرز المشاهدات التي وجدتها أثناء تقديم الدعم النفسي للاجئين السوريين قالت القطان: فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها 14 ربيعاً، فقدت القدرة على الكلام بعد رؤيتها لوالدها وعمها وأخيها قد قتلوا أمام عينيها، وأمّ احترق أولادها الستة وهم نيام في إحدى الخيام وبقيت وحيدة، والجدة التي تربي حفيدتها بعد مقتل والديها، ناهيك عن المغتصبات في السجون والجرحى مبتوري الأقدام، وغيرها من المشاهد.

 

عودة الاتزان النفسي

ومن ناحيتها، أكدت عضو فريق «بلسم» للدعم النفسي التابع لجمعية الرحمة العالمية، د. مني القطان، أن بداية فكرة الدعم النفسي للاجئين السوريين انطلقت من رؤيتنا إلى الحاجة الملحة لدعم الأطفال السوريين نفسياً، في ظل العديد من الصدمات التي تعرضوا لها وأثرت على نفسياتهم؛ مما تسببت في العديد من الأمراض النفسية وحالات الاكتئاب، ولأن بناء المجتمعات يتم من خلال الأفراد؛ فكان لزاماً علينا المساهمة في عودة الاتزان النفسي إلى بعض الأفراد الذين فقدوه نتيجة العديد من الصدمات التي شاهدوها، مبينة أن الدعم النفسي يعد إغاثة نوعية تحتاج إلى استمرارية ومتابعة؛ فكانت الفكرة الأساسية تأهيل مختصين نفسيين وتربويين من اللاجئين السوريين المتخصصين في مجال التربية والمؤهلين نظرياً في مجال علم النفس لاكتشاف الحالات التي تعاني من اضطرابات نفسية والقدرة على تشخيصها ووضع أساليب علاجية ومتابعتها.

 

الدعم النفسي غذاء للروح

وأضافت القطان: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً»، فمن خلال تقديمنا للدعم النفسي فنحن نغذي الإنسان روحياً، ونستعيد اتزانه النفسي، ونمتص الصدمات التي عانى منها إثر الصدمات التي واجهها خلال الأزمة السورية والظروف القاسية، فيستعيد دافعيته، ويستطيع من خلالها أن يكمل الحياة عبر بوابة الأمل، ويمارس حياته الطبيعية مع أسرته ويقدم لهم المعونة؛ لأن الإنسان المحبط لا يستطيع أن يتفاعل مع محيطه الاجتماعي، فلا بد أن يكون فعّالاً ومنتجاً، فعندما يصبح الإنسان في حالة صحية ونفسية جيدة يستطيع أن يكون معطاء.

وعن أهداف علاج السوريين نفسياً قالت القطان: تتمثل الأهداف في اكتشاف حالات الاضطراب النفسي لدى الأطفال، وآلية التعامل معها، وتوصية المربيات وتدريبهن على استخدام الإستراتيجيات التربوية في حل المشكلات النفسية، وكيفية التعامل مع بعض الحالات بعد تشخيصها، وإمدادهن بالمقاييس النفسية التي تساعدهن في تشخيص الحالات وكيفية التعامل معها، بالإضافة إلى إعداد مجموعة من المتدربات من خلال مرورهن بمستويات ودورات تخصصية نفسية، وذلك لأننا نبني الإرشاد النفسي على الأسس النظرية التي تم اكتسابها في مرحلة البكالوريوس، أما التربويات فشريحتنا المستهدفة هن المربيات في مراكز الأيتام، ونقوم بإعطائهن إستراتيجيات تربوية لكيفية التعامل مع الأطفال المضطربين نفسياً، وذلك لتعزيز المهارات والقيم لديهم، فنقدم دوراتنا النفسية لفئتين لإعداد فريق متكامل لمتابعة الحالات النفسية حتى يتم دعمهم نفسياً بشكل مستمر، ونقوم بمتابعة هذه الحالات وعلاجها ونقدم الاستشارة للمتدربات.

 

قصص واقعية

وعن أكثر المشاهد المؤثرة قالت القطان: إن أكثر المشاهد المؤثرة نفسياً هي مشاهدة نظرة الحزن في عين الطفل البريء الذي ينظر إلى الحياة بكل أمل وسلبت منه سعادته، فهناك أطفال تكبدوا معاناة المسؤوليات والأعمال، وتحملوا أدوار البالغين؛ بسبب فقدان المعيل، فكثير منهم يعاني من نقص في الإمكانات المادية لسد الاحتياجات اليومية، والطفل هو أكثر من يؤثر في نفوسنا، حيث لا نرضى أن يلجأ للتسول. 

كذلك الأم، حيث من كثرة الضغوط المعيشية تكون سلبية، وتقوم بإسقاط ضغوطاتها على أولادها فلا تستطيع أن تعيش حياة صحية سليمة، فأكثر ما يؤذيني سلبية أمهات فقدن الأمل في الحياة، وحرمن أبناءهن السعادة، ومن القصص المؤثرة أمّ رحل زوجها وترك على عاتقها 8 أبناء، أكبرهم سناً يبلغ 18 عاماً، اثنان منهم مصابان بإعاقة، وآخر مريض بالسرطان، دون أن يكون لها مصدر رزق لتنفق عليهم، كما تعاني أخت زوجها من الصمم، فتلجأ هذه السيدة إلى أبسط الأعمال كالخياطة والطبخ لتوفر احتياجاتهم، وعلى الرغم من ذلك كله، فإنها كانت تقابلنا بوجه طلق، وفي قمة الرضا والمعنويات العالية.>

الرابط المختصر :