العنوان الصحة النفسية بين الوراثة والبيئة
الكاتب سمير يونس
تاريخ النشر السبت 13-مارس-2010
مشاهدات 55
نشر في العدد 1893
نشر في الصفحة 58
السبت 13-مارس-2010
من الحياة
د. سمير يونس
الصحة النفسية بين الوراثة والبيئة
هاتفني أحد الآباء، وطلب مني مساعدته على تقويم سلوك ابنه، وألح في إجراء مقابلة معه في حضور زوجته وابنه، فكانت المقابلة. جلست أنصت للأب أولًا: حيث شكا من بعض سلوكيات ابنه التي تؤكد في مجموعها أنه مضطرب نفسيًا -من وجهة نظر الأب- ثم تحدثت الأم، وما إن بدأت الأم حديثها إلا وتحولت المقابلة إلى مناظرة بينها وبين زوجها كل منهما يلقي بالمسؤولية على الآخر، وبرز في الحديث سجال يعكس الاختلاف على سبب الاضطراب النفسي والانحراف السلوكي لدى الابن.
وكانت تفسيرات كل من الأب والأم سطحية لكنها في مجموعها تشير إلى اختلاف حول السبب، فبينما يرى الأب أن الوراثة هي المسؤولة عن ذلك، ترى الأم أن البيئة هي المسؤولة، حيث قال الأب: إن ابنه أخذ هذه السلوكيات بالوراثة لأن أخوال الابن كذلك وإنه يخشى اليوم الذي يرى فيه ابنه قد ساءت حالته، ووصل إلى ما وصل إليه أخواله الآن من سكر وسرقة ومقامرة! أما الأم فأرجعت حالة ابنها إلى بخل الأب على الأسرة، وسوء معاملته للابن، وكثرة غيابه عن البيت، وعدم اهتمامه بتربية أولاده، وضعف الحوار معهم.
وبغض النظر عما حدث من حوار في هذا الموقف بيني وبين الأب والأم، فإن الأب يرى أن الوراثة هي المسؤولة عن انحرافات الابن بل اختصر الأب العوامل الوراثية في جينات الأم، وأبعد نفسه عن هذا الشأن، وتلك مغالطة أخرى، أما الأم.. فترى أن البيئة هي المسؤولة عن ذلك.
خطورة تسطيح التفسيرات
إن لمثل هذه التفسيرات السطحية خطورتها في موقفنا إزاء الحالة- كما يقول الدكتور عبد العزيز القوصي عالم النفس المشهور في كتابه ، أسس الصحة النفسية فقيام المربي -معلمًا كان أم والدًا- بإرجاع المشكلة إلى أصل وراثي دون الاستناد في ذلك إلى الدراسة العلمية الكافية.. معناه أن يقوم المربي بإبعاد التبعة عن نفسه، وقد يتضمن تفسير الأب كذلك أنه يعتبر الانحراف السلوكي أمرًا حتميًا يجب الاستسلام له، وأنه شأن وراثي- فلا تجدي محاولة علاجه بحال من الأحوال.. وهذا كله يشكل خطورة كبيرة تنتج من تسطيح التفسيرات.
وتأسيسًا على ما يراه علماء النفس.. فإن تفسير الأب لسبب سلوكيات الابن تفسير سطحي استسلامي.. وكذلك الحال بالنسبة لتفسير الأم، إذ إنها عزت المشكلة إلى البيئة فقط، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: الوراثة أم البيئة أم هما معًا؟ ما المسؤول عن سلوكيات الابن واضطرابه النفسي؟
اختلاف علماء النفس
الحقيقة أن العلماء النفس آراء مختلفة في هذا الشأن، فبعضهم يرى أن المسؤول عن ذلك الجينات الوراثية، وبعضهم يرى أن البيئة هي المسؤولة، بيد أن معظم الأبحاث التربوية والنفسية تؤكد أن الوراثة والبيئة معا لهما تأثيرهما في مثل هذه الاضطرابات والسلوكيات.
فعلماء الوراثة أمثال «جولتون Golton وبيرسون Person» يؤكدون تأثير الوراثة، أما المصلحون الاجتماعيون فيؤكدون تأثير البيئة.
والحقيقة التي أكدتها البحوث النفسية والتربوية الحديثة -بعد أن أكدها الإسلام من لدن قرون عديدة- أن الوراثة والبيئة كلتيهما مسؤولة عن المولود، ليس ذلك في مجال الصحة النفسية فحسب، بل في مجالات العادات والأخلاق والقدرات العقلية، وسمات الشخصية والمهارات الاجتماعية والمستوى الثقافي.. وغير ذلك، حيث وجه الإسلام الرجل إلى ضرورة إحسان الاختيار، وفي الوقت ذاته حمله مسؤولية تهيئة البيئة الأسرية الصالحة للتنشئة السليمة، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة.
المقصود بالوراثة والبيئة
يُقْصَدُ بالوراثة: «جميع العوامل الموجودة في الكائن الحي من اللحظة التي يتم فيها تلقيح الخلية الأنثوية بالخلية الذكرية».
فقد أثبت علماء الوراثة أن بالخلية خيوطاً في شكل العصي تسمى الكروموسومات chromosome، وأن هذه الخيوط يمكن تقسيمها إلى مناطق متعددة، وافترضوا في ضوء الحقائق العلمية أن على كل منطقة منها ما يسمى بـ الجينات، Genes، وأثبت هؤلاء العلماء أن هذه الجينات هي حوامل الاستعدادات الوراثية، فالخلية الناتجة بعد التلقيح تحمل كروموسومات جينات بعضها من الأم وبعضها من الأب، ثم تبدأ الخلية تتكاثر مكونة الجنين.
ولكي تتكاثر الخلية وتنمو وتحيا لابد لها من بيئة، وبيئة الطفل الأولى هي رحم الأم وهي بيئة هيأها الله سبحانه وتعالى للطفل فتوافرت فيها الحرارة المناسبة، وسبل الوقاية وأسباب النمو من وقاية، وتغذية، وتكيف، وغير ذلك.
أما البيئة فتعني جميع العوامل الخارجية التي تؤثر في الشخص من بدء نموه إلى آخر مراحل عمره.
إذن.. فعوامل الوراثة من داخل الكائن الحي وعوامل البيئة من خارج الكائن الحي تعمل كلها معًا منذ اللحظة الأولى لحياة هذا الكائن ويستمر في نموه متأثرًا بالظروف المحيطة به، ثم يخرج من الرحم إلى العالم الذي سيعيش فيه، فتظل الوراثة كمؤثر داخلي تؤثر في نموه وشخصيته، وكذلك البيئة الجديدة وهي الأسرة وما يحيط بالطفل تعمل كمؤثر خارجي، بعد أن كانت البيئة قبل الميلاد هي رحم الأم.
دراسات نفسية في الميزان
أ- دراسات تحيزت للوراثة:
من أشهر هذه الدراسات دراسة جولتون Golton، التي أجريت على أقارب العظماء في إنجلترا من القضاة، ورجال السياسة، ورؤساء الوزارات والبارزين في مجالات الأدب والعلم وخلص، جولتون، في النهاية إلى أن ذلك راجع إلى الوراثة لأن هؤلاء العظماء آباء وأعمامًا وأجدادًا وأبناء وأحفادًا كانوا عظماء أيضًا.
ويعيب دراسة جولتون، هذه أنه نسي أن هؤلاء العظماء عاشوا في بيئة واحدة، ومن ثم لا يستطيع أحد أن ينكر دور البيئة هنا أيضًا.
ب- دراسة المجرمين وضعاف العقول:
ثمة دراسة أخرى أجريت على أسرتين أسرة الجوك (The Jukes)، وأسرتي الكاليكاك (The kallikak)، حيث كان يعيش أجداد الأسرة الأولى في بقعة مرتفعة مغطاة بالغابات تبعد عن نيويورك بمائتي ميل تقريبا، وكانت كثيرة الجرائم، فقام أحد الباحثين بدراسة تسع طبقات من الأجيال تشمل ما يقرب من ثلاثة آلاف فرد، ووجد أن نسبة الإجرام فيها ٣٤ وبرغم أن هذه النسبة كبيرة، إلا أنه يلاحظ أن الجريمة لم تكن متأصلة في نفوس هؤلاء الأفراد، حيث قام الباحثون بتفريق هؤلاء الناس ودمجهم في المدنية الأمريكية، وأحسنوا تعليمهم وتوجيههم -أي بتأثير البيئة- فزالت اتجاهاتهم الإجرامية، وهذا يؤكد خطأ إرجاع الجريمة إلى العوامل الوراثية.
أما أسرتا كاليكاك، فقصتهما أن جنديًا يدعى، مارتن كاليكاك، كان قد أنجب طفلًا غير شرعي من فتاة ضعيفة العقل، وتتبع الباحثون ٤٨٠ فردًا من ذرية هذه البنت في أجيال متعاقبة، ووجد أن من بينهم ٦٤ شخصًا فقط يمكن اعتبارهم عاديين، أما الباقون فكانوا يعانون حالات الصرع، أو الإجرام أو البغاء، وإدمان المخدرات، وضعف العقل.
وبعد مدة من الزمن تزوج مارتن كاليكاك بفتاة عادية من أسرة طيبة، وأخضع الباحثون ٤٩٦ فردًا من ذرية هذه البنت في طبقات وأجيال متتابعة، وأسفرت الدراسة عن أن عدد العاديين ٤٩١ فردًا، نجح كثير منهم في الحياة نجاحا بارزًا، أما الخمسة الباقون فكان بينهم حالة ضعف عقلي واحدة، وحالة استهتار جنسي وحالتا إدمان خمر، وحالة تطرف ديني.
ج- دراسة التوائم:
قام علماء النفس بدراسات متعددة على التوائم، على أساس أن التوائم متحدون- عادة في الوراثة، وكان هؤلاء العلماء يهدفون إلى تحديد أثر الوراثة في القدرات العقلية والصحية والنفسية، وأكدوا في نهاية بحوثهم أن الوراثة هي المؤثرة.
بيد أن هؤلاء العلماء لم يلتفتوا إلى أن التوائم يعيشون في بيئات واحدة أو متقاربة، فقبل الميلاد يعيشون في بيئة واحدة هي الرحم، وبعد الميلاد يعيشون في بينات واحدة أو متقاربة.
د. دراسة التوائم المتحدة:
يفرق الباحثون في دراساتهم بين نوعين من التوائم:
التوائم المتحدة: وهي الناشئة من تلقيح بويضة أنثوية واحدة، ثم انقسامها إلى أكثر من جنس واحد.
التوائم المختلفة وهي الناشئة من تلقيح أكثر من بويضة أنثوية واحدة.
وقد قام هو لزنجر «Holzinger» بإيجاد درجة التشابه للصفات الجسمية والعقلية والخلقية في مجموعة التوائم المتحدة وتوصل إلى أن الفرق بين مجموعتي التوائم المتحدة يرجع بعضه إلى الوراثة، وأن أكثر الصفات المتأثرة بالبيئة هي الصفات العقلية وأن الصفات الأخلاقية تتأثر بالبيئة أكثر من الوراثة.
وقد قام بعض الباحثين بالفصل بين التوائم بعد الولادة، ووضعهم في بيئات مختلفة من حيث المعاملة، والتعليم، والمستوى الاقتصادي.. وغير ذلك، وجاءت النتائج كلها تؤكد النتيجة السابقة، ألا وهي ثبات التشابه الجسمي والعقلي بدرجة كبيرة، وتغير نسبي من الناحية الخلقية.
وتدل نتائج هذه البحوث على أن الذكاء يورث، وأن أثر البيئة في تغييره ضعيف، وأن التوائم المتحدة يتساوون إلى درجة كبيرة في ذكائهم في مراحل العمر المختلفة، حتى إن غيرت بيناتهم تغييرًا واضحًا.
الأخلاق والوراثة
تؤثر الأخلاق في قدرة الفرد على التكيف مع البيئة، بل يرى البعض أن الأخلاق هي سلوك الإنسان في مجموعة، ويدخل في تحديده عوامل وراثية من أنواع مختلفة.
ويعتبر بعض الباحثين أن الغرائز والمزاج مؤثران في سلوك الفرد، ومن ثم فهما يؤثران في الصحة النفسية، وزعم بعضهم أن الغرائز والمزاج يتأثران فقط بالعوامل الوراثية، ومن هؤلاء «مكدوجل» «Mc dougoll»، و«برت Burt»، حيث اعتبر أن الإنسان يرث غرائزه بدرجات متفاوتة في الشدة، وكذلك المزاج.
ويمكن الرد على هذا الزعم بقولنا: إذا كان الإنسان يرت غرائزه بقوة معينة.. فإن توجيه الغرائز نحو الخير أو الشر مرتبط أيضًا بالتعليم والتربية والبيئة، وهذا يعني أن أساس الأخلاق إن كان وراثيًا فإن توجيهها إلى الإيجاب أو السلب يتوقف على البيئة، وأما المزاج فهو مجموع الخصائص الوظيفية الفسيولوجية المؤثرة في السلوك، وهي خصائص ناتجة من مجموع إفرازات الغدد، وما بالدورة الدموية من خصائص ومركبات، ومن المميزات الطبيعية للمجموع العصبي نفسه، وهذه الصفات المزاجية تؤثر في خلق الإنسان، ولها أساس جسمي تتحكم فيه الوراثة إلى حد كبير، وبرغم ذلك فإن الدراسات النفسية والتربوية والعلمية، تؤكد أن للتوجيه والتعليم (البيئة) أثراً كبيراً في الصحة النفسية والسلوك.
والحقيقة أن الطفل الصغير يولد مزودًا بقدرة فائقة على اكتساب ما يقدم إليه من خير أو شر، وهو يميل أكثر إلى الخير لأنه مفطور على حب الخير، ومن ثم يحتاج إلى التأديب والتربية والتوجيه، وهذا يؤكد أن للوراثة والبيئة تأثيرًا في تشكيل شخصيته.. وفي ذلك يقول الإمام أبو الحسن الماوردي المربي المسلم الأدب مكتسب بالتجربة أو مستحسن بالعادة وكل ذلك لا ينال بتوفيق العقل، ولا بالانقياد للطبع، حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة ويستفاد بالدربة والمعاطاة.
ولا ينبغي تضخيم شأن الوراثة، فبالإمكان التخفيف من تأثيرها، وذلك بمزيد من الجهد والمثابرة والتربية والتقويم، ويشير المربي المسلم أبو حامد الغزالي -يرحمه الله- إلى هذه القضية، مبينًا أن الأخلاق الحسنة كالجود التواضع، والشجاعة.. وغيرها، يمكن إكسابها للشخص من خلال ممارستها والتدرب عليها حتى تصبح محببة إلى النفس، ويشير الغزالي إلى حديث رسول الله ﷺ في هذا الشأن إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم.. ويصفه ب القاعدة الذهبية في تغيير السلوك.
نخلص من هذا المقال وسابقه، إلى أن ميدان الصحة النفسية يبحث في تكوين الأفراد ووقايتهم وعلاجهم من العيوب النفسية والسلوكية في مراحل نموهم المختلفة، وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء الأفراد ممن يعانون أمراضا نفسية؛ لأن الصحة النفسية نسبية وربما لا يتمتع كثير من الأشخاص بالصحة النفسية دون أن يعانوا أمراضًا نفسية، وأن الفروق بين الناس في الصحة النفسية هي فروق في الدرجة، أي إن الناس يتفاوتون من حيث تمتعهم بالصحة النفسية، بل إن الفرد الواحد يختلف من موقف لآخر في درجة تمتعه بالصحة النفسية، وتأسيسًا على ذلك فإن الفرد في أي عُمر هو مجال البحث في علم الصحة النفسية.
في مواقف الحياة المختلفة الفرد في أسرته والتلميذ في دراسته ومدرسته، والطالب في جامعته وكليته، والموظف في عمله، والإنسان مع أقاربه، أو زملائه في العمل أو أصدقائه.. إلخ، وعندما ندرس الشخص فإننا يجب أن أم البيئة، كما أن الدراسة الواقعية للأفراد في هذا المجال ينبغي أن تركز على المشكلات والاضطرابات النفسية والسلوكية تشخيصًا ندرس مجموع القوى المؤثرة في صحته النفسية وسلوكياته سواء أكانت تنتسب إلى الوراثة ووقاية، وتكوينًا وعلاجًا، وتعليمًا وتوجيها.