العنوان الصراع الأوروبي الأمريكي في الصومال
الكاتب عبده يوسف فارح
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 18-مارس-1997
تحتل الصومال موقعًا استراتيجيًا مهمًا من منطقة القرن الإفريقي إذ تطل على خليج عدن والمحيط الهندي وتحتوي على أراض واسعة بكر، وهذا هو الذي جعلها مثار تنافس بين القوى الدولية على مدى قرنين من الزمان، ففي أواسط القرن التاسع عشر تنافست القوى الكبرى آنذاك - بريطانيا، فرنسا، إيطاليا على احتلال المنطقة بحثًا عن المواد الأولية، واستغلال ثروات هذه البلاد الغنية بالموارد الطبيعية.
ونتج عن هذا التنافس تقسيم الصومال إلى خمسة أجزاء - بريطانيا ثلاثة أجزاء، إيطاليا جزء، وفرنسا جزء.
وبعد الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة وقعت المنطقة مرة ثانية ضحية الصراع بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وكسب المعسكر الشرقي الصراع، حيث ارتمت الصومال في أحضان المنظومة الشيوعية، إلا أنه أثناء حرب ۱۹۷۷م بين الصومال وأثيوبيا اتجهت الصومال نحو أمريكا بعد أن طردت الخبراء الروس من أراضيها، وأسفرت الحرب عن هزيمة الصومال على يد القوات المتحالفة مع إثيوبيا بقيادة الاتحاد السوفييتي وكوبا، وأجبرت الصومال على الانسحاب من الأراضي المحررة على يد الجيش الصومالي، وبالتالي سمح سياد بري للولايات المتحدة بإقامة قواعد جوية في مدينة بريرًا الاستراتيجية في شمال الصومال، وقد أدت هذه الحالة إلى:
۱- حروب دائمة في المنطقة - بين إثيوبيا والصومال.
۲- تخلف اقتصادي، إذ سخرت الحكومات المتعاقبة ثروات وإمكانات البلاد للحرب.
٣- نشوء المجموعات المعارضة لنظام سياد بري في إثيوبيا.
٤- انهيار السلطة المركزية في الصومال.
وبعد انهيار المعسكر الشرقي وظهور النظام العالمي الجديد الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة بدأ تنافس أمريكي وأوروبي في الانفراد بالنفوذ في المنطقة، ففي نهاية عام ١٩٩٢م عندما وصلت القوات الأمريكية إلى الصومال في عملية إحياء الأمل، سارعت المجموعة الأوروبية إلى الدخول في الصومال بتحريك الأسطول الفرنسي في جيبوتي، فبينما كانت قوات البحرية الأمريكية تهبط في مقديشيو لوحظ أن الطائرات الفرنسية والإيطالية نيابة عن المجموعة الأوروبية - تهبط في مدينة بيدوا على بعد ٢٤٠ كم إلى الغرب من مقديشيو.
الصومال بعد انسحاب القوات الدولية:
في جنوب الصومال تتكون الخارطة السياسية للجبهات الصومالية المسلحة من تحالفين رئيسيين هما: تحالف SSA بقيادة علي مهدي ويضم ١٣ فصيلًا، وتحالف SNA الذي يضم ١٤ فصيلًا بقيادة جنرال عبديد الراحل، وقد عمد عيديد إلى تشكيل حكومة صومالية من جانب واحد في ١٥ يونيو ۱۹۹٥م وتبنى الحل العسكري لحسم الصراع لصالحه، إلا أنه لم يتمكن من ذلك إلى أن قتل في إحدى المعارك في حي المدينة بجنوب العاصمة في ١/٨/1996م، وقد حل نجله حسين عيديد محله متخذًا نهج أبيه في سياسة الاحتواء العسكري لخصومه، إلا أنه هو الآخر لم يتمكن من ذلك.
ودخلت حالة المصالحة الوطنية وحل الأزمة الصومالية في مرحلة ركود شديدة وتوقفت جميع جهود المصالحة الدولية بين الجبهات والفصائل على الرغم من استمرار المصالحات المحلية التي يجريها المجلس الصومالي للمصالحة «أول مؤسسة صومالية تدخل ميدان المصالحة بين القبائل الصومالية بعد الحروب الأهلية»، وهذا المجلس يضم شريحة كبيرة من الوجهاء والأعيان والعلماء والمثقفين ورجال الأعمال، وقد حقق نجاحًا ملحوظًا في إيقاف كثير من الصراعات القبلية في محافظات كثيرة من البلاد.
مرحلة جديدة من الصراع:
بعد هذا الركود في المصالحة الصومالية الذي استمر لأكثر من عامين ظهرت على الساحة مبادرة يمنية مستعجلة بعد احتلال إريتريا لجزر حنيش وشعور اليمن بالفراغ الاستراتيجي نتيجة فقدان التوازن الإقليمي بغياب الصومال كقوة معتبرة في المنطقة، وقد أحيت هذه المبادرة اليمنية بوادر الأمل للتدخل العربي الإسلامي في القضية الصومالية كما أصيبت دول منظمة الإيجات التي يتكون معظمها من كتلة مسيحية بالصدمة، كما أصيب بالصدمة السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى تطويق البحر الأحمر والتي تسابق الزمن لإضعاف الحكومات العربية للسيطرة على البحر الأحمر ومنابع النيل.
من هنا بدأت مرحلة جديدة للتنافس، بدأت هذه المنافسة من كينيا التي تمثل النفوذ الأوروبي، حيث إن معظم منظمات الإغاثة التابعة للمجموعة الأوروبية متمركزة هناك بالإضافة إلى السفارات الأوروبية في الصومال ومنها المبعوث الأوروبي إلى الصومال السيد سيجورد إيلينغ.
لقد حشر الرئيس الكيني دانيال آراب موي نفسه في القضية الصومالية بإيعاز من أوروبا. فوجه دعوة إلى كل من علي مهدي وحسين عيديد وعثمان عاتو بالإضافة إلى زعماء آخرين للحضور إلى نيروبي في أكتوبر الماضي، وتم الاتفاق على عدة بنود منها: وقف إطلاق النار، وإزالة الخطوط الخضراء، وفتح ميناء ومطار مقديشيو، ولم تر هذه الاتفاقات النور على الإطلاق فيما يصفه المحللون بأن الاتفاق كان لحفظ ماء الوجه للرئيس الكيني دانيال آراب موي.
وهناك ظاهرة عامة تشترك فيها جميع المؤتمرات الصومالية التي تعقد في الخارج وهي:
استحياء الزعماء الصوماليين من عدم التوصل إلى شيء عند حضور الأجانب، فيتفقون على شيء من بغية إضفاء المصداقية عليهم ثم يعودون إلى ما كانوا عليه قبل التوجه إلى المؤتمر أو أسوأ من ذلك.
وفي الوقت الذي كان زعماء الفصائل يحضرون في العاصمة الكينية كان مؤتمر سري يجري بين أعضاء بارزين من الفصائل الصومالية في أديس أبابا، وما إن عادت الفصائل الصومالية من نيروبي حتى وجهت إثيوبيا الدعوة إلى زعماء الجبهات للحضور إلى أديس أبابا وعقد مؤتمر للمصالحة هناك، ومن هنا وجد زعماء الفصائل أنفسهم أمام خيارات ثلاثة فأي دعوة يلبون.
١- أديس أبابا والتوجه الأمريكي.
۲ - نيروبي والتوجه الأوروبي.
٣- صنعاء والتوجه العربي، وبمباركة من المجموعة الأوروبية.
يبدو أن الخيار الإثيوبي الأمريكي ترجح لدى الفصائل الصومالية وتوجه معظم الفصائل إلى هناك لعقد مؤتمر في منتجع سودراي السياحي قرب أديس أبابا، وأسفر هذا اللقاء الذي استمر لمدة شهرين ورفضه حسين عيديد إلى تشكيل مجلس سمي بمجلس الإنقاذ الصومالي - يتكون من ٤١ عضوًا، والجديد في هذا المؤتمر هو حسم مسألة المشاركة السياسية إذ تم الاتفاق على اقتسام السلطة على أساس قبلي متكافئ تتساوى فيه القبائل الأربعة الكبرى في الصومال - الهوية- الدارود - الدير - الرحنوين، وتم إعطاء القبائل الصغيرة تمثيلًا نسبيًا في هذا المجلس.
ويعتقد أن الولايات المتحدة استخدمت جميع وسائل الترغيب والترهيب لإقناع حسين عيديد للحضور إلى أديس أبابا والمشاركة في هذا المؤتمر، كما حظي هذا المؤتمر باعتراف ضمني من الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية وإيطاليا.
وفيما يستمر هذا المؤتمر في أديس أبابا قامت إثيوبيا باجتياح مدن صومالية على الحدود انتقامًا من جماعة الاتحاد الإسلامي المسلحة التي تتخذ قواعد لها في مدينتي لوق ودولو الحدوديتين، وتخوض أيضًا حربًا مع إثيوبيا في منطقة الصومال الغربي متحالفة مع جبهة ONLF المعارضة لإثيوبيا.
ولم تدن الفصائل الصومالية هذا الاجتياح الإثيوبي، لأن هذه الجماعة المسلحة دخلت في حرب مع معظم تلك الفصائل الصومالية ۱۹۹۱م USC وSSDF ١٩٩٢م SNF ١٩٩٦م، من هنا أصبحت جماعة الاتحاد العدو المشترك بين الفصائل الصومالية وإثيوبيا على حد سواء، وهناك مخاوف أمريكية وإسرائيلية من أن تصبح المنطقة معقلًا للأصولية الإسلامية المتطرفة، وقد حدا هذا بالولايات المتحدة تقديم مساعدات عاجلة إلى إثيوبيا في وقت سابق من العام المنصرم.
تحرك أوروبي جديد:
وعقب عودة زعماء الفصائل من أديس أبابا الذي كان الدور الأمريكي بارزا فيها وصل إلى مقديشيو السفير الإيطالي في الصومال السيد جيوزيفو كازيني تتويجًا لصراع آخر جديد بين أوروبا وأمريكا ظن أنه أصيب بالضمور البعض الوقت، وتمكن السفير الإيطالي من الجمع بين قطبي الصراع في مقديشيو علي مهدي وحسين عيديد في فندق رمضان بشمالي العاصمة، ولأول مرة تصافح الرجلان أمام كاميرات التصوير تعبيرًا عن الوفاق وأعلنا أنهما توصلا إلى اتفاق يقضي بإعادة الاستقرار إلى مقديشيو وفتح الميناء والمطار اللذين ظلا مغلقين منذ انسحاب القوات الدولية وتشكيل قوة شرطة مشتركة تقوم بحماية الأمن في العاصمة وتشكيل إدارة موحدة لمقديشيو، وأقنع السفير الإيطالي حسين عيديد برفع الحظر عن المبعوث الأوروبي السيد إيلينج والذي فرضه أبوه بمنعه إياه من دخول المناطق التي يسيطر عليها بتهمة الانحياز لجماعة علي مهدي.
وعقب مغادرة السفير الإيطالي وصل إلى مقديشيو السيد إيلينج بشكل مفاجئ، وأجرى لقاءات سريعة مع كل من حسين عيديد وعلي مهدي وزعماء آخرين فيما اعتبر تجسيدًا آخر للدور الأوروبي في الصومال، ويلاحظ أن هذين الرجلين عملًا على إضعاف الدور الأمريكي في الصومال وإسنادها إلى الرئيس الكيني أراب موي الذي يشغل منصب رئيس دول منظمة الإيجات حاليًا.
خلاصة القضية الصومالية في محورين:
١- المحور الكيني الأوروبي.
٢- المحور الإثيوبي الأمريكي.
تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل التي لها مطامع في السيطرة على البحر الأحمر تنتظر الغنيمة الآتية من أي الطرفين إذ تربطها علاقات وطيدة مع أوروبا وأمريكا، فالذي يهم «إسرائيل» هو البحر الأحمر فقط مهما كان الثمن، بينما يغيب المحور العربي الإسلامي الذي يعتبر المحضن الطبيعي للقضية الصومالية.
ونتساءل هنا:
۱ - هل هذا الصراع لمصلحة الصومال أم ضدها؟
٢- من يا ترى سيكسب الصراع أمريكا أم أوروبا؟
٣- كيف يؤثر هذا الصراع المحموم في إنهاء الأزمة الصومالية أو استمرارها؟
٤- ما مدى الشروخ التي تحدثها الأزمة الصومالية على الأمن العربي والإسلامي إذا وقعت في أيد أوروبية أو أمريكية خالصة؟
أسئلة مهمة تطرح نفسها عند تناول القضية الصومالية في الوقت الراهن ربما تجيب عنها الأيام القادمة.
([1]) كاتب صومالي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل