; الصراع داخل الكيان اليهودي «۳» : «وشهد شاهد من بني إسرائيل» | مجلة المجتمع

العنوان الصراع داخل الكيان اليهودي «۳» : «وشهد شاهد من بني إسرائيل»

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986

مشاهدات 54

نشر في العدد 777

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 29-يوليو-1986

  • من خصائص اليهود النفسية: الحقد والوهم والخرافة والانغلاق على الذات:

من الشواهد الواضحة على مدى ما يعانيه السفارديم داخل الكيان اليهودي هذه العبارات التي تقطر بالألم وخيبة الأمل والشعور بالمرارة والحقد والذاتية، هذه الشهادة التي يسطرها «مردخاي سوسان» وهو يهودي مغربي هاجر إلى فلسطين بعد قيام الكيان اليهودي عام ١٩٤٨. يقول سوسان في كتاب صدر له مؤخرًا في باريس بعنوان: «أنا يهودي عربي في إسرائيل»:

أذكر ذلك الخط الطويل من المغرب إلى «إسرائيل» كنا نشعر ونحن في الباخرة في الطريق إلى مرسيليا كما لو أننا نبحر في الذهب الأزرق. وكانت أولى الصدمات التي تلقاها على شاطئ مرسيليا الفرنسي وهو في طريقه إلى فلسطين أن الفرنسيين عاملوهم كأنهم مسلمون مغاربة.

يقول: رجال الأمن هناك عاملونا كمغاربة مسلمين لم يقتنعوا بأننا نمثل الوجه الآخر، الوجه الأكثر عراقة! وهنا يكشف مدى احتقار الصليبيين للمسلمين، كما يكشف مدى استعلاء اليهودي وانغلاقه على ذاته. ثم يصف كيف رشوهم بالمساحيق القاتلة للحشرات، وضحك عندما قال أحد المرشوشين: إن ما يفعله هؤلاء الفرنسيون هو إبادة الحشرات المغربية فينا وليس إبادتنا نحن!

هكذا هم اليهود يشعرون دائمًا أنهم متميزون عن سواهم، انطلاقًا من عقيدتهم الفاسدة بأنهم شعب الله المختار وأن غيرهم من الشعوب مخلوقة لخدمتهم كالدواب «غوييم».

وعندما يطفح قلب اليهودي بالحقد يشمل حقده اليهود أمثاله لأنه شرقي وهم غربيون، أنه سفاردي أسمر مظلوم، وهم أشكناز بيض ظالمون. يقول: كم كما نتمنى لو ولدنا يهودًا غربيين، ببشرة بيضاء، بلون الموت، وبعيون زرقاء، وشعر أشقر. كل هذه «الإكسسوارات» ضرورية لكي يكون لنا الحق في أن نعيش في أرض إبراهيم، لكن أيًّا من الصور التي وصلتنا لا تقول: إن إبراهيم كان يتكلم الإنجليزية بطلاقة، أو أنه كان يرتدي رابطة العنق. والأهم أنه لم يكن بلون إسحاق رابين مثلًا، كل الصور تقول: إنه كان مثلنا، يرتدي الجلباب ويحمل العصا. الكثيرون منا يقولون: إن الأشكناز يحتلون «إسرائيل»، إنه وضع الحقيقة داخل الحقيقة!

إذا كانت هذه هي نظرة اليهودي السفاردي تجاه اليهودي الأشكنازي، فما هي نظرة الفلسطيني المسلم تجاه الاثنين معًا؟

إن اليهودي سواء كان أشكنازيًّا أم سفارديًّا محتل لفلسطين التي يسمونها «إسرائيل»، وإذا كان الأشكنازي هو الذي أسس الحركة الصهيونية للخلاص من حياة حارات «الجيتو» المغلقة القذرة التي كان يعاني منها في ديار الغرب النصرانية، فما هو المبرر الذي دفع باليهودي السفاردي للهجرة إلى فلسطين وقد كان منعمًا في ديار العرب المسلمين؟ إنه الحقد الأسود الذي يملأ قلوب اليهود.. إنه الوهم والخرافة التي امتلأت بها كتبهم الموضوعة والمحرفة والبذيئة «التوراة والتلمود وبروتوكولات حكماء صهيون».

قصة من فلسطين:

حدثني فلسطيني مخضرم من مواليد مدينة المجدل على الساحل الفلسطيني شمال غزة قال: هاجرنا بعد «النكبة» إلى قطاع غزة وما أن احتل اليهود القطاع في عام «الهزيمة» ١٩٦٧ وسمحوا لنا «بزيارة» بلدنا، حتى توجهت إلى المجدل مسقط رأسي فوجدت فيها خليطًا من البشر من كل بلاد العالم يقال لهم: یهود، جلست على مقهى صغير وسط المدينة يديره يهودي عراقي، وما أن علم أنني عربي -وبالطبع مسلم- حتى رفض أن يأتيني بزجاجة «البارد»، وطلب مني أن أحضر لآخذها، ثم جلس بجانبي وقال: هل أعجبتك «أشكلون»؟ فقلت له: تقصد المجدل.. كيف لا تعجبني وهي بلدي؟! فقال: إنها بلدي أنا. فقال: لقد طردت من العراق أيام نوري السعيد. قلت: إن الذي طردك من العراق لم يحسن صنعًا فقد دفعك إلى هنا لتحتل بيتي. قال: إنكم لو انتصرتم في هذه الحرب لذبحتم الرجال والأطفال وأخذتم النساء. قلت: من قال لك هذا؟ قال: إنها منشورات وزعها عبد الناصر على جنوده. قلت: إن هذه المنشورات طبعت في تل أبيب، ولو انتصرنا لكان ذلك خيرًا لكم. قال: كيف؟ قلت: لعاد كل مهاجر إلى بلده.. أنت تعود إلى بلدك العراق، وأنا أعود إلى بلدي فلسطين. قال: إنني لا أريد العودة إلى العراق. قلت: بل إنك في أشد الشوق إلى العودة مثلي. وأثناء الحوار تجمع عدد من اليهود الغربيين والشرقيين، وحين كان الشرقيون يترجمون للغربيين مجريات الحوار كانت علائم الدهشة ترتسم على وجوههم، ولم يكن يتصور أحد اليهود الرومانيين أن انتصارنا يعني عودته إلى بلده.

نسوق هذه القصة الواقعية لنكشف عن نفسية اليهودي التي لوثتها معتقداتهم ولوثتها قياداتهم الإجرامية وطباعهم الخبيثة.

نعود إلى ساسون في كتابه عن التمييز العنصري داخل الكيان اليهودي بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. يقول ساسون: ظل لوننا الأسمر يطاردنا، ظلت أنوفنا الشرقية تطاردنا، وحتى لو كان الواحد منا يملك كل مواصفات الأشكناز فقد كان اليهودي الغربي يعرفنا بمجرد أن ينظر إلينا. كانوا يقولون: إننا لا نتكيف سريعًا مع الحداثة، قد نستطيع أن نخترق جدار الصوت -يقصد عبر قيادة الطائرة المقاتلة- ولكن كان المفروض أن نخترق جدار الزمن -يقصد أنهم يعتبرونهم متخلفين- طلب إلينا أن نقيم داخل أحياء خاصة حتى لا تصل الجراثيم إلى روح الدولة، لكن اليهود الشرقيين كانوا يوضعون في الصفوف الأمامية دائمًا خلال الحروب، ولوائح القتلى تشهد بذلك.

تبریر غریب:

ولكن هل يدفع اليهود الشرقيون إلى الصفوف الأمامية في الحرب دون رغبة منهم، أم أنهم يندفعون بهوس العقيدة التلمودية؟ لا ينكر ساسون أن اليهود الشرقيين أكثر كراهية للعرب -ولا فرق عند اليهود بين العرب وبين المسلمين- وإن أعفى نفسه من هذه «التهمة» باعتباره كما يقول «عربيًّا»، ولكنه يبرر ذلك تبريرًا غريبًا وخبيثًا في نفس الوقت. يقول ساسون: أريد أن أوضح لكم أن اليهود الشرقيين يكرهون اليهود الغربيين! ثم يستطرد قائلًا: إنه استنتاج لا يبدو منطقيًّا للوهلة الأولى، ولكن السفارديم أصيبوا بصدمة قوية، لقد أتوا من البؤس إلى البؤس، وكانوا يتصورون أن الجنة ستكون في استقبالهم، وحين حملتهم الباصات نقلتهم إلى المنفى. ثم يقول: إنهم يكرهون كل شيء بما فيهم العرب، وعندما يقاتلون يجب أن يمارسوا الحقد، لعل ذلك يساعدهم على الحد من الشعور بالكراهية ضد يهود الغرب! ألست معي عزيزي القارئ أن هذا تحليل غريب وخبيث؟ ثم يقول: لو حدث واندلعت الحرب الأهلية في «إسرائيل» فلن نكون بحاجة إلى المدافع للقتل.. إن الأسنان تكفي، وهي مهيأة تمامًا لتلك الحرب.

نار تحت الرماد:

والأحداث الأخيرة في الكيان اليهودي بين السفارديم ذوي الطواقي الصغيرة والأشكناز ذوي الصلبان المعقوفة تدل فعلًا على أن هناك نارًا تحت الرماد داخل الكيان اليهودي، ولو أحسن العرب «المسلمون» كيفية نبش هذه النار وتأجيجها مثلما يحسنون ذلك عند الطبخ لكفتهم هذه مئونة الأعداء والاستعداد والمواجهة الشرسة، ولكانو قد حاربوا اليهود بسلاحهم. ولكن كيف يحدث هذا ونحن نرى عكسه تمامًا في عالم الواقع؟! نرى المسلم هذه الأيام مقاتلًا شرسًا ضد أخيه المسلم، ونراه هينًا لينًا مع اليهود وأعوانهم من الصليبيين والملاحدة؛ بل يعتبرهم البعض من الحلفاء ويستقوي بهم على أخيه المسلم، وبعد ذلك ننتظر النصر! أين نحن من قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ (الفتح: ٢٩). 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

500

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

267

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه