; الصراع داخل الكيان اليهودي «2»: الأشكنازيم والسفارديم: عداء مستحكم واضطهاد | مجلة المجتمع

العنوان الصراع داخل الكيان اليهودي «2»: الأشكنازيم والسفارديم: عداء مستحكم واضطهاد

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 776

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-يوليو-1986

  • اليهود الغربيون يسيطرون على كافة مؤسسات الكيان اليهودي واليهود الشرقيون محرمون
  • اليهود الشرقيون أكثر عداء للمسلمين الذين حموهم من الاضطهاد الصليبي

لا يقتصر الصراع في الكيان اليهودي بين تلموديين وملاحدة أو ما يطلق عليهم اسم المتدينين والعلمانيين، بل هناك صراع آخر لا يقل خطورة وهو الصراع بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين أو ما يطلق عليهم اسم السفارديم والاشكنازيم.

وكلمة سفارديم بالعبرية جمع سفاراد وتعني إسبانيا، فكلمة سفارديم في الأصل تطلق على اليهود الذين هربوا من إسبانيا والبرتغال بعد محاكم التفتيش في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ولجأوا إلى الدولة الإسلامية حيث أقاموا في شمال أفريقيا ومناطق أخرى من بلاد المسلمين.

وأما كلمة اشكنازيم بالعبرية فهي جمع لكلمة الشكناز وتعني ألمانيا، فكلمة اشكنازيم تطلق في الأصل على اليهود الألمان الذين هربوا من النازية ثم توسع استعمالها لتشمل يهود أوروبا والولايات المتحدة.

وعلى حين يتكلم السفارديم لغة تسمى«لادينو» وهي لغة إسبانية كاستيلية امتزجت بها بعض الألفاظ العبرية والعربية والتركية فإن الاشكنازيم يتكلمون لغة تسمى «اليديش» وهي لغة ألمانية امتزجت بها كلمات عبرية.

هذا الانقسام في الكيان اليهودي من حيث الأصل واللغة صحبه اختلاف في العقائد والطقوس الدينية والثقافة والعادات والتقاليد وقد وصل الاختلاف بينهم جدًا جعل أحد الفريقين لا يطيق الفريق الآخر. وقد وصفهم الله تعالى في الآية الرابعة عشرة من سورة الحشر بهذا الوصف: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: 14) صدق الله العظيم.

ولقد سبق لليهود «الماراتيين» أن تظاهروا باعتناق النصرانية في إسبانيا بينما كانوا يمارسون طقوسهم اليهودية سرًا كذلك تظاهر يهود «الدونه» باعتناق الإسلام بينما في السر كانوا يتآمرون على الخلافة الإسلامية. هذا الاحتكاك الإجباري أو التكتيكي بالثقافات والديانات الأخرى جعل السفارديم يختلفون حضاريًا عن الاشكنازيم الذين كانوا قد عاشوا في البلدان الأوروبية منغلقين على أنفسهم في حارات يهودية منعزلة تسمى «الجينو».

وعلى قدر ما لاقى السفارديم من حرية وسماحة وانفتاح في ظل الحكم الإسلامي لاقى الاشكنازيم الاضطهاد والقهر والانغلاق في ظل الحكومات الغربية النصرانية.

وظهر التنافر بينهم منذ البداية إذ كان السفارديم أكثر ثراء وأوسع ثقافة متأثرين بوضع المسلمين في العصور الوسطى، وقد أجادوا اللغة العربية ومن خلالها درسوا الفلسفة اليونانية والفكر الفلسفي عند المسلمين من أمثال ابن سينا ومزجوها بما جاء في كتبهم «التوراة والتلمود».

أما الاشكنازيم فقد تكلموا الفرنسية والألمانية لحاجاتهم اليومية ورفضوا اللغة اللاتينية لغة العلم والأدب في أوروبا في ذلك الحين لأنها لغة الكنيسة التي سامتهم سوء العذاب.

يروي ابن غوريون إنه عندما ذهب إلى سالونيك سنة ۱۹۱۲ ليدرس التركية كان لا يجرؤ أحيانًا أن يقول إنه اشكنازي لأن يهود سالونيك السفارديم كانوا يحتقرون الاشكنازيم الذين كان اسمهم مقترنًا بالنسبة ليهود سالونيك بالأعمال المعيبة مثل إدارة بيوت الدعارة وغيرها من الأعمال المنحطة.

وقد ظل السفارديم محافظين على شعور تقليدي بالتفوق يدعمه تفوقهم الحقيقي في المجالات الاجتماعية والثقافية. وقد بلغ تعاليهم وكبرياؤهم حد رفض التزاوج بين الطائفتين ومن يفعل ذلك يصبح منبوذًا ويخسر جميع حقوقه الدينية والمدنية فلا يعد بعد ذلك عضوًا في كنيسهم ويقطع من جسد «الأمة» ولا يقبر في مقابر السفارديم.

وكان لا بد أن ينشأ من جراء هذا شعور بالجفاء والبغض من جانب اليهود الاشكنازيم لهؤلاء الذين ترفعوا عنهم، وأن تظل رواسب هذا البغض مدفونة عندهم تظهر كلما سمحت لهم الظروف بإظهارها إلى أن بلغت ذروتها بعد قيام الكيان اليهودي في فلسطين على يد الحركة الصهيونية التي أسسها الاشكنازيم وبدعم من الاستعمار الصليبي الذي قذف باليهود إلى قلب الأمة الإسلامية بعد انهيار دولة الخلافة التي تآمر عليها الصليبيون والاشكنازيون والسفارديون معًا.

وتحول الاشكنازيم الذين ذاقوا الاضطهاد والاحتقار من الصليبيين والسفارديم معًا تحولوا إلى مضطهدين «بكسر الهاء» في فلسطين، وكان الطرف المضطهد «بفتح الهاء» هذه المرة ليس فقط أصحاب البلاد الفلسطينيين المسلمين الذين لاقى اليهود السفارديم عندهم السماحة والراحة وإنما امتد الاضطهاد إلى بني جنسهم وعقيدتهم من اليهود السفارديم الذين خاب أملهم في «أرض الميعاد -أرض السمن والعسل».

إن الرواسب الذهنية القديمة لدى الاشكنازيم كان لها أثرها السيكوجي فيما يسمى في علم النفس بعامل تحكم المظلوم عندما تسنح له الفرصة، وهو ذلك الشعور الذي يمر به الإنسان المضطهد عادة عندما يصل إلى درجة من القوة يستطيع بها أن يعوض ما مر به من بؤس وذلك بالانتقام حتى ممن لم يكونوا بالضرورة سبب بؤسه، وتكون ضحيته عادة المستضعف الذي يذكره بطريقة أو بأخرى بذلك البؤس.

جاء في نشرة مجلس الطائفة السفاردية في القدس عام ١٩٦٥: إن ما يكرهه يهود أوروبا الشرقية في«إخوانهم» اليهود الذين يأتون من الشرق هو كون هؤلاء اليهود يذكرونهم بأحوالهم الاجتماعية والثقافية التي كانوا يعيشونها منذ بضعة عقود في حارات «الجيتو» في روسيا وبولندا أن الرغبة الشديدة لدى هؤلاء اليهود الغربيين في نسيان الماضي واقتلاعه من نفوسهم هو الذي جعلهم يرفضون السفارديم الشرقيين ويرفضون معهم تقاليدهم وحضارتهم الخاصة بهم. 

ويذهب البعض في تحليل هذه الكراهية إلى أبعد من ذلك فيقول إن كراهية اليهود الغربيين لليهود الشرقيين ليس فقط لأنهم يذكرونهم بما كانوا عليه من تخلف وظلام وخرافات، بل لأن هذه الصفات ما زالت موجودة في أعماق نفوسهم حتى الآن. 

وإذا كان هناك عدد قليل من اليهود السفارديم في فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى فإن الاشكنازيم تدفقوا على فلسطين بعد وعد بلفور وهم الذين أقاموا الكيان اليهودي في فلسطين بمعاونة الإنجليز ثم فتحوا باب الهجرة لليهود السفارديم بعد عام ١٩٤٨ وكانت السيطرة على الحياة السياسية منذ البداية وحتى الآن للاشكنازيم الذين كان منهم رؤساء الكيان اليهودي باستمرار وكذلك رؤساء الوزارات ولم يدخل الوزارة من السفارديم إلا وزير واحد أو اثنان على أكثر تقدير وكذلك الحال بالنسبة للكنيست حيث ينتمي ٨٠٪ من الأعضاء إلى الاشكنازيم سواء من هاجر من أوروبا حديثًا أو من هاجر إلى فلسطين من أوروبا قبل ذلك وعرفوا فيما بعد باسم «الصابرا» كما يسيطر الاشكنازيم على زعامات الأحزاب والوكالة اليهودية والهستدروت والوظائف العامة في الكيان  اليهودي .

وعلى الرغم من أن السفارديم يقعون ضحية للقمع الاشكنازي إلا أن ذلك لم يدفعهم إلى تخفيف عدائهم للفلسطينيين المضطهدين والمظلومين في ديارهم، بل إن عداء السفارديم للفلسطينيين ربما يفوق عداء الاشكنازيم لهم. ويظل في النهاية الحقد هو الطابع المميز لليهودي سواء كان من الاشكنازيم أو السفارديم أو الصابرا. ومن المفارقات العجيبة أن يتحول الاشكنازي الفقير المحتقر في ديار الغرب النصراني إلى سيد غني في فلسطين المحتلة بينما يتحول السفاردي الغني في ديار العرب المسلمين إلى فقير محتقر في ظل الكيان اليهودي، ويضيع الفلسطينيون المسلمون بين هؤلاء وأولئك. فهل يستمر هذا الوضع إلى الأبد؟ 

«يتبع»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

500

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

267

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه