العنوان الصفة الرابعةعشرة العفة 1
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010
مشاهدات 77
نشر في العدد 1897
نشر في الصفحة 55
السبت 10-أبريل-2010
ملوك الآخرة (٤٢)
الصفة الرابعة عشرة: "العفة" (۱)
بقلم: عبد الحميد البلالي(*)
al-belali@ hotmail.com
تناولنا في الحلقات الماضية الصفة الثالثة عشرة من صفات عباد الرحمن، وهي ترك الزنى»؛ حيث تطرقنا للزنى في المفهوم الإسلامي، والقوانين الوضعية ونتائج انتشار الزنى، ونتناول في هذه الحلقة الصفة التي بسببها ترك عباد الرحمن الزنى ألا وهي صفة العفة.
العفة هي الأساس
إن الأساس الذي جعل عباد الرحمن لا يقربون الزنى هو خُلق العفة، والتي تعني كما قال ابن منظور: "الكف عما لا يحل ويجمل، عف عن المحارم والأطماع الدنية"(1).
وقال الراغب: "العفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف هو المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر"(۲)، وقال أيضاً: "العفة هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية، وهي حالة متوسطة من إفراط هو الشره وتفريط وهو جمود الشهوة"(۳).
أنواع العفة
يقول الإمام الماوردي: فأما العفة فنوعان:
أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام.
والثاني: كف اللسان عن الأعراض.
فأما ضبط الفرج عن الحرام، فلأن عدمه مع وعيد الشرع وزاجر العقل، معرة فاضحة وهتكة واضحة..
والداعي إلى ذلك شيئان أحدهما: إرسال الطرف.
والثاني: اتباع الشهوة. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة»(4). وفي قوله: "لا تتبع النظرة" تأويلان أحدهما: لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك، والثاني: "لا تتبع الأولى التي وقعت سهوا بالنظرة الثانية التي توقعها عمداً"(٥).
ضبط الفرج عن الحرام
هذا النوع من العفة هو الذي يعنينا في البحث عن سبب ابتعاد عباد الرحمن عن الزني، والذي يرتكز على ثلاث دعامات مما ذكر الإمام الماوردي:
الأولى: غض الطرف.
الثانية: عدم اتباع الشهوة.
الثالثة: المراقبة.
أولاً: غض الطرف امتثالاً لقوله تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]؛ لأن في غض البصر قطعاً للخطرات التي تخطر على الناظر، وما يتبع ذلك من تعلق في القلوب. كما قال الإمام ابن القيم: "فالنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولابد"(6).
يقول سيد قطب: "والنظرة تثير، والحركة تثير، والضحكة تثير، والدعابة تثير والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير، والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية، ثم يلبى تلبية طبيعية. هذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام، مع تهذيب الطبع، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد!
وفي الآيتين المعروضتين هنا نماذج من تقليل فرص الاستشارة والغواية والفتنة من الجانبين حيث يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]
وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام كما أن فيه إغلاقاً للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية ومحاولة عملية للحيلولة
دون وصول السهم المسموم"(7).
ومن أجل إغلاق هذه النافذة، أوصى عباد الرحمن تلامذتهم، وبالغوا في ذلك حتى من أقرب الناس إليك من محارمك يقول الإمام القرطبي: "ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته؛ وزمانه خير من زماننا هذا"(۸)، يقول الإمام القرطبي: إن زمان الإمام الشعبي خير من زمانه ونحن نقول قطعاً إن زمان الإمام القرطبي خير آلاف المرات من زماننا هذا الذي تعرت فيه المرأة وأصبحت للدعارة والزنى نواد ومحطات فضائية، ومواقع إنترنت ومراكز إعلامية وقوانين داعمة منظمة له، وأفلام ومسلسلات وروايات، وميزانيات تعتمد عليها الكثير من دول العالم، كمصدر رئيس من دخل تلك الدول، بل أصبح لمن يقوم بعمل قوم لوط والسحاق قوانين تجيز زواجهم بعضهم ببعض، وحقوق في بعض الدساتير الغربية.
المراجع
(۱) لسان العرب، ٨٢٤/٢ ، دار لسان العرب.
(۲) المفردات ۳۳۹
(۳) الذريعة إلى مكارم الشريعة ٣١٥ .
(٤) رواه أبوداود (۲۱٤٩) واللفظ له والترمذي (۲۷۷۷)، وصححه الألباني، ص ج ص ٧٩٥٣.
(0) أدب الدنيا والدين، ۳۰۹،۳۱۰، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
(٦) الجواب الكافي، لابن القيم، ص ۱۷۹ ، دار الكتب العلمية، بيروت.
(۷) في ظلال القرآن، ٢٥١٢/٤ ، طبعة دار الشروق، بيروت.
(۸) تفسير القرطبي، ٤٦١٥/٧، طبعة دار الثقافة، بيروت.
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل