العنوان الجريمة الصهيونية الكبرى الصهاينة يقومون بتحويل المسجد الإبراهيمي إلى كنيس يهودي.. والمسلمون صامتون!!
الكاتب أمين أبو وردة
تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
مشاهدات 52
نشر في العدد 1126
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-نوفمبر-1994
* الإجراءات الإسرائيلية بحق الحرم صاعق تفجير جديد تزرعه «إسرائيل» في القنبلة الموقوتة المسماة العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية.
* المستوطنون الصهاينة يشكلون عامل التفجير الأساسي في الخليل منذ احتلال المدينة عام ١٩٦٧م.
منذ مذبحة المصلين في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في شهر فبراير «شباط» الماضي، والمدينة كمن ينام على الجمر، وأدى قرار السلطات الإسرائيلية إعادة فتح المسجد الإبراهيمي «بعد الانتهاء من إجراءات الحماية» التي تقرر اتخاذها لمنع تكرار المذبحة إلى زيادة حدة التوتر بين المواطنين الفلسطينيين بسبب طبيعة الإجراءات التي اتخذت، والتي قسمت المسجد بين المستوطنين اليهود والمصلين المسلمين لأول مرة في تاريخ المسجد، حيث أصبح الجزء الأكبر من المسجد كنيسًا لليهود.
وأعاد القرار الإسرائيلي الأخير إلى أذهان أهالي المدينة ذكريات ٢٧ عامًا من الصراع بين جموع المستوطنين المدفوعين لإقامة واقع جديد في المدينة، وبين أهالي المدينة العرب الذين يحاولون التصدي للأهداف الإسرائيلية بجهودهم الذاتية.يشكل المستوطنون اليهود منذ احتلال المدينة عام ١٩٦٧م عامل التفجير الرئيسي في المدينة، ويعتبر وجودهم المسلح سببًا رئيسيًّا في توتر الأوضاع، ويقول الفلسطينيون في المدينة ومنظمات حقوقية: إنه في غالبية الحالات التي أقدم مستوطنون على قتل عرب، لم تكن حياة المستوطنين معرضة للخطر، ولم تقع عمليات القتل تحت بند الدفاع عن النفس، إلا أنه نادرًا ما قدم أحدهم للمحاكمة، وتعتبر عمليات إحراق المنازل والممتلكات العربية، وإتلاف محتوياتها، وظاهرة رشق المارة العرب بالحجارة والقاذورات من أماكن سكن المستوطنين في المدينة، وتحطيم السيارات العربية ظاهرة حية يومية في المدينة، يمارسها نحو ٤٥٠ مستوطنًا بحراسة نحو ١٥٠٠ جندي إسرائيلي يرابطون وسط المدينة مع آلاف آخرين يرابطون على أطراف المدينة في حصار دائم لقرابة ١٠٠ ألف فلسطيني يعيشون في المدينة وضواحيها.
● الحرم الإبراهيمي... ومحاولات التهويد
تحول الحرم الإبراهيمي المعروف أيضا بـ «قبر الأنبياء» إلى مسجد في القرن السابع، وأصبح مكانًا لعبادة المسلمين، وحظر على اليهود والمسيحيين الدخول إليه إلا في القرن الحادي عشر خلال الحملات الصليبية، حينما حوله الصليبيون إلى كنيسة، وبعد احتلال الضفة الغربية عام ١٩٦٧م أنشأ المستوطنون بحراسة الجيش الإسرائيلي كنيسًا داخل الحرم الإبراهيمي.وترجع أولى المحاولات للاستيلاء على المسجد إلى نوفمبر «تشرين الثاني» عام ١٩٦٧م، حيث منعت دائرة الأوقاف الإسلامية من فرش الحرم بالسجاد، وبعد ذلك أدخل الإسرائيليون خزانة حديدية إلى الحرم تحتوي على أدوات عبادة يهودية، وفي نوفمبر «تشرين الثاني» من العام ١٩٧٦م اقتحم مستوطنون مسلحون الحرم بحراسة مئات الجنود الإسرائيليين، وداسوا المصحف بأقدامهم، واعتدوا على المصلين بالضرب.وفي نفس العام أعلن الحاخام المتطرف مائير كاهانا أنه سيحول الحرم الإبراهيمي إلى قلعة للمتطرفين اليهود، بهدف ترحيل المواطنين الفلسطينيين من مدينة الخليل.
وبعد ذلك بأسبوع قامت السلطات الإسرائيلية بمنع العمال الفلسطينيين من العمل في المسجد أيام السبت.إلا أن الثالث من سبتمبر «أيلول» من عام ۱۹۷۷م، شهد أكبر حادث اقتحام من مستوطنين للحرم، إذ قام ما يزيد عن ٥٠٠ مستوطن باقتحامه والعبث بمحتوياته، وتكرر الاقتحام في العام التالي من قبل ٢٠٠ مستوطن يرفعون الأعلام اليهودية، وفي إحدى المرات قام مستوطنون بإدخال نسخ جديدة من التوراة إلى المسجد، وأقاموا احتفالًا كبيرًا في المسجد برعاية جنود الاحتلال.وعلى مدى ٢٧ عامًا تواصلت ممارسات المستوطنين العدوانية بحق الحرم، وتراوحت بين اقتحام للمسجد، وأداء طقوس دينية فيه، إلى منع المسلمين من أداء صلاتهم أحيانًا، وفي يونيو «حزيران» ١٩٧٤م قامت سلطات الاحتلال بسلسلة من الحفريات في محيط الحرم الإبراهيمي بحجة البحث عن آثار تعزز دعاوى الإسرائيليين بأنهم كانوا في يوم من الأيام هنا.وشهد مطلع عام ١٩٧٥م كبرى الاقتطاعات الجزئية من الحرم الإبراهيمي لتحويله إلى كنيس يهودي يؤدي فيه المستوطنون صلواتهم، ويواصلون تحرشاتهم بالمصلين المسلمين.
● ٢٥ فبراير «شباط».. عيد المساخر ومذبحة المسلمين
«في الليل ذهب ابني ليؤذن ويصلي، حاول اليهود الحيلولة بينه وبين دخول المسجد في الليلة الماضية، وضربوه بالأحذية والكراسي لمنعه من دخول المسجد إلا أنه تمكن من الدخول والأذان، وفي الصباح ذهبنا إلى الحرم، وتركونا نصلي، كنا على وشك الخروج عندما رموا أول قنبلة ثم الثانية، اهتز الحرم، ثم بدوا بالطخطخة وفتح النيران علينا»، وتتوقف والدة جميل النتشة- مؤذن الحرم الإبراهيمي، وأحد شهداء مذبحة الخليل- قليلًا قبل أن تكمل: «قطعوا النور، وصرنا نختبئ وراء الأعمدة، وجهوا رشاشاتهم علينا، فخرجنا عن طريق الدرج العريض، فتحوا النار على النازلين، وكنا نحن النساء لا ندري كيف المرور، كان الشبان على الأسفلت مرمية مثل الغنم المذبوحة».
هكذا تتذكر والدة النتشة المجزرة الرهيبة التي قام بها المستوطن باروخ غولدشتاين ومجموعة من المستوطنين فجر يوم الجمعة ٢٥ فبراير «شباط» ١٩٩٤م لتضيف ملفًّا جديدًا إلى ملفات اعتداءات المستوطنين المستمرة على العرب في المدينة، والتي راح ضحيتها أكثر من ٣٩ شهيدًا و ١٠٠ جريح، في غضون ساعات أقفلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الحرم «لتهدئة الخواطر»، وفرضت حظر تجول على الأراضي المحتلة، وأعلنت عن تشكيل لجنة للتحقيق عرفت باسم لجنة «شمغار» نسبة إلى رئيس اللجنة مائير شمغار رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا، بعد نحو ثمانية شهور أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن إجراءات جديدة قررت اتخاذها بناء على توصيات اللجنة قبل إعادة فتح الحرم، وبإستثناء قرارات لجنة شمغار الخاصة بتقسيم المسجد، لم تتخذ قوات الاحتلال والقضاء الإسرائيلي أية إجراءات حقيقية للحيلولة دون تجدد المذابح بحق العرب في المدينة.
● تقسيم الحرم... حل للمشكلة بتعقيدات أكثر
فور إعلان الحكومة الإسرائيلية مطلع الشهر الجاري عن إعادة فتح الحرم لفترة تجريبية، دخل وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أريل شارون الحرم مع عدد من غلاة اليمين الإسرائيلي، وقام التجار الفلسطينيون بإغلاق محلاتهم على تقسيم الحرم من قبل السلطات الإسرائيلية في خطوة استفزازية، جاءت تتويجًا لكل الممارسات السابقة بحق المسجد.وحسب الإجراءات الإسرائيلية الأولى من نوعها فقد خصصت مساحات من المسجد للمستوطنين اليهود لتمكينهم من أداء طقوسهم الدينية، ويحظر على المصلين المسلمين دخولها، فقد خصصت قاعتي يعقوب وإبراهيم والساحة الداخلية المسقوفة للمستوطنين اليهود للصلاة فيها، فيما لا يسمح للعرب المسلمين بالصلاة إلا في قاعتي إسحاق والجوالية.كما حدد عدد المصلين من كل جانب بما لا يتجاوز ۲۰۰ مصلي، ويعلق على ذلك مسؤول فلسطيني في الخليل: «إن تحديد العدد يضر بالجانب العربي، حيث كان عدد المصلين في المسجد أيام الجمع والمناسبات الدينية يتجاوز الـ ٢٠٠٠ مصلي، بينما لا يشكل هذا التحديد مشكلة لنحو ٤٠٠ مستوطن يعيشون في المدينة».ويتعين على المصلين المسلمين حسب هذه الإجراءات قبل دخولهم اجتياز حواجز حديدية، والخضوع لتفتيش دقيق، حيث يقوم المصلي بخلع حذائه وكوفيته لكي يتم تفتيشهما أيضًا، كما يخلع حزامه ويسلم الجنود المرابطين على الباب كل ما يحمل في جيوبه قبل أن يسمح له بالدخول لأداء الصلاة، ويدخل المصلون اليهود من مدخل جيد الإضاءة، ويتعين عليهم ترك أسلحتهم الشخصية في غرفتين معدنيتين أقيمتا خصيصًا لهذا الغرض، فيما كان المدخل المخصص للمسلمين معتمًا، كما لا يضطر اليهودي القادم لأداء طقوسه داخل المسجد خلع حذائه، أو الخضوع لتفتيش شخصي مهين كالذي يجري على المدخل المخصص للعرب.وتقدر المساحة التي استولى عليها المستوطنون بعد التقسيم بنحو ٥٥ في المائة من المساحة الكلية للمسجد الإبراهيمي.وينتشر حوالي ۳۰۰ جندي من حرس الحدود والجيش الإسرائيلي بموجب التقسيم في محيط الحرم وداخله ضمن استعدادات مشددة، في الوقت الذي تقوم فيه ١٥ كاميرا فيديو بمراقبة قاعات الصلاة والمداخل المنفصلة، ويقول الفلسطينيون إن الإجراءات حولت المسجد إلى ثكنة عسكرية.
التقسيم وردود الأفعال....
وصف سليم الزعنون- رئيس المجلس الوطني الفلسطيني بالوكالة- تقسيم الحرم بأنه يؤكد وجود نوايا إسرائيلية مبيتة للضفة الغربية، على خلاف ما كنا نتوقع من أن الحل الحقيقي يقوم على إزالة بؤر التوتر داخل المجتمعات الفلسطينية وترحيل المستوطنات.واستنكر رموز التيار المؤيد لعملية السلام مع إسرائيل الإجراءات الإسرائيلية، واعتبروها مؤشرًا غير إيجابي على نوايا «إسرائيل» تجاه عملية السلام، كما صدرت ردود فعل باهتة للغاية من جهات عربية تجاه السلوك الإسرائيلي.فيما تعهدت حركة المقاومة الإسلامية حماس برد على هذه الجريمة سيكون حاسمًا ومؤثرًا على حد تعبير بيان للحركة، وقال ناطقها إبراهيم غوشة: إن قرار «إسرائيل» خطير وله ما بعده، مؤكدًا أنه «لا يمكن للمسلمين أن يتنازلوا عن الحرم الإبراهيمي؛ لأنه بعد ذلك سيبدأ الإسرائيليون بتقسيم الحرم المقدسي».ويقول مراقبون أن تقسيم المسجد لم يحظ باهتمام في وقت ينشغل فيه العالم بتطورات عملية السلام الجارية في المنطقة، إلا أن التوتر الذي يلف المدينة قد يجد لنفسه تعبيرًا في انفجارات شعبية أو عسكرية، تزيد من خلخلة الأوضاع القائمة..