; الصواريخ العراقية وتوازن الرعب | مجلة المجتمع

العنوان الصواريخ العراقية وتوازن الرعب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1990

مشاهدات 69

نشر في العدد 965

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 08-مايو-1990

  • لأول مرة يخاف الإسرائيليون ويتراجعون عن تنفيذ ضربة مبيتة

يكشف لنا كل يوم جديد عن النيات العدوانية التوسعية الإسرائيلية، وبمناسبة احتفال الصهاينة بالذكرى ٤٢ لاغتصاب فلسطين، صرح كبيرهم شامير أن الأولوية الآن للاستيطان وبناء المزيد من المستوطنات لاستيعاب المهاجرين الجدد وقال: «خلال بضع سنوات ستكون لنا إسرائيل أكبر وأقوى وأكثر تطورًا».

وهذا الكلام يخرج من دائرة التلميح إلى دائرة التصريح باعتزامهم شن عدوان جديد على العرب يحققون به هدفين من أهدافهم الخبيثة، أولهما التقدم خطوة على طريق حلمهم بإسرائيل الكبرى، وثانيهما تدمير الطاقات العربية وإعاقة نموها، وعدم السماح لها بتحقيق أي نوع من التوازن، إذ إنهم يعتبرون أن هناك خطوطًا في مجال التقنية العسكرية بالذات لا يجب على العرب أن يتجاوزوها لأنهم يرون في تجاوزها الخطر كل الخطر على كيانهم اللقيط.

وقد أشار الرئيس صدام حسين إلى هذه النيات العدوانية الصهيونية وأهدافها عندما سئل عن رأيه في الحملة الظالمة التي يتعرض لها العراق منذ فترة ليست بالقصيرة والتي بلغت أوجها في شهر نيسان الماضي والتي لا تزال متواصلة عندما قال: «إننا نرى أن الحملة التي بدأتها بريطانيا ثم عززتها أمريكا إنما تمهد نفسيًا وسياسيًا وعمليًا لعدوان إسرائيلي وعلينا أن نتصرف كعراقيين وكعرب التصرف الذي يمليه علينا هذا الهاجس لكي لا نلوم أنفسنا فيما بعد.. وما يجري من تعبئة هو تمهيد لاعتداء علينا بقصد لوي ذراع العراق وهذا ما نرفضه قطعًا».

الخوف فالتراجع

تتواتر الأخبار والمؤثرات على أن الصهاينة تجاوزوا مرحلة التفكير في العدوان على العراق وتوجيه ضربة عسكرية قاصمة وإجهاضية لمنشآته الصناعية والعسكرية الحيوية، وانطلقوا إلى رسم الخرائط ووضع سيناريوهات تلك الضربة وبحث تفاصيلها الدقيقة، وكانوا على وشك المجازفة والتنفيذ، ولكنهم تراجعوا على الأقل حتى الآن، وإذا كان هذا التراجع يدل على خوفهم فإن ذلك يعتبر تحولًا كبيرًا وخطيرًا في المواقف على ساحة الشرق الأوسط بأسرها، وانقلابًا واضح الدلالة في سياسة الإسرائيليين الذين كانوا دائمًا يهزأون بكل العرب ويفخرون بأنهم يفعلون ما يشاؤون وحيثما يشاؤون ووقتما يشاؤون.

إن الضربة التي خطط لها الصهاينة ولعلها لا تزال تراود مخيلاتهم المريضة وعقولهم المجرمة يراد لها أن تكون ضربة قوية تركيعية مذلة، ليس فقط للعراق بل لكل العرب، إنهم يريدونها نكسة جديدة أوجع وآلم من نكسة ١٩٦٧ تحبط النفوس العربية وتفرض على العرب سياسة الركوع أمام «السوبرمان الإسرائيلي» الذي سوف تنسج حوله قصص الخيال العلمي المتطرف، ومن أجل مثل هذه الضربة القوية كان لابد من تهيئة كل الإمكانات العسكرية الصهيونية والاستعانة بالدعم اللوجيستي الأمريكي بدءًا بالتصوير بالأقمار الصناعية المركزة لعدساتها على كامل التراب العراقي على مدار الساعة، وانتهاء بالمشاركة في وضع الخطط وإعداد ما يلزمها من أسلحة مدمرة فوق تقليدية ربما تستعمل لأول مرة لكن العقدة التي يبدو أنها اعترضت المنشار الإسرائيلي هي السؤال الذي حير العقول العسكرية الإسرائيلية ولم تجد له حلًا حتى الآن؛ وهو كيف لإسرائيل أن تضرب ضربتها وتؤمن نفسها في الوقت نفسه ضد أي رد عراقي، وهذه المنشآت العراقية والأسلحة الكيماوية الرهيبة قد وزعها العراق بشكل معقد بحيث يجعل الإغارة عليها صعبة للغاية والقضاء عليها في فترة زمنية قصيرة تحدد بالدقائق أمرًا أصعب، إن لم يكن مستحيلًا، وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنه على الإسرائيليين أن يتلقوا خلال دقائق صواريخ الحسين محملة بالقنابل الكيماوية التي ستحرق نصف دولتهم، كما أقسم على ذلك الرئيس صدام حسين.

وفي إطار هذا التصور وحتى لو كانت خسائر الصهاينة عُشر الخسائر العربية فإن ذلك يكون الكارثة بعينها بالنسبة لهم.. إن الصهاينة برقعة دولتهم المغتصبة الضيقة والصغيرة وحجمهم السكاني المحدود يرتجفون من تصور إمكانية رد عراقي، ولعل هذا ما جعلهم يعدلون حتى الآن عن ارتكاب حماقتهم، إن زمن ضرب العرب دون عقاب قد ولى بفعل ما بناه العراق الشقيق من قدرة ذاتية على صناعة الصواريخ والأسلحة الكيماوية التي يصفها الغربيون بأنها قنبلة الفقراء الذرية، وإذا كانت التصريحات العراقية الرسمية الأخيرة كلها من قبيل التحذير للإسرائيليين الذين يفكرون بعقلية الستينيات والسبعينيات فإن لها معنى أعمق ومغزى أكبر، وهو أن لدولة العصابات الصهيونية حدودًا وأنها اليوم يمكن أن تردع بأسلحة عربية كما يعني أنه ليس أمام العرب إلا امتلاك ناصية العلم بكل الوسائل، ورغم كل المعوقات والتحديات والتهديدات والحصارات المعلنة وغير المعلنة والتي تقوم بها دول غربية بزعامة أمريكا، ويوكل تنفيذ الجانب العسكري منها إلى دولة العصابات الصهيونية.

لقد ربح العرب في السنة الماضية وفي باريس معركة التشهير بالأسلحة الكيماوية العربية عندما وقفوا صفًا واحدًا وتكلموا بلسان واحد وقالوا: إما أن ينزع هذا السلاح وكل أسلحة الدمار من الجميع عربًا وإسرائيليين وإلا فلا مجال لحصره على بعض الدول دون الأخرى، وقد استندوا في حججهم على مقولة الرئيس الفرنسي ميتران في الأمم المتحدة حين قال: «إنه لن يكون بالإمكان فرض حظر الأسلحة الكيماوية على بعض الدول بينما تحتفظ دول أخرى وخاصة منها القوى النووية بحقها في حرية التصرف».

العرب والمرحلة الجديدة

لقد دخلت منطقة الشرق الأوسط كما قالت مجلة نوفال إبسرفاتور الفرنسية مرحلة توازن الرعب وسلم القنابل وذهبت إلى تشبيه الوضع الحالي في المنطقة بالأزمة التي واجهها كيندي وخروتشوف عام ١٩٦٢ حول الصواريخ السوفيتية في كوبا، ولكنها شككت في قدرة الأطراف في المنطقة على استيعاب مفهوم توازن الرعب الجديد من أجل الإبقاء على السلم إذ قالت إن الخطر يكمن في عدم تقدم إسرائيل حتى الآن باتجاه تصور امتلاك عدد من الدول العربية لأسلحة الدمار الشامل وكثرة الأطراف المعنية مباشرة بالوضع من جهة ثانية بخلاف ما كان عليه الحال بين الشرق والغرب في الخمسينيات.

إن المرحلة الجديدة بكل ما تحمله من أخطار مرشحة للاستمرار والتنافس فيها على صناعة وسائل الدمار سيكون على أشده، ولم تعمد إسرائيل إلى إطلاق قمرها الصناعي الثاني بعيد تصريح صدام حسين التحذيري إلا دليل على محاولة إسرائيل إظهار تفوقها، كذلك لا يمكن سعي الإسرائيليين الحثيث لإنتاج الصاروخ «آرو» المضاد للصواريخ بأموال أمريكية إلا في هذا الإطار.

وإذا كانت العراق قد أدخلت الأمة العربية إلى هذه المرحلة ورفعت عنهم ذلة الانكسار، فإن كل العرب مطالبون اليوم بالوقوف إلى جانب العراق أولًا، وبالعمل الجاد ثانيًا لحماية الأمن القومي على أسس علمية مدروسة، وعليهم أن ينظروا إلى انكفاء الاتحاد السوفيتي على نفسه والتحيز الأمريكي الصارخ إلى جانب الأعداء والذي عبر عنه أكثر من مسؤول أمريكي، عليهم أن ينظروا إلى كل ذلك كحافز للتعويل على قدراتهم الذاتية وعقولهم الخلاقة وجهودهم وأموالهم التي يمكن أن تصنع المعجزات لو اتحدت في بوتقة واحدة ورسم منهج موحد.

إن الضجة الإعلامية الجديدة حول القدرات العسكرية العراقية كشفت لنا من جديد التعصب الأمريكي الأعمى إلى جانب الإسرائيليين، فعندما يطالب أمريكيون بمقاطعة العراق بشكل كلي، ويحظر جميع الصادرات والواردات المتصلة به، وعندما يقول دان كويل نائب الرئيس بوش: إن كل قوة أمريكا لمساعدة إسرائيل ضد العرب، فإن ذلك لا يعني سوی تطمين الصهاينة من جهة، وإرهاب العرب من جهة ثانية في هذه المرحلة الحرجة التي دخلها الصراع العربي الصهيوني، ولكن هل مازالت هذه السياسة تجدي نفعًا؟

ألا يعرف العالم كله أن أمريكا لا تقدم شيئًا للعراق لا أموالًا ولا سلاحًا ولا خبرة في أي ميدان؟

إن العرب اليوم وصلوا إلى نقطة اللاعودة، وعليهم أن يستنفروا كل قواهم في الصراع التقني الجديد من أجل التكافؤ، ومن أجل التوازن الاستراتيجي الذي يحقق أمنهم، وإن لم يفعلوا فقد يشجع ذلك عدوهم المترصد على أن يغرق المنطقة في حرب مدمرة يكون وقودها العرب وتطال نيرانها وغازاتها السامة بالتأكيد الإسرائيليين.

إن الفرصة مواتية للعرب لكسر الطوق المضروب حولهم، وعدم ترك الصهاينة والقوى العظمى تحدد لهم خطوطًا حمراء لا يحق لهم تجاوزها خاصة في ميدان التسلح، وكما قال الرئيس صدام حسين: «يجب أن يكون واضحًا للعالم أجمع أن سياسة المحظورات المفروضة على العرب يجب أن تنتهي إلى الأبد».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل