; الصورة الإعلامية الغربية عن الحرب في البوسنة | مجلة المجتمع

العنوان الصورة الإعلامية الغربية عن الحرب في البوسنة

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995

مشاهدات 205

نشر في العدد 1156

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 04-يوليو-1995

 هناك مافيا من مصلحتها استمرار الحرب.. وخطأ المجموعة الأوروبية أنها لم تفرض حلًا سلميًا للأزمة

 السياسة الأمريكية في البلقان تنطلق من مصالحها.. وميلها نحو البوسنة وكرواتيا جاءت ردًا على إحراج الصرب

بعد أزمة رهائن قوات الحماية الدولية في البوسنة، ازداد الاهتمام السياسي والإعلامي الغربي بملف الحرب هناك وتطوراتها وانعكاساتها الحالية وأبعادها المستقبلية، وقد خصصت القناة الإخبارية LCT الفرنسية يوم ١٥ يونيو الماضي لدراسة هذا الملف من كل جوانبه عبر العديد من التحقيقات والتحاليل والمقابلات مع مفكرين وسياسيين معروفين.

وتعميمًا للفائدة تقدم المجتمع، ترجمة لفقرات مهمة في هذا البرنامج الخاص مع عرض محايد للمواقف الموضوعية أو المتحاملة بهدف فهم العقلية الغربية في تناولها للقضايا الإسلامية.

وقد تم تقديم عدة تحقيقات عن قوات الحماية الدولية في البوسنة من حيث التطور الزمني، وذكر أن تطبيق قراري الأمم المتحدة ٨١٦ و ۸۳٧ حول استعمال القوة من أجل احترام مناطق الحظر الجوي، وفي حالة الاعتداء على المناطق المسلمة، لم يجدا تطبيقًا بسبب عرقلة المفتاح الثنائي «الحلف الأطلسي والأمم المتحدة, بل إن التوجه الحالي ذهب إلى تطبيق نظرية انعدام الخسارة» في الأرواح «بالنسبة للقوات الدولية»، وبخصوص الحياة اليومية للجنود في سراييفو التابعين لهذه القوات تم التركيز على انحصار مهمتهم في تسهيل عملية العبور للمدنيين الذين يعيشون تحت رحمة القناصة من الطرفين.

وفي الوقت الذي ذكر فيه أن القناصة الصرب يمتلكون أسلحة متطورة جدًا تمكنهم من ضرب أهداف تبعد ألف متر حاول العقيد إيريك سندال من القوات الدولية تحميل المسئولية للطرفين البوسني والصربي بحجة أن سراييفو رهينة لأنها تحت تغطية إعلامية والحرب فيها مفروضة على شعب أعزل.

وبخصوص الانسحاب ذكر بأنها ستكون – إن تمت – أكبر عملية عسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأنه يوجد مخطط جاهز تحت رقم ٤٠١٠٤ لدى الحلف الأطلسي يحتوي على ۲۰۰۰ صفحة، تتضمن ٣٣ سيناريو يشرف عليها عدد كبير من القوات «٤٠ ألفًا» وتكتفي الولايات المتحدة بمجالي الاتصال والأسلحة الثقيلة دون التورط بجنودها في أتون الحرب في البوسنة وقد تكون قوات الرد السريع المرحلة الأولى في مخطط الانسحاب.

وتناول تحقيق آخر موضوع أسطورة صربيا الكبرى وكيف أن تركيا وضعت حدًا يوم ۲۸ يونيو ۱۳۸۹ لهذا الحلم التوسعي لقيصر صربيا الأول إيتيان دوشان، حيث كانت إمبراطورتيه متسعة حتى اليونان، ووعد دوشان بأن تصبح صربيا الكبرى متسعة من الأدرياتيكي إلى اليابان، وتحول تاريخ ۲۸ يونيو إلى يوم تاريخي لإحياء ذكرى صربيا الكبرى، حيث إن الدستور الصربي ينص يوم ۲۸ يونيو ۱۹۲۱ على إعادة بناء الإمبراطورية وأن الثلاثي «القيصر- الكنيسة– الإمبراطورية» هم محورها، وتقوم الكنيسة الأرثوذوكسية اليوم بتأجيج الهوية أو النعرة القومية الصربية.

وفيما يتعلق بالتعددية الدينية والعرقية ذكر تحقيق أنه توجد في منطقة البلقان ٣ ديانات و١٣عرقية، وتحدث عن الكاثوليك في سلوفانيا وكرواتيا اللتين تتجهان نحو الغرب المسيحي الكاثوليكي، في حين أن الصرب يتجهون نحو الشرق وبالتحديد روسيا وبيزنطة سابقًا، أما البوسنة فهي خليط للأجناس والأديان المتعايشة «٤٤%مسلمون –٣١% صرب– ١٧% كاثوليك»، وجاء في التحقيق أن الكراهية بينهم في السنوات الأخيرة ناتجة عن اختلاط الثقافات وأن الحرب ليست دينية أو توسعية وإنما تعبر عن رفض هذه الشعوب المختلفة للتعايش تحت راية واحدة.

 الاعتداء الصربي:

وحاول تحقيق آخر التعريف بالمتهمين أو المسئولين في هذه الحرب، وبدأ بأزمة الرهائن التي يتحمل مسئوليتها الصرب، وفي عودة إلى التاريخ تمت الإشارة إلى تحالف الدولة القومية الكرواتية مع هتلر ضد الصرب ونتائج ذلك في العصر الحاضر في تأجيج الصراع بين الطرفين الكرواتي والصربي، أما فيما يخص البوسنة, البرنامج الخاص عدة لقاءات، ففي مقابلة مع ماريسول توران – أستاذة بمعهد الدراسات السياسية بباريس، ومستشارة رئيس الوزراء السابق الاشتراكي– ميشال روكار أكدت على أن فكرة قيام دولة متعددة العرقيات والأديان تم القضاء عليها وأصبحت شبه مستحيلة في منطقة الصراع اليوم، وذلك بسبب تحريك العرقيات المتشنجة والمطالب الدينية القوية.

واعتبرت توران أن الفتيلة التي أشعلت نار الحرب إلى هذه المنطقة تتمثل في السياسة الصربية، وقالت بأنه: «حتى الدبلوماسيين الأكثر دبلوماسية يعترفون بذلك»، وفسرت ذلك بأن ميلوسوفيتش لعب على وتر القومية الصربية بعد وفاة تيتو عام ۱۹۸۰م، ودافع عن موقعه وعن الشيوعية الخطية ورفض كل لامركزية وإصلاحات اقتصادية في المرحلة الانتقالية في حين أن بقية العرقيات مثل: سولفان والكروات كانوا يطمحون إلى إصلاحات سياسية، والنتيجة لهذه السياسة إشعال النعرة القومية، فوصلت التوترات إلى كوسوفو حيث طالبت الأغلبية من الألبان بالاستقلالية الذاتية، وبحثهم في التعبير عن هويتهم فقوبلت مطالبهم بالقمع الدموي, وانطلاقًا من هذه الحوادث طالب السلوفان والكروات باستقلالهم لغياب ضمانات مراعاة هويتهم، فتصدى لهم الجيش الصربي في كرواتيا بمساندة الجيش الفيدرالي.

 وفيما يتعلق بإشكالية حق الدولة الصربية في الاحتفاظ بمكانتها قالت: إن هذا ممكن ولا يبرر في المقابل التطهير العرقي وسحق الأقليات, ورفض تواجد شعوب وعرقيات أخرى تجاورها, وحول هذه المسألة ترى «بأننا اليوم أمام حالة تشبه واقع روسيا في فضائها الواسع، فغير مقبول انتهاك حقوق الإنسان، وخطأ المجموعة الأوروبية أنها لم تفرض حلًا سلميًا»، وأشارت إلى وجود مافيا من مصلحتها استمرار الحرب وتقوم بتسليح الجيش الصربي، واعتبرت أن الحرب القائمة اليوم في البوسنة والهرسك ليست كالحروب المعهودة، واستشهدت بتصريح لكارانيتش جاء فيه: «إن البوسنيين إذا هجموا فسنرد الفعل بالهجوم على المدنيين»، وعقبت على ذلك بأن الصرب لم يخاطروا قط بالمواجهة الميدانية، وكانوا يردون على القوة المسلمة بالاعتداء على السكان العزل من السلاح.

الصراع في البلقان تاريخي:

أما مديرة المعهد الدولي للجغرافيا الاستراتيجية، ماري فرانس جارو، فقد صرحت من ناحيتها بعدم وجود سياسة أوروبية موحدة، ورأت في اعتراف فرنسا بكرواتيا وسلوفانيا تنازلًا فرنسيًا لألمانيا في إطار التهيئة لاتفاقية ماستريخت حول الوحدة الاقتصادية الأوروبية في الوقت الذي كان يجب فيه الانتظار حتى تحل مشكلة العرقيات، واعتبرت أن سياسة ألمانيا واضحة في هذا المجال، وهي تقوم على دعم كرواتيا، ودعم العلاقة مع تركيا، وإضعاف اليونان وصربيا، وتندرج هذه السياسة في مسار تاريخي منذ نشأة أوروبا.

أما تقييمها للسياسة الأمريكية في المنطقة فقد وصفتها «بالمتناسقة» مع منطلق المصالح الأمريكية، فالولايات المتحدة مهتمة بتحول بعض مراكز منظمة الحلف الأطلسي نحو الجنوب الأوروبي، وقالت: «إن آلان جوبيه– رئيس وزراء فرنسا الحالي أدخل الأمريكان في لعبة البلقان»، وأن صربيا تحرج أهداف السياسة الأمريكية، لذلك ساند الأمريكان كرواتيا والبوسنة، وأقيمت فيدرالية كرواتية – بوسنية تحولت إلى مصدر توتر سياسي.

 وترى جارو أن البوسنة تمثل كيانات ولم توجد كدولة، وفي حديثها دفاعًا عن الصرب الذين اعتبرتهم يشعرون منذ سنوات بل منذ قرون بأنهم منبوذون من كل الأطراف، بل إنها ذهبت إلى أن الهجومات التي يقوم بها المسلمون في البوسنة ضد القوات الصربية تلتقي مع استراتيجية قوى خارجية لاستنزاف هذه القوات المدربة والمجهزة على الطريقة السوفييتية، في حين أن القوات البوسنية تقوم على مقاتلين والغاية المقصودة إبراز أن وضع صرب البوسنة غير قابل للتواصل بالشكل الحالي في المستقبل البعيد.

 وأكدت جارو على أن منطقة البلقان منطقة صراع تاريخي بين الشرق والغرب والإسلام والمسيحية والسلافية والأرثوذكسية.

ومن جهته يرى غابريال روبان – سفير فرنسي– ضرورة التخلي عن الفكرة الخيالية لكيان بوسني موحد، وعن أسطورة صربيا الكبرى، وقلل من أهمية تواجد قوة صربية محلية مقارنة بالقوة الكبرى، ودعا إلى حل سياسي سلمي عاجل يتمثل في تقسيم البوسنة والهرسك إلى ثلاثة كيانات.

وفي حوار بين روني برومان الرئيس السابق لمنظمة أطباء بلا حدود، والكاتب والصحفي الصربي كومنان بيسوريفتش، قال هذا الأخير: إن جريمة أوروبا والخطأ الكبير الأول هو تدمير يوغسلافيا السابقة بإيعاز ألماني وفاتيكاني عبر الاعتراف بجمهوريات سولفانيا وكرواتيا»، ودافع بقوة عن الصرب.

مصالح الغرب:

وفي مقابلة مع جون فرانسوا دونييو «شخصية فرنسية معروفة بمواقفها المعتدلة والموضوعية فيما يتعلق بالبوسنة» يرى أن أزمة رهائن الأمم المتحدة لدى الصرب متوقعة، وحول القوات الدولية ركز على ضرورة تمكينها من مهمة إيجابية وواضحة وإلا فالانسحاب واجب, وبخصوص الهجومات الأخيرة للجيش البوسنوي على مواقع الصرب، قال إن هذه القضية يلفها كثير من النفاق، فالمسلمون سئموا في رأيه من وعود الأمم المتحدة بضمان حرية التنقل والحفاظ على السلام فقرروا الاعتماد على أنفسهم، وانتقد الموقف الأمريكي بالاكتفاء بالقصف الجوي لأن هذا الأسلوب يعتبره عاجزًا عن ضمان الحرية بل لا يلحق إلا بالكوارث وفسر السياسة الأمريكية بعدم وجود مصالح لها في المنطقة وهمها الوحيد محاصرة الصراع حتى لا يمتد إلى كوسوفو ومقدونيا, مما سينتج عنه صراع بين تركيا واليونان - عضوين حليفين – وتأثير ذلك على الحلف الأطلسي, وقال إننا اليوم في وضع مستحيل, هل سنتصدى لهجومات البوسنيين؟ أم سنبقى محتمين في ثكناتنا حتى نتأكد من سينتصر على الآخر؟».

أما على صعيد أطراف النزاع في البوسنة والهرسك فقد أجريت لقاءات مع كل من أمير يوغسلافيا سابقًا الكسندر كارادجورجيفيتش مباشرة من القدس، وزعيم صرب البوسنة کاراذيتش من مقره في بالي، ومن الطرف البوسنوي كمال مفتيتش– مستشار الرئاسة البوسنية في سراييفو.

بالنسبة للأمير الصربي فهو يقيم في بريطانيا التي خدم ٧ سنوات في جيشها، وكان قد عاد إلى بلجراد في أكتوبر ١٩٩١م بعد ٤٥ سنة من الشيوعية, وصرح بأنه «ضد فكرة القومية الكبرى واستعمال الدين من طرف قادة صرب همهم السلطة فقط», ويرى أن تقسيم البوسنة إلى ثلاثة كيانات دينية أمر مستحيل, والحل الأفضل في نظره هو السلام عبر الحوار واحترام حقوق الإنسان وكل الديانات والديمقراطية، مشيرًا إلى مسار «السلام» بين الفلسطينيين والإسرائيليين كمنهج للاقتداء, وإجابة عن سؤال عما إذا كان يريد أن يكون خوان كارلوس يوغسلافيا؟ قال: «إنه يريد أن يخدم يوغسلافيا, ويجتهد في إيجاد حل للحرب الدائرة في المنطقة»، فهل سيكون هذا الأمير الصربي الورقة البديلة لميلوسيفيتش في بلجراد ويوغسلافيا السابقة عمومًا والتي يراهن عليها الغرب؟

عدم التفريق بين المجرم والضحية:

أما زعيم مليشيا مجرمي الصرب كاراذيتش فقد قدم نفسه في مقابلة خاصة معه على أنه «عالم بالطب النفسي، وشاعر رقيق الحس» ردًا على سؤال عن موقفه ممن يصفه بأنه مجرم حرب، ودافع عن «حكومة بالي» التي يترأسها ووصفها بأنها تضم أعضاء «من أعلى مستوى ثقافي على النطاق الأوروبي», وصرح بأنه وجد نفسه مجبورًا على النشاط السياسي، وعلل ذلك بـ «بروز إيديولوجيات قديمة أوستاشية في كرواتيا، وأصولية إسلامية في البوسنة», وأضاف: «لا ننسى أن مسلمي البوسنة هم في الأصل صرب من ذوي الديانة الإسلامية», وقال: عشنا جميعًا في يوغسلافيا، ولكن جاءت الأفكار الإسلامية من إيران والسودان وهذا ما لا نقبله». وأكد على أنه «لم نعش قط في إطار بوسنة مستقلة ولن يحصل هذا أبدًا»، وتظاهر بميله «للتفاوض» بدل الحرب.

وأما من الطرف البوسني فقد تم لقاء مباشر من سراييفو مع كمال مفتيتش – مستشار الرئاسة – وليس مع الرئيس علي عزت بيجوفيتش نفسه «ولا ندري إن كان هذا الخيار مقصودًا!!», ودار الحديث معه حول الهجوم الذي بدأه الجيش البوسني على مواقع الصرب من أجل كسر الحصار المفروض على العاصمة سراييفو، وكان رد مفتيتش متمحورًا حول انعدام الإرادة السياسية «الغربية» لإيقاف المعتدين وقال في هذا الصدد مشيرًا إلى جريمة توزلا: «إن الجيش المعتدي هو الإرهابي، لكن هؤلاء الإرهابيين تتحاورون معهم وتسكتون عن أعمالهم الإجرامية»، وحول الهجومات البوسنية أوضح بأن قوات الأمم المتحدة لم تقم بمهامها، وأن الحياة في سراييفو في وضع غير طبيعي ولا إنساني منذ ثلاث سنوات، وفيما يتعلق بالسلام، قال: إن الصرب يرفضون منذ سنة مخطط مجموعة الاتصال، وأكد على أن السلام المطلوب هو الذي يضمن الحرية «حرية التنقل والعيش».

التحذير من رد فعل إسلامي:

وكان وزير الدفاع الفرنسي الجديد شارل ميون قد تابع مباشرة تصريحات كل من مستشار الرئاسة في البوسنة، وكاراذيتش في بالي، واعتبر أن الحرب الدائرة في البوسنة والهرسك تضع الأمن الأوروبي في الميزان وقال: «لا يمكن أن نقبل في نهاية القرن العشرين انتهاك حقوق الإنسان، وما نسمع عنه من تطهير عرقي», ودعا الأوروبيين إلى تحديد سياسة أمنية أوروبية تقوم على عدم الانسحاب من البوسنة وإعادة المتصارعين إلى رشدهم!! وقال: «إن هدف قوات الرد السريع هو توفير الظروف الملائمة لقوات الحماية الدولية للقيام بمهامها المناطة بعهدتها حماية المناطق الأمنية وقوافل المساعدات الإنسانية»، واعتبر أن الصراع في البوسنة اليوم ليس بين أشرار وأخيار، ولكن بين صرب انتهكوا حقوق الإنسان وبوسنيين يدافعون عن حقوق لهم، ويرى أنس التوتر في البوسنة يقوي موقف أنصار الانسحاب الذي ستنجم عنه حرب أهلية، وقد ربط هذا الانسحاب بشروط رفض الأطراف في الساحة لكل وساطة ولكل تقدم نحو السلام وغياب الإرادة الحسنة لديها في تطبيق مخطط مجموعة الاتصال، واعتبر الانسحاب فشلًا لا يتمناه، ولذلك قال إنه سيسعى لإقناع هذه الأطراف لتنظيم حياتها المشتركة، وإعادة التوازن إلى هذا البلد.

وردًا على مستشار الرئاسة في البوسنة قال: «إن استئناف الحرب خطأ كبير», كما قال شيراك الذي يرى في هذا الأمر «تهديدًا للجميع بمخاطر كبرى»، ودعا وزير الدفاع الفرنسي البوسنيين إلى الثقة في الموقف «الحازم» للمجموعة الدولية في هذه المرة مشيرًا إلى قيام میزان قوى جديد بعد أزمة الرهائن وإنشاء قوات الرد السريع، وقال: «إننا سنعيد دراسة مخطط مجموعة الاتصال، لكن في إطار ميزان قوى جديد».

وفي رده على كاراذيتش دعا وزير الدفاع الفرنسي هذا الأخير «لإيقاف الأعمال الإرهابية والقبول بالتفاوض من أجل الاتفاق على قاعدة حياة مشتركة»!! معترفًا بأن الظرف خطير إشارة ضمنية إلى بدء الهجومات البوسنية على مواقع الصرب واحتمال نجاح المسلمين في كسر شوكة مجرمي الصرب وانعكاسات هذا الأمر السياسية والجغرافية– الاستراتيجية».

واختتم هذا البرنامج الخاص حول البوسنة بلقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي الذي اشترك مع وزير الدفاع الفرنسي في الموقف بخصوص خطورة الوضع الحالي، واعتبر أن قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالبوسنة اتخذت بإجماع الأعضاء الخمسة عشر بمجلس الأمن بما في ذلك الولايات المتحدة، وأن الدول حرة في سحب قواتها لأنه ليس هناك ما يلزمها بالبقاء، مشيرًا إلى أن الحلف الأطلسي أعد استراتيجية جاهزة لحماية القوات الدولية في حال انسحابها، وحول سؤال يتعلق بمساهمة هذه القوات المتواجدة في البوسنة في تقوية صف الصرب المعتدين، وتجميد الصراع باسم الحفاظ على سلام غير قائم، أجاب بطرس غالي بنعم ولا، ودافع عن مهمة القوات الدولية في العديد من المناطق الساخنة «أفغانستان - كمبوديا- الصومال...», وفي البوسنة «المفاوضات- أطنان من المساعدات الغذائية...»، بالإضافة إلى منع الصراع من الاتساع إلى مقدونيا خارج نطاق البوسنة، بل إنه ذهب إلى أن هذه القوات «نجحت» في مهامها على الأقل لأن «حضورها يسهم في تعبئة الرأي العام الدولي حول هذه القضايا الساخنة، مما يساعد على عدم نسيانها مع مرور الزمن»، وصرح بأن عدة دول منها روسيا وفرنسا وبريطانيا، وإسبانيا أخبرته بأنها ستسحب قواتها إذا تم رفع حظر الأسلحة عن المسلمين في البوسنة.

ولعل الملاحظة الأخيرة تلخص جوهر قضية البوسنة التي كانت محور ملف القناة الإخبارية الفرنسية، وليس من الصدفة أن يكون هذا البرنامج الخاص متزامنًا مع الهجوم البوسني على مواقع الصرب، ذلك أن الهاجس الخفي الذي كان حاضرًا ضمنيًا في التساؤلات والإشكالات المطروحة على الأشخاص المستجوبين والتحقيقات المختلفة يتمحور حول مستقبل البوسنة في انسحاب القوات الدولية في ظل انتصار غير مستبعد للقوات الإسلامية على مليشيات وقوات مجرمي الصرب بالرغم من الحصار المفروض على الجيش البوسني المسلم فحسب.

بقي أنه تجدر الإشارة إلى أن القائمين على البرنامج كانوا يتحلون نسبيًا بالموضوعية في طرح هذا الموضوع الشائك والحساس، لكن ما يعاب عليهم التركيز على قوات الحماية الدولية ودورها، وعدم إعطاء الطرف المعتدى عليه «مسلمي البوسنة» الفرصة الكافية من حيث عدد التدخلات والشخصيات المدعوة من أجل توضيح العديد من القضايا المهمة من وجهة نظر بوسنية, وكذلك غياب كلي لأي وجه إسلامي معروف في أوروبا أو خارجها من أجل شرح الواقع في البوسنة من وجهة نظر إسلامية.

الرابط المختصر :