العنوان الضوابط الشرعية لسلوكيات التجار
الكاتب حسن شحاته
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 87
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 66
السبت 10-يناير-2004
هناك ضوابط إيمانية وأخلاقية ينبغي أن يلتزم بها التاجر المسلم إلى جانب الضوابط القانونية، وتنبعث الأولى من عقيدته وخلقه بصفة عامة. وقد كان لهذه القيم الدور المؤثر والفعال في نشر الإسلام في كثير من دول العالم، فكان التاجر المسلم تاجرًا وداعيًا إلى الإسلام من خلال قيمه وخلقه وحسن معاملاته مع الناس جميعًا، والدافع والباعث إلى ذلك هو «مخافة الله ومرضاته».
ومن القيم الإيمانية للتاجر المسلم:
1- الإيمان بأن المال الذي يتعامل فيه ملك لله سبحانه وتعالى، وأن الله سوف يحاسبه يوم القيامة من أین اکتسبه وفيم أنفقه، وهذا يدفع التاجر إلى أن يكون ماله من حلال حتى تقبل عباداته ويستجاب دعاؤه.
2- الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى يراقبه في كل تصرفاته ما ظهر منها وما بطن، وهذا يجعله دائمًا في حذر وخوف من الله، فلا يغش ولا يدلس ولا ينصب على الناس ولا يأكل أموالهم بالباطل، وهذا ما يسمى بالرقابة الذاتية.
3- الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا وأن الغاية من المال والتجارة أن تعين الإنسان على عبادة الله والتقرب إليه فيحرص على أن تكون تعاملاته في الحلال الطيب، ووفقًا للأولويات الإسلامية الضروريات والحاجيات ولا يجوز الإنفاق على التحسينيات إلا بعد استيفاء الضروريات والحاجيات.
ومن القيم الأخلاقية:
1- الصدق مع الله ومع النفس فلا يكذب التاجر على الغير أو يحلف كذبًا ولا يجعل يمين الله وسيلة للكسب.
2- الأمانة في معاملاته، فلقد مدح الرسول الله ﷺ التاجر الصادق الأمين بأن يكون مع الشهداء والصالحين في الجنة.
3- عدم المغالاة في الربح الحلال ولا يكون مستغلًا الحاجة الناس.
4- السهولة في المعاملات: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى سمحًا إذا اقتضى».
5- التيسير على الناس وعدم المشقة عليهم.
6- القناعة والرضا بما رزقه الله.
من سلوكيات التجار الأبرار:
في ضوء الضوابط الإيمانية والأخلاقية يكون سلوك التجار الأبرار كما يلي:
1- تحقيق النية الخالصة بأن الغاية من المعاملات الحصول على الكسب الطيب لتعمير الأرض والإنفاق على الحاجات الأصلية للإعانة على طاعة الله عز وجل، وتجنب عبادة المال وسيطرته على القلوب.
2- الالتزام بالأخلاق والسلوك السوي في المعاملات ففي ذلك طاعة وعبادة لله وتحقيق البركات في الأرزاق.
3- اختيار النشاط المشروع في مجال الحلال والطيبات حتى ولو كان هامش الربح قليلًا.
4- حسن اختيار الشركاء والمستثمرين والعمال على أساس القيم والأخلاق، فهذا مناط النجاح والأرباح.
5- إعطاء العامل حقه قبل أن يجف عرقه لتحفيزه وحثه على العمل.
6- إعطاء حق الله في المال مثل الزكاة والصدقات حتى تتحقق البركات والنماء والطهارة.
7- إعطاء المجتمع حقه مثل الضريبة العادلة فهذا من قبيل المسؤولية الاجتماعية.
8- أولوية التعامل في السلع الوطنية لدعم الاقتصاد القومي.
9- تجنب التعامل مع أعداء الدين والوطن الحربيين حتى لا تكون فتنة (المقاطعة الاقتصادية).
10- حل الخلافات عن طريق التحكيم الودي من خلال عباد الله الصالحين.
11- التصفية بالحسنى والمحافظة على الحب والأخوة في الله.
12- كثرة التوبة والاستغفار لتطهير المعاملات مما علق بها من مخالفات شرعية.
وهذه السلوكيات السوية المستقيمة للتجار الأبرار تحقق لهم المقاصد الآتية:
1- تحقيق الخير والبركة والنماء في الأرزاق.
2- تجنب الوقوع في الحرام وبالتالي عدم ارتكاب الذنوب والمعاصي والرذائل.
3- تجنب الشك والريبة بين المسلمين وتحقيق العدل بين الناس في المعاملات.
4- التأكيد على شمولية الإسلام وأنه دين عبادات ومنهج حياة.
5- الدعوة إلى الله على بصيرة وعلم وربط الأقوال بالأفعال.
6- تقديم نموذج متميز لرجل الأعمال المسلم في حلبة الحياة العملية.
7- التمكين لشرع الله أن يطبق ويسود لإنقاذ البشرية مما هي فيه من بؤس وشقاء وضنك.
سلوكيات التجار الفجار:
أما سلوكيات التجار الفجار فمنها ما يلي:
1- الغش: ومن صور ذلك التدليس في صفات السلعة أو بيع سلعة منتهية الصلاحية أو تسويق سلعة تسبب أضرارًا للناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «من غشنا فليس منا».
2- الاحتكار: ويقصد به إخفاء السلعة وحبسها عن التداول حتى يرتفع سعرها ويستفيد
التاجر من ذلك ربحًا عاليًا، فقد قال رسول الله ﷺ: «المحتكر ملعون والجالب مرزوق» (رواه ابن ماجه)
3- الاستغلال: هناك من التجار من يستغلون ويرفعون سعرها بدون حاجة الناس إلى سلعة معينة حق أو ضرورة معتبرة شرعًا، فالمكسب من ذلك يعتبر سحتًا «حرامًا».
4- التطفيف في الكيل والميزان: ولقد توعد الله عز وجل هؤلاء بالعذاب الأليم فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين:1-3)
5- الحلف الكذب والإيمان الغموس: يجعل كثير من التجار الحلف وسيلة لجلب الربح، وهذا محرم شرعًا وفيه محق لبركة الرزق، فقد قال رسول الله ﷺ: «الحلف ممحقة للبركة».
6- الإكراه في البيع والشراء: أي استغلال الحاجة والضغط بها للشراء أو البيع.
7- النجش: ويقصد به الزيادة المفتعلة فى السعر بدون مبرر معتبر شرعًا.
8- الغبن: ويقصد به استغلال جهل الناس بالسلعة والأسواق ويظلمونهم.
9- الربا: هناك من التجار من يتعاملون بالربا أخذًا وعطاء، ولقد توعدهم الله بالحرب.
وفي ضوء ما سبق فإن ما يقوم به التجار الفجار الذين قست قلوبهم، من الاحتكار والاستغلال والتطفيف والغش والتدليس وإغلاء الأسعار والتعامل في سلع انتهت صلاحيتها حرام، وما يكسبونه من ربح حرام ولا يقبل لهم دعاء لأن من شروط قبوله أن يكون الكسب حلالًا، ولقد قال رسول الله (ﷺ) لسعد بن معاذ: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة».
وقد يتوهم التجار الفجار الذين يخالفون شرع الله سبحانه وتعالى أنهم يربحون، والحقيقة أنهم الخاسرون لأن الله سبحانه وتعالى لا يبارك لهم في مالهم ولا في أولادهم ولا في عملهم ولا في عمرهم. ومن مسؤولية الحكومة في الدولة الإسلامية مراقبة الأسواق ومعاقبة التجار الفجار الذين لا يطبقون شرع الله عز وجل، ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله عز وجل.
وعلى المجتمع -وفقًا لنظام الحسبة في الإسلام -أن يتصدى لهؤلاء التجار الفجار ويمنعهم عما يقومون به من معاملات مخالفة لشرع الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل