العنوان الطاغية والشهيد
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013
مشاهدات 68
نشر في العدد 2047
نشر في الصفحة 66
السبت 06-أبريل-2013
عبر القطة مؤثرة من فيلم «عمر المختار»، يقف «عمر» (معلم الكتاتيب) أمام طلبته الصغار ويتلو: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ألا تطعوا في الميزان وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 7-9). يتقدم منه أحد قادته الميدانيين ويسر في أذنه شيئًا، سنعرف فيما بعد أن فرقة من الإيطاليين دهمت على حين غفلة قرية ليبية غاب عنها رجالها وشبابها, وأبادت من فيها من النساء والشيوخ والأطفال.
يتوقف عمر عن التلاوة، وقد انتفضت أوداجه غضبًا, وامتطى صهوة فرسه، وقبل أن يغادر وصاحبه المكان, راح يتلو مرة أخرى: ﴿والسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان ألا تطعوا في الميزان, وأَقِيمُوا الوَزْنَ بالقسط وَلا تُخسِرُوا الميزان﴾، ثم انطلق لا يلوي على شيء.
سنعرف بعد قليل كيف أنه سيباغت بخيالته معسكرًا إيطاليًا, ويبيد من فيه وما فيه من المقاتلين والعتاد. وعاد إلى طلبته الصغار لكي يحكي لهم كيف أنه نفذ الأمر الإلهي ووضع الميزان في دنيا طاشت فيها الموازين على أيدي الطواغيت والأرباب.
هذه اللقطة تنطوي - بالتأكيد - على بعد تربوي عميق، قد يكون أبلغ بكثير من عشرات الدروس تلقى على عقول الطلاب. إنها قوة الفن التي تمنح الحياة للأفكار فتشخصها واضحة مجسدة ملء السمع والبصر والوجدان.
إن الحضارة ليست في التقدم المادي وحده، وإنما هي في صيغة التعامل مع إنسانية الإنسان، وإلا فأيهما أقرب إلى البربرية وأبعد عن بداهات التحضر: «عمر المختار» وأتباعه الذين لا يقاتلون سوى المقاتلين، أم الفرقة الإيطالية وهي تذبح وتحرق وتدمر دونما تفريق على الإطلاق؟
إن الفيلم يقدم صورة مؤثرة عن هذه المفارقة، ويمنح المشاهد المصداقية عن كذب التحضر الغربي وزيفه وادّعائه. ولكم نحن بحاجة إلى مزيد من الأفلام الكبيرة بإخراجها وحوارها وتمثيلها, تؤكد للعالم القيم العليا لهذا الدين, وتدين – في الوقت نفسه- القيم السفلي لأعداء هذا الدين.
ثمة قيمة أخرى تخطر على البال لدى مشاهدة الفيلم الذي ينتهي بإعدام «عمر المختار», ولكنها النهاية التي تعد بعودة أخرى للبطل المسلم القادم من رحم الغيب والذي سيواصل الطريق.. تلك هي مصائر الأبطال عبر التاريخ والتي تنطوي هي الأخرى على مفارقة مؤثرة.
ذلك أن «عمر المختار» انتهى وهو في القمة لكي ما يلبث أن يرجع مرات ومرات ريثما تتهيأ الأسباب.. أما خصمه وقاتله «موسوليني» فقد انتهى وهو في الحضيض لكي لا يرجع مرة أخرى على الإطلاق.
إنه العقاب الإلهي العادل الذي ينزل - طال الوقت أم قصر - بالطاغوت الذي نفذ المذبحة، وساق «المختار» إلى الإعدام بأبشع صيغة في التاريخ الحديث.
وأتذكر وقفة «موسوليني» المعروفة في شرفة قصره في روما, بتألهه وتكبره المعهودين, قبالة جماهير أمته المأخوذة بعبادته, وهو يصرخ: «سنركز راياتنا فوق النجوم», فتنحني له الجماهير تقديسًا وإعجابًا وتصفق حتى تتورم أكفها، وتكاد تسجد للصنم المعبود. وأتذكر - في المقابل - نهايته الذليلة كما حدثنا عنها «دوكو» في كتابه «الوثائق السرية»، حيث أخذ يهرب وعشيقته كجرذين مذعورين من مكان إلى مكان، وجماهير الإيطاليين تلاحقهما لكي تنزل بهما العقاب، وهما في أكثر الحالات البشرية تعاسة وبؤسًا. إن عقاب الله سبحانه آت لا ريب، وإنه جل جلاله يمهل ولا يهمل.. والمسألة مسألة وقت فحسب، وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون. ولهذا يخاطب الله سبحانه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم مواسيًا ومصبرًا، ومطمئنًا على المصائر والمقدرات: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً, إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بعيدًا, ونراه قريبًا﴾ (المعارج: 5- 7).
فمن كان يتصور في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته أن هذا الطاغوت الإيطالي الجبار سيؤول به الأمر إلى ذلك الوضع المخزي الذي حدثنا عنه «دوكو» في كتابه ذاك؟! كلاهما انتهت رحلة حياته بالموت القاتل والقتيل.. الطاغية والشهيد.. ولكن كم هو الفرق كبير حقًا بين ميتة هذا وشهادة ذاك؟!
(*) مفكر إسلامي- أكاديمي عراقي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل