; الطريق الدامي من راتشاك إلى رامبورييه | مجلة المجتمع

العنوان الطريق الدامي من راتشاك إلى رامبورييه

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1339

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 23-فبراير-1999

أوروبا   

     (أيها الألبان إن لكم الفخر أن تحتضن أرض كوسوفا الطاهرة أجساد الشهداء من أبنائكم وبناتكم، لقد أخذت أرض كوسوفا هذه الأجساد لكي تمنحنا الحرية والاستقلال).

     هكذا قال الواعظ فهمي مويوتا أثناء تشييع جنازة أربعين من شهداء مجزرة راتشاك، والذين ظلت جثثهم تشكو إلى الله سوء معاملة الصرب حتى بعد الموت، فقد حاولت صربيا استغلال الموقف، والمقايضة بين جثث الشهداء وأشياء أخرى وبرغم الضجيج الذي أثير حول التحقيق الطبي في المجزرة، إلا أن تقريرًا نهائيًا لم يخرج إلى النور.

      في انتظار امتد لساعات طوال، وفي مشهد مؤثر للغاية وصلت إلى راتشاك أربع شاحنات تحمل جثث الشهداء ووسط عشرات الألوف من راتشاك والقرى المجاورة، خرج الأهالي متحدين الجليد والصرب ليودعوا شهداءهم الذين قتلهم الصرب على مرأى ومسمع من فريق المحققين الدوليين، اجتمع الألبان في ساحة مسجد القرية ومن حوله يؤمهم مفتي كوسوفا رجب بويا، وكأنها صرخة إلى المسلمين في كل مكان، فهل فكر أحدنا في صلاة الغائب على أرواح الشهداء؟

    نقلت العدسات مشهدًا لرجل عجوز في العقد في الثامن من عمره، وهو يتكئ على وليم والكر كبير المحققين، العجوز ظل صامتًا حتى اقترب من ثلاثة نعوش وراح يبكي عندها، إنها جثث أبنائه الثلاثة الذين راحوا ضحية الغدر، كان المشهد مؤلمًا حتى أن والكر قال: (لم يكن للكلمات على قوتها تأثير مثلما كان لهذا التجمع الكبير)، وقال والكر: (إن الشيطان زار راتشاك وقتل النور وأرواح الأبرياء)، وقال أيضًا: (إن هناك ارتباطًا وثيقًا بين راتشاك ورامبوبيه؛ فالعالم يرى اليوم آلآمكم، وفي باريس سيصنع الأمل) هكذا يظن والكر أن في باريس يصنع الأمل، والحقيقة أن باريس مثلها مثل أختها لندن لا يصنع فيها سوى الألم والمآسي والمؤامرات، فقد انتهت مؤتمرات لندن في أوائل القرن ونهايته بتقسيم أراضي ألبانيا في الأولى، وحرمان المسلمين في كوسوفا من حق الاستقلال في الثانية (مؤتمر مصير يوغسلافيا) والآن جاء الدور على (عاصمة النور) وبإصرار من باريس على عقد المؤتمر، وحاولت بكل الطرق أن تدعم الجانب الصربي فاستدعت رئيس صربيا ميلوتينوفيتش (وليس رئيس يوغسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش) بالرغم من أن الحديث يدور حول موقع كوسوفا بالنسبة ليوغسلافيا، استدعته إلى باريس ليلتقي المسؤولين الفرنسيين سرًا، ويعطي تعليماته إلى الفريق التفاوضي المصغر فقط (ثلاثة عشر من بينهم صرب وغجر وأتراك ورومان وألبان متواطئون، ومصريون حيث يوجد عرق مصري في البلقان).

     وبينما العالم يتابع المفاوضات قامت أجهزة المخابرات الصربية بتسيير عدة عشرات من المتظاهرين حول شاتوه رامبوييه، حيث تعقد المباحثات ليرددوا هتافات ضد الناتو وضد كريستوفر هيل السفير الأمريكي، وكما قال أحد المعلقين لقد كانوا يدعون ألبان كوسوفا إلى الكف عن المطالبة بالاستقلال، لكنهم في المقابل لم يدعهم إلى الوحدة مع الصرب.

    وهكذا فالصرب لم يتركوا للألبان من خيارات، فلا استقلال ولا وحدة، بل عبودية واستعمار وقتل.                   

الرابط المختصر :