; الطريق إلى التمكين للاقتصاد الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الطريق إلى التمكين للاقتصاد الإسلامي

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2012

مشاهدات 77

نشر في العدد 2004

نشر في الصفحة 40

السبت 26-مايو-2012

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾(سورة يوسف: أيه رقم54:56) وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾(سورة الحج: أيه رقم41) 

مر الاقتصاد الإسلامي المعاصر بعدة مراحل بدأت منذ عام ١٩٣٠م ليصل المرحلة التمكين عبر خلالها مراحل الفهم والتعريف والتنظير بدأ الإمام حسن البنا دعوته بالتأكيد على أن الإسلام دين شامل ومنهج حياة واهتم بالتربية الشاملة الإيمانية والأخلاقية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعرّف دعوة الإخوان المسلمين بأنها دعوة شاملة ومشروع للإصلاح والطريق إلى النهضة والنماء والخير، وخلص إلى أن الإسلام هو الحل.  ومن أهم محاور النهضة التي وضع البنا إطارها العام المحور الاقتصادي وكان من بين رسائله «رسالة الإصلاح الاقتصادي» وكلف أهل الاختصاص من الإخوان المسلمين بتحويل هذه الرسالة إلى إطار فكري ومشروع عملي وبرامج تنفيذية.

 مر المحور الاقتصادي في منهج الإخوان بمراحل الفهم والتعريف والتنظير والتطبيق وبسبب الاعتداءات المتتالية على الجماعة من اعتقالات وقتل وتأميم تأخرت مرحلة التمكين أو سارت بخطوات بطيئة ومستترة.  وكان من ثمرات ثورة شعب مصر في يناير ۲۰۱۱م انطلاق جماعة الإخوان وحزبها الحرية والعدالة نحو التمكين في كافة المحاور ومنها المحور الاقتصادي ونشرت الجماعة برنامجها الاقتصادي المتضمن مفاهيم ومبادئ ونماذج اقتصادية إسلامية ليكون ذلك من بين مقاصدها في مرحلة التمكين. وسنعرض هنا آفاق التمكين للاقتصاد الإسلامي في ضوء مشروع النهضة لتحقيق الخير لمصر.

معنى التمكين بصفة عامة

هو السلطة والنفوذ والقدرات والإمكانات لتحقيق فكرة ما أو مقصد معين منشود وتطبيقه في الواقع العملي.  وفي مجال الدعوة الإسلامية، هو السلطة والقدرة على تطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها؛ وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال لتحقيق الخير للناس. 

نعني بالتمكين الاقتصادي الإسلامي توافر السلطة والنفوذ الإصدار التشريعات ووضع السياسات ورسم الخطط وتصميم البرامج الاقتصادية لتطبيق مفاهيم وأسس الاقتصاد الإسلامي في واقع الحياة

ويعني التمكين في مجال السياسة الشرعية السلطة والقدرة على تحقيق مصالح الناس المشروعة وفقا للقواعد والأحكام الشرعية بما يوفر لهم الحياة الكريمة. ويمكن بلورة معنى التمكين بصفة عامة في وجود رؤية تتحول إلى فكرة وخطة. ويصعب التنفيذ بدون التمكين، ومن مقوماته وجود سلطة ونفوذ وقدرات.

معنى التمكين الاقتصادي الإسلامي

 في إطار المعنى العام السابق، يقصد بالتمكين الاقتصادي الإسلامي توافر السلطة والنفوذ لإصدار التشريعات، ووضع السياسات، ورسم الخطط، وتصميم البرامج الاقتصادية لتطبيق مفاهيم وأسس الاقتصاد الإسلامي في واقع الحياة لتحقيق الرفاهية الاقتصادية للناس.

مسيرة الاقتصاد الإسلامي نحو التمكين:

مر الاقتصاد الإسلامي المعاصر بعدة مراحل أساسية ليصل لمرحلة التمكين:

  1.  مرحلة الفهم: ويقصد بها شرح المقصود بالاقتصاد الإسلامي، وبيان الطبيعة المميزة له، وبدأ ذلك في مصر في الفترة من .١٩٤٠م – ۱۹۳۰
  2.  مرحلة التعريف: ويقصد بها الدعوة إلى الاقتصاد الإسلامي وتعريف الناس به بكافة السبل والوسائل الدعوية، وبدأ ذلك في مصر في الفترة من سنة ١٩٤٠م، وقام به الفقهاء والدعاة وعلماء الاقتصاد الإسلامي ومن بين وسائلهم : المحاضرات والندوات والمعسكرات. ونحو ذلك.
  3. مرحلة التنظير: ويقصد بها وضع الإطار الفكري النظري لعلم الاقتصاد الإسلامي، وبدأ ذلك من سنة ١٩٤٥م، ومن وسائل ذلك المؤلفات والأبحاث والدراسات والندوات والمؤتمرات سواء داخل دور العلم أو خارجها، ولقد توصلت هذه المرحلة لوضع إطار فكري للاقتصاد الإسلامي ومازالت هذه المرحلة مستمرة في ضوء المتغيرات المعاصرة.
  4.  مرحلة التطبيق:  ويقصد بها تطبيق مفاهيم وأسس الاقتصاد الإسلامي في الواقع العملي في صورة منشآت ومؤسسات وشركات ونحو ذلك، تعمل وفقا لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتزامنت مع مرحلة التنظير.

ومن البنيات الاقتصادية الإسلامية الرائدة في هذا المجال:

  •  المصارف الإسلامية.
  • شركات التأمين التعاوني الإسلامي. 
  • شركات الاستثمار والتمويل الإسلامي.
  • الجمعيات الاقتصادية التعاونية.
  • مؤسسات الزكاة والصدقات
  • مؤسسات الوقف الخيري.
  • مؤسسات القروض الحسنة.
  • مؤسسات اقتصادية أخرى.

وقد مر التطبيق بمنهج التدرج في مجال القطاع الخاص بدون تشريعات أو قوانين حيث لم تتوافر لأنصار الاقتصاد الإسلامي السلطة والنفوذ والحكم، بمعنى لم يتوافر له التمكين الفعال ليسود ويطبق، ومن أسباب ذلك التضييق الشديد على التيار الإسلامي الذي أخذ في بعض الأحيان أشكال الاعتقال والاستيلاء على الأموال، ولذلك كان التطبيق على استحياء وتشوبه الأخطار السلطوية.

آفاق التمكين للاقتصاد الإسلامي بعد الثورة:

مع بزوغ فجر الحرية والإرادة بعد ثورة شعب مصر وانطلاق التيار الإسلامي نحو الإصلاح، ومنه الإصلاح الاقتصادي، بدأت المراحل السابقة تزهو ، وبدأت بشائر التمكين الاقتصادي الإسلامي تظهر وتبشر بالخير ومن معالم ذلك:

  • تطهير صور الفساد التي كانت تعوق التمكين للاقتصاد الإسلامي، ومنها: احتكار النفوذ السياسي، والتكسب من الوظيفة، والكسب بلا جهد والمقامرات والاعتداء على المال العام، ونحو ذلك.
  • تجهيز مجموعة من التشريعات الاقتصادية اللازمة لتطبيق الاقتصاد الإسلامي، ومنها:
  • تشريعات صيغ الاستثمار والتمويل الإسلامي.
  • تشريعات إصلاح النظام الضريبي والمصرفي.
  • تشريعات الأجور والمعاشات.
  • تشريعات جذب الاستثمارات.
  • تشريعات الزكاة والوقف الخيري.
  •  تشريعات المؤسسات المالية الإسلامية.
  • اهتمام وسائل الإعلام بالاقتصاد الإسلامي وتطبيقاته ودوره في الإصلاح المنشود.
  •  اهتمام منظمات رجال الأعمال والمستثمرين بصيغ وعقود المعاملات المالية والاقتصادية الإسلامية.
  •  اهتمام علماء الاقتصاد التقليدي في الجامعات وغيرها بإعادة النظر في آرائهم عن الاقتصاد الإسلامي. 
  • اهتمام مراكز البحوث والاستشارات والأعمال بتوجيه مقاصدها وخططها وبرامجها نحو مقابلة الطلب على المنتجات الاقتصادية الإسلامية.
  • اهتمام بعض سلطات الدولة، ومنها السلطة التشريعية بإعداد حزمة من القوانين لتلبية رغبات الشعب نحو الاقتصاد الإسلامي وبنياته الأساسية.
  • «مشروع النهضة». الطريق إلى التمكين للاقتصاد الإسلامي من في محيط عمري، وهو السبعون أو أكثر ومن اهتموا بفكر ومنهج الإخوان المسلمين في مجال الإصلاح والنهضة، يوقنون بأن مشروع النهضة ولد قبل ثورة يناير، بل نشأ مع دعوة الإخوان، ولا سيما في فترة ما بعد ۱۹۳۰م، وفي مجال الاقتصاد برز بعد سنة١٩٤٠م، ومنذ ذلك التاريخ تراكمت خبرات الأجيال جيلا بعد جيل كالزرع الذي ينمو حتى مرحلة حصاد الثمار.

 وعندما تم التمكين النسبي لطائفة من الإخوان وغيرهم بعد الثورة، وتبلور مشروع النهضة، كان ذلك بداية التمكين الفعلي للاقتصاد الإسلامي ليسود وتكون له أستاذية العالم إن شاء الله.

من معالم التمكين للاقتصاد الإسلامي في «مشروع النهضة»:

  1.  إبراز القوة الاقتصادية« الموارد الاقتصادية» لمصر، حيث تتوافر مقومات التنمية الشاملة، ومنها على سبيل المثال:
  • الإنسان المصري العظيم ذو القيم والمثل والأخلاق وصاحب الحضارات، هو أساس التنمية وله تتم التنمية والمطلوب أن تتوافر له الحرية والأمن ووسائل العمل والإنتاج والإبداع.
  • الموارد الطبيعية من بحار وأنهار ومعادن وأرض وجو معتدل وموقع جغرافي متميز والمطلوب التنقيب والاستخراج والرشد في الاستغلال، وأن تكون خيرات مصر لأهلها.
  •  البيئة الجاذبة للاستثمار الإنتاجي الذي يقوم على مبدأ المشاركة في العوائد والخبرات والمطلوب إعادة النظر في التشريعات ذات العلاقة بالاستثمار على قاعدة المصالح المشتركة.
  • الأسواق المحلية والعالمية؛ حيث تتمتع مصر بموقع جغرافي متميز بين القارات ودول العالم، وذات علاقة مصيرية بالدول العربية والإسلامية؛ مما يعطيها قدرات التصدير والاستيراد وهذا يتطلب تقوية العلاقات السياسية والاقتصادية وفقًا القاعدة الأولويات الإسلامية ومبدأ الدول الأولى بالرعاية.
  • العلم والعلماء: لقد هاجر العديد من العلماء المصريين في العهد السابق للخارج وأبدعوا وابتكروا واخترعوا، ويمكن رجوع هؤلاء إلى الوطن في ظل الأمن والحرية والتشجيع وتوفير مقومات البحوث العلمية وهم على رغبة وشوق لذلك.
  • الاهتمام بالعامل الذي هو أساس النهضة الاقتصادية من حيث حفظ حقوقه المعنوية والمادية لكي يعمل وينطلق ويبدع ويجود أداءه، مع التركيز على توفير الأجر المناسب ومقومات العمل اللازمة والعلاج الشامل والمعاش الذي يكفيه الحياة الكريمة.
  •  حماية الملكية الخاصة من أي اعتداء ما دامت تكتسب بالعدل وتؤدي ما عليها من حقوق وفقا لقول الرسول ﷺ: « كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» «رواه مسلم» وكذلك حماية المال العام ليؤدي دوره في توفير الخدمات اللازمة لنهضة الاقتصاد. 
  • توفير البيئة الاستثمارية أمام رأس المال المحلي والأجنبي في ضوء مبدأ المشاركة في الغنم والغرم، وبما يحافظ على سيادة الدولة.
  1. حث منظمات المجتمع المدني لتفعيل دورها الاجتماعي من خلال مجموعة من المشروعات والأدوات الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي، ومنها على سبيل المثال تمويل وحضانة المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر لعلاج مشكلة البطالة.
  2. إزالة القيود عن إنشاء المؤسسات المالية والاقتصادية الإسلامية لتساهم بدورها في تحقيق النهضة الاقتصادية بجوار التقليدية.
  3. إنشاء بيت الزكاة بموازنة مستقلة ليساهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية بجانب نظام الضرائب بعد إصلاحه. 

هذه المعالم الاقتصادية واردة في «مشروع النهضة» وتعتبر في جملتها أساسًا المرحلة التمكين للاقتصاد الإسلامي. وقد قال علماء الاقتصاد: إن المستقبل للاقتصاد الإسلامي.

قراءة في كتاب.

أساسيات العمل المصرفي الإسلامي

شهد النصف الأخير من القرن العشرين ميلاد المصارف الإسلامية وقد أعلنت هذه المصارف منذ إنشائها اعتزامها القيام بالمشروعات التنموية للمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية انطلاقًا من التزامها بمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية.

وقد مثلت تلك المصارف اللبنة الأولى للاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث وشهدت تطورًا سريعا وانتشارا واسعا، وتنوعت خدماتها ومنتجاتها لتغطي معظم احتياجات الأفراد والجماعات والمؤسسات على حد سواء، حتى تمكنت من فرض نفسها في ساحة الاقتصاد العالمي سواء على مستوى الدول العربية والإسلامية أو الدول الغربية، وأصبح من حق المسلم أن تكون له مؤسساته المصرفية التي تتعامل معه على أساس دينه وعقيدته وقيمه واهتماماته، فترفع عنه الحرج الذي يجده في التعامل مع المؤسسات المصرفية التقليدية. 

وقد نجحت هذه المصارف في مجالات عديدة، ولكنها في حاجة إلى المزيد من المساهمة الفعالة في عملية التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي في الدول الإسلامية وفقًا لما حددته لنفسها من أهداف، وهذا يتطلب أن يحمل أمانة العمل المصرفي الإسلامي القوي الأمين الحفيظ العليم القادر على الفهم العميق لطبيعة أنشطتها والعمل المتواصل الدقيق لوضع هذا الفهم بصورة صحيحة موضع التطبيق. 

وفي هذا الإطار، تأتي سلسة «نحو مصرفي إسلامي فقيه»، لتفقيه العاملين والمتعاملين في المصارف الإسلامية، وكذلك المهتمين بطبيعة تلك المصارف وآليات عملها وأنشطتها، بصورة تتسم باليسر والعمق، والجمع بين واقع العصر وفقه النص، والربط بين الخبرة المصرفية والمعرفة الشرعية.

 ويأتي هذا الكتاب في أول هذه السلسة لبيان أساسيات العمل المصرفي الإسلامي في أحد عشر فصلًا. يتناول الفصل الأول: ماهية المصارف الإسلامية من حيث المفهوم والنشأة والأهداف، ويتناول الفصل الثاني: مبادئ العمل المصرفي الإسلامي، متعرضا لعشرة مبادئ أساسية حاكمة للعمل المصرفي الإسلامي، ويتناول الفصل الثالث: موارد الأموال في المصارف الإسلامية من موارد داخلية وأخرى خارجية، ويتناول الفصل الرابع: استخدامات الأموال في المصارف الإسلامية من عقود معاوضات وعقود مشاركات بأنواعهما المتعددة، ويتناول الفصل الخامس: الخدمات المصرفية في المصارف الإسلامية، متعرضا لعشرة أنواع من هذه الخدمات، ويتناول الفصل السادس: الخدمات الاجتماعية في المصارف الإسلامية من خلال التعرض للموارد والاستخدامات الخيرية في المصارف الإسلامية.

ويتناول الفصل السابع: الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية من حيث مفهومها ونشأتها وأشكالها وأهميتها ومهامها، ويتناول الفصل الثامن: دراسة مقارنة لأهم أوجه الفروق بين المصارف الإسلامية والمصارف التقليدية بصورة تزيل التدليس الذي يروجه البعض بأن المصارف الإسلامية لا تختلف عن المصارف التقليدية، ويتناول الفصل التاسع: آليات تحول المصارف التقليدية إلى مصارف إسلامية، ويتناول الفصل العاشر: علاقة البنك المركزي بالمصارف الإسلامية سواء من الناحية الرقابية أو التمويلية ووضع آلية لرسم هذه العلاقة بما يوائم طبيعة عمل المصارف الإسلامية ويتناول الفصل الحادي عشر والأخير دراسة تقويمية لواقع المصارف الإسلامية واستشراف مستقبلها ووضع آلية لتطوير عملها بصورة توائم بين فقه النص وواقع العصر. والله من وراء القصد.

الرابط المختصر :