العنوان الظلم: الشيمة والعفة.. والعلة
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 25-نوفمبر-2006
مشاهدات 86
نشر في العدد 1728
نشر في الصفحة 52
السبت 25-نوفمبر-2006
قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
احتج بعض الباحثين على المتنبي لجعله الظلم شيمة لازمة من شيم النفس البشرية. أي طبيعة من طبائعها ورأوه قد ظلم النوع الإنساني كله بإلصاق هذه التهمة بها فقد جعل الظلم هو القاعدة، وجعل العفة عنه استثناء لا يحصل إلا لسبب (علة) يقتضي وجوده.
أ- والظلم أنواع منها:
- الظلم الأعظم، وهو الشرك بالله: قال تعالي على لسان لقمان: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ (لقمان: 13). ففي هذا الظلم اعتداء على أعظم حقيقة في الوجود، وهي وحدانية الله سبحانه وتعالى!
- ظلم الإنسان لنفسه: وهو متعدد الصور والوسائل والأساليب...!
- ظلم الإنسان لأخيه الإنسان: وهو كذلك متعدد الصور والأساليب والوسائل...!
- ظلم الإنسان لمخلوقات الله الأخرى من غير النوع الإنساني: كالحيوان بأصنافه وأجناسه، وعناصر البيئة: من نبات وماء وهواء وتراب!
ب- ومن يستعرض أنواع الظلم التي يراها في حياته اليومية (ظلم الأفراد للأفراد، وظلم الحكام لمواطنيهم، وظلم الدول للدول) لا بد له أن يتساءل: هل الظلم حالة طارئة على حياة الناس، أم هو أصل ثابت مستقر من أصول هذه الحياة! وإذا كان أصلًا ثابتًا، فهل هو طبيعة من طبائع النفس البشرية، كما زعم المتنبي، أم استعداد كامن في هذه النفس يظهر في أكثر صور الحياة, وتمارسه أكثرية أفراد النوع الإنساني؟
إن سورة العصر تؤكد خسارة الإنسان عامة، وتستثني فئة منه: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3)﴾ ومعلوم أن الخسر لا يكون إلا نتيجة لظلم يمارسه الإنسان نفسه، فالله لا يظلم أحدًا.
ج- وعند العودة إلى الآية الكريمة، ترى بوضوح أن الظلم ليس جبلة جُبِل عليها الإنسان لا فكاك له منها، بل هو استعداد كامن في النفس لممارسة الظلم، كالاستعداد الكامن لممارسة العدل والخير. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3).
د - وبناء على ما تقدم، ندرك أن الظلمليس حكمًا ربانيًّا حكم الله به على الإنسان ولا قدرًا لازمًا قدره عليه.. بل هو حالة إنسانية، يمارسها الإنسان على نفسه، وعلى أفراد نوعه، بطوعه واختياره.. ويقبلها الآخرون أو يرفضونها، بطوعهم واختيارهم. فلا عذر لمن يمارسها، ولا عذر لمن يقبلها... والمضطر إلى السكوت على الظلم، وهو كاره له يعذر بحسب ضرورته.
ه- وهنا نقف عند حالتين من حالات الظلم الشائعة اليوم:
- ظلم الحاكم لشعبه:وهو حالة من الظلم المزدوج: الحاكم ظالم, وعليه أن يدفع ضريبة ظلمه والشعب المظلوم ظالم؛ لأنه قبل الظلم، وعليه أن يدفع ضريبة ظلمه.
وفي الحديث الشريف: إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: «يا ظالم... فقد تودع منها ..... وفيه أيضًا سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله»..
- ظلم الدولة للدولة: والظلم هنا ثلاثي الأبعاد: الظالم الأول فيه الدولة التي تمارسه, والظالم الثاني هو الحاكم الذي يقصر في تقوية دولته، حتى يستضعفها الآخرون فيعتدوا عليها، والظالم الثالث هو الشعب الذي يقبل من حاكمه التقصير في تقوية الدولة وحمايتها، حتى يستبيحها أعداؤها، وينكلوا بشعبها، وينهبوا ثرواته!
وهنا نكتشف أن العلة التي تمنع منالظلم أو تردع عنه، أنواع منها:
- الخوف من الله عز وجل، وهذه أسماها وأكرمها.
- الأخلاق والمروءات التي يربى عليها الفرد.
- العجز عن ممارسة الظلم.
- القوة الرادعة: وهي التي تمنع المرء من الظلم وتردعه عنه، سواء أكانت قوة قانونية أم قوة واقعية (عسكرية.. ونحوها).
وهذه القوة تحديدًا، هي التي تكشف حقيقة الديمقراطية بوضوح وجلاء -في الدول التي تدعيها- فالحاكم في الدول الديمقراطية لا يمنعه من الاستبداد والتجاوز على الحقوق العامة والخاصة في دولته إلا القوة الرادعة التي ترصده وتتربص به (قوة القانون.. قوة الخصوم السياسيين.. قوة وسائل الإعلام التي تفضح المخالف وتشهر به وتسقطه).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل