; العائدات النفطية بين الدولار الأمريكي والدينار الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان العائدات النفطية بين الدولار الأمريكي والدينار الإسلامي؟

الكاتب محمود الخالدى

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981

مشاهدات 57

نشر في العدد 525

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 21-أبريل-1981

  • هل تصلح «النقود الشرعية» كقيمة للعائدات النفطية في المحافظة على هذا النفط اللازم للحياة كالدم للإنسان؟
  •  
  • هل يمكن تصور العودة إلى الاحتكام للمعالجات الاقتصادية التي جاءت بها العقيدة الإسلامية.. كمنقذ من تسلط الدولار الأمريكي؟
  •  
  • الدولار وطائرات الفانتوم وقنابل النابالم.. أسلحة بيد الرئيس الأمريكي وهو يضع القرار السياسي للمجابهة.
  •  
  • إن نظام الذهب معناه ثبات سعر الصرف بين الدول وينجم عن ثبات سعر الصرف تقدم التجارة الدولية.
  •  
  • كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول أنجح السبل للحفاظ على الثروة النفطية، وطرحت تصورات كثيرة نظريًا، منها ما يطالب بالحد من الإنتاج الهائل، وآخر بعدم احتساب الدولار الأمريكي كقيمة وحيدة لا تنافس ثمنًا للنفط، فلا بد من «سلة عملات» الدولار أحد فاكهتها، ثم قيل منذ زمن بإصدار «الدينار العربي» واعتماده...
  •  
  • وفي جميع ما طرح في ساحة الاقتصاد السياسي لقيمة عائدات النفط، كثروة هائلة، وسلعة استراتيجية في بلاد المسلمين، لم تكن هذه الطروحات إلا نظريًا لم تتعد الورق الذي كتب عليه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى.. لم يطرح الحل الأمثل الذي لا يأتيه الباطل من الشرق أو الغرب.. ذلك هو «المعدن الأصفر» المسمى عند العرب «بالذهب».. والذي جعله الإسلام مع الفضة.. نقدًا شرعيًا.. أي أن الحكم الشرعي في النقود.. هي الذهب والفضة.
  •  
  •  
  • فهل تصلح «النقود الشرعية» كقيمة للعائدات النفطية، في المحافظة على هذا النفط اللازم للحياة كالدم للإنسان؟
  •  
  • وهل يمكن تصور العودة إلى الاحتكام للمعالجات الاقتصادية التي جاءت بها العقيدة الإسلامية.. كمنقذ من تسلط الدولار الأمريكي؟
  •  
  • وكيف يمكن للسياسة النقدية في الإسلام من معالجة أزمة النقد الخانقة التي يعايشها العالم المعاصر؟
  •  
  • النقود الشرعية:
  •  
  • منذ أن عرفت البشرية معدن «الذهب» وهو المقياس للمنافع والجهود، ولقد ظل الذهب هو النقد في العالم إلى عهد قريب، أما في الإسلام، فإن نصوص القرآن والسنة وإجماع الصحابة، قد جعلت من الذهب والفضة «النقود الشرعية» وصار الدينار الذهب والدرهم الفضة هما نقود دولة الخلافة الإسلامية منذ عهدها الأول إلى سقوط الخلافة العثمانية في إستنبول.. ومن ثم زوال الحكم بما أنزل الله تعالى من على ظهر الأرض.
  •  
  • ولقد كانت بداية الاضطراب النقدي في العالم مع نشوب الحرب العالمية الأولى، إذ كانت الدنيا كلها تعتمد «نظام الذهب» وكانت النقود قطعًا معدنية من الذهب، أو أوراقًا نقدية تقبل التحويل إلى ذهب، وكانت السياسة النقدية في العالم تتسم بالاستقرار والنجاح، وهدوء الأسعار، وثبات سعر الصرف الدولي، إلى أن هبت الرياح الأوروبية قاصدة القضاء على الدولة الإسلامية في بداية هذا القرن، فعمدت الدول التجارية إلى اتخاذ إجراءات جعلت نظام الذهب يضطرب، وذلك بوقف بعض الدول قابلية تحويل عملاتها إلى ذهب، وبعضها فرض قيودًا شديدة على تصدير الذهب، ومنها من عرقل استيراده.. فاختل النظام النقدي في العالم، وتقلبت أسعار الصرف.
  •  
  • ثم حلت الأزمة الاقتصادية العالمية عقب اختلال النظام النقدي، إذ من المعلوم أن السياسة النقدية هي حجر أساسي في صرح البنيان الاقتصادي لأي دولة في العالم.
  •  
  • فقامت بريطانيا بوقف اعتماد «نظام الذهب» في سياستها النقدية سنة ١٩٣١ وبالتحديد بتاريخ 12/9/1931، ثم تبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في سنة ١٩٣٤ ثم قامت فرنسا بترك جعل الذهب هو القاعدة والغطاء للنقود الورقية سنة ١٩٣٦.
  •  
  • وهكذا.. أصبحت جميع العملة في العالم منذ ذلك التاريخ نقودًا ورقية إلزامية.. ما عدا الدولار الأمريكي الذي كان نظام «بريتون وودز» الذي ينص على استقبال الذهب بالدولار.. إلى أن أعلن «نيكسون» في 15/8/1971 إلغاء قبول تحويل الدولار الورقي إلى ذهب، إذ كان من حق أي فرد إذا دفع «٣٥» دولارًا ورقيًا أن يحصل مقابلها على «أوقية» من الذهب.. من البنك الفدرالي الأمريكي. أي «٣٥» دولارًا ورقيًا تستبدل «بدولار ذهب» وبتاريخ 23/8/1971 بدأ تعويم العملات الرئيسية إزاء الدولار الأمريكي.. وبدأت الكارثة فصارت «قاعدة الدولار» محل «قاعدة نظام الذهب» وبدأت السياسة النقدية في العالم تضطرب، «وصار صندوق النقد الدولي» يمثل -بحق- إحدى دوائر وزارة الخارجية الأمريكية، والراعي المخلص لتأمين مصالح أمريكا في العالم.. وبالذات في البلاد الإسلامية.
  •  
  • بعض الأرقام:
  •  
  • مع دخول النفط ميدان السياسة الخارجية، ارتفعت عائدات الدول النفطية بشكل ملحوظ.
  •  
  • حقوق السحب:
  •  
  • إن الدول المصدرة للنفط ارتفعت احتياطياتها بمقدار كبير جدًا:
  •  
  • أي من 5 بلايين من حقوق السحب الخاصة سنة ٧٣
  •  
  • إلى 55 بليونًا من حقوق السحب الخاصة سنة ٧٦
  •  
  • وكونت بذلك:
  •  
  • 25.1% من مجموع الاحتياطات العالمية مقابل
  •  
  • 5.4% في نهاية سنة ١٩٧٠م.
  •  
  • وكانت جميع الدول تمثل 219.4 بليون دولار
  •  
  • ونصيب الدول الصناعية 113.5 بليون دولار.
  •  
  • هذه الأرقام كانت في نهاية سنة 1976م وبداية ۱۹۷۷م.. فما الأرقام الحالية بعد أن تجاوز سعر برميل النفط الـ ٢٥ دولارًا؟
  •  
  • الدولار الأمريكي.. إلى متى؟
  •  
  • إذا كان الاستعمار بأسلوبه القديم يعمد إلى نقل ثروات الشعوب في وضح النهار، بالاستيلاء على خيرات البلاد والعباد وبأسلوب فاضح، فإن الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة «الجنرال.. دولار» تستعمر جميع العملات في معظم دول العالم.. وبخاصة تلك الدول الأعضاء في صندوق النهب الدولي.. لأن هذا اسمه في الحقيقة والواقع.. وإلا فما الذي يمكن تفسيره من وضع مثل « روبرت ماكنامارا» رئيسًا له.. ذلك الرجل.. الذي خدم الرأسمالية الأمريكية.. وهو يشغل منصب "وزير دفاع الولايات المتحدة في حرب فيتنام والشرق الأوسط"؟
  •  
  • الدولار.. سبب الأزمة النقدية القائمة!
  •  
  • إن واقع الأزمة النقدية العالمية إنما هو تدني سعر الدولار بشكل مستمر ومتتابع منذ سنة ١٩٧٧ م إلى يومنا هذا.. وسيستمر في التدني إلى أن يصل سعر الدولار إلى.. «درهم إمارات» عندها.. هل يمكن تصور حجم الكارثة التي ستنزل على رأس الدول التي تعتمد الدولار.. ثمنًا لعائدات النفط.. وكم ستكون حجم الخسارة لحقوق السحب الخاصة؟
  •  
  • إن هبوط أسعار الدولار.. ليس نتيجة العرض والطلب، وإنما هذا
  •  
  • التدني في السعر، والانزلاق في سعر الصرف بالنسبة للعملات القوية في العالم مثل: المارك الألماني، والفرنك الفرنسي، والين الياباني، نتيجة لقرار سياسي لتحقيق أغراض سياسية تريد أن تحققها أمريكا.. وقد بدأت مؤامرة الولايات المتحدة على عملات الدول الأخرى.. كالدول الصناعية والدول العربية المصدرة للنفط منذ أن قرر نيكسون في 15/8/1971 رسميًا إلغاء نظام «بريتون وودز» القاضي بتغطية الدولار بالذهب وربطه بسعر ثابت واستبداله بنظام التعويم السائد وخفض قيمته. وباعتبار أن الدولار هو أقوى عملة في العالم، اتخذ عملة احتياطية وغطاء لجميع العملات في العالم، كما اتخذ وحدة حسابية لمعظم المبادلات التجارية في العالم.
  • ولذلك ارتبطت به جميع العملات، وصارت للدولار الأمريكي القدرة على التأثير في عملات الدول وفي حركة المبادلات التجارية الدولية.
  •  
  • الدولار.. قرار سياسي
  •  
  • الدولار، وطائرات الفانتوم، وقنابل النابالم... أسلحة بيد الرئيس الأمريكي وهو يضع القرار السياسي للمجابهة الخارجية، أما الدولار.. فمن جهة.. إن أمريكا أكبر مستهلك في العالم للسلع والخدمات، وقد وصل العجز في ميزان المدفوعات لسنة ١٩٧٧ «٣٠ مليار دولار» إذ دفعت في هذه السنة فقط «٤٥ مليار دولار» ثمن نفط مستورد فقط.. مما جعل هذا التضخم يدور في شريان أسواق النقد العالمية في اليابان وأوروبا.. مما جعل عرض الدولار أكثر من الطلب عليه، وبذلك بدأت قيمته في الانخفاض. وهنا.. كان المفروض أن تبادر أمريكا لاتخاذ الإجراءات المؤدية إلى امتصاص الكميات الزائدة من الدولارات في أسواق النقد العالمية ليحتفظ الدولار بقوة سعر صرفه، غير أن القيادة السياسية تركت الدولار يستمر في الانزلاق.. مع أنها تملك الوسائل الكفيلة بوقف تدهوره.
  •  
  • أ- إذ لديها شبكة «السوب» التي أقامتها مع ألمانيا الغربية ودخلتها سويسرا بقيمة «٢٠ مليار دولار». وعن طريقها تستطيع طرح ما تريد من العملات القوية كالمارك والين والفرنك السويسري لامتصاص كمية العرض الزائدة من الدولار.
  •  
  • ب- كما عندها «صندوق تثبيت القطع الأمريكي» بقيمة «6.7 مليار» دولار من العملات القوية.
  •  
  • ج- وكذلك فإن أمريكا تهيمن تمامًا على صندوق النقد الدولي والذي بواسطته تستطيع إنهاض الدولار وثبات سعر صرفه.
  •  
  • غير أن الولايات المتحدة لم تعمد إلى ذلك عن خطة مدروسة، وأبقت الدولار ينزلق بقرار سياسي منها، دون أن تستجيب لطلب اليابان وألمانيا والدول الغربية ودول النفط، باتخاذ الإجراءات لإيقاف نزيف الدولار.. والذي بنزيفه تنزف الأرصدة والاحتياطات النقدية، وتضيع معظم العائدات البترولية رغم الرفع المستمر لأسعار البرميل الواحد.. لذلك ضغطت أمريكا على اليابان وألمانيا الغربية لزيادة نموها.. وبالتالي زيادة الاستيراد من أمريكا.. والاعتماد على أسواق أمريكا.. فينتهي العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي.. لتحل الكارثة في الدول النفطية.. التي باعت برميل النفط ب «٢٠ دولارًا» بينما قوته الشرائية لا تزيد على «۱۲ دولارًا».
  •  
  • ومن هذا يتبين أن الانخفاض المستمر لسعر صرف الدولار الأمريكي إنما هو بقرار سياسي لأجل أن يبقى الدولار هو العملة المتحكمة، وهو عملة الاحتياط، والوحدة الحسابية الوحيدة للمبادلات التجارية في العالم.
  •  
  • فهي تريد جعل الدولار عملة ثابتة تقوم مقام «الذهب» وقد كان من المفروض أن تقف اليابان وألمانيا والدول الأخرى ودول النفط وهي الدول المتضررة في وجه أمريكا بأن تتخذ الإجراءات التي تروع أمريكا غير أنه في واقع الأمر لم تجرؤ هذه الدول على ذلك لأسباب:
  •  
  • الأول: لعجز هذه الدول على مجاراة أمريكا لضخامة ثروتها التي تستطيع بها أن تؤثر في جميع الصناعات في العالم.
  •  
  • الثاني: لأن أمريكا تستهلك أكثر من 90% من منتجاتها، وصادراتها قليلة بالنسبة لاستهلاكها لمنتوجاتها. فصادراتها في حدود 6% مما لا يجعل أي قيمة لفرض الحواجز الجمركية أمام بضائعها.
  •  
  • الثالث: لحاجة أوروبا واليابان لحمايتها السياسية والعسكرية أمام الاتحاد السوفياتي.
  •  
  • ودول النفط أعجز من اليابان وأوروبا في الوقوف أمام أمريكا، وهذا الوضع سيمكن أمريكا من أن تكون هي المسيطرة، وأن تجعل الدولار هو الأساس الثابت لجميع العملات في العالم، وبذلك تضمن تركيع دول العالم بسلاح «الجنرال.. دولار».
  •  
  • العلاج الحقيقي
  •  
  • إن العلاج الحقيقي الذي يحول دون تمكين أمريكا من التحكم بالنقد والتجارة الدولية في العالم، هو العلاج الذي جاءت به العقيدة الإسلامية، وذلك بالنظام الاقتصادي الذي انبثق منها.. فإن العلاج الذي وضعه الإسلام هو جعل النقد مستندًا إلى «قاعدة الذهب» أي جعل الذهب هو العملة المتداولة، أو أن يكون الذهب هو الأساس الكامل للنقود المتداولة.. بحيث تكون العملة مغطاة كاملة بالذهب، وبذلك لا تستطيع الولايات المتحدة أو أي دولة أن تتحكم في نقد العالم، لأن الذهب وكذلك الفضة في جميع الدنيا سلعة واحدة، وإذا كان الذهب هو عملة التبادل فإن الثبات سيكون حقيقيًا في جميع أرجاء المعمورة.
  •  
  • شبهات.. ورد؟
  •  
  • يزعم بعض المعاصرين استحالة العودة إلى «نظام الذهب» في العصر الحديث، ويوردون بعض شبهات حول صلاحية أو إمكانية ذلك: ومن هذه الشبهات:
  •  
  • الشبهة الأولى:
  •  
  • أن الذهب ينتج بشكل رئيسي في ثلاث دول هي: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي وجنوب إفريقيا، وأن من يورد هذا الخبر يوحي بأنه ما دام الذهب كذلك فإن احتكار إنتاجه قائم، وبالتالي تستطيع هذه الدول الثلاث التحكم بالنقد العالمي والتجارة الخارجية وأسعار النفط، والرد على هذه الشبهة.. يتلخص في بيان أن الذهب ذلك المعدن الأصفر الرنان.. ما هو إلا سلعة كأي سلعة في الدنيا.. وإنتاج الذهب واستخلاصه من المناجم ليس بالأمر الميسور ماليًا، وإنما يتكلف نفقات باهظة لاستخراجه وليس مجرد مياه تسحب من البحر بآلة ضخ. هذا من جهة، ومن جهة ثانية.. ما الذي يعنيه أن أكبر نسبه من إنتاج الذهب محصور في ثلاث دول؟
  • إن هذا القول لا يعني شيئًا في السياسة الاقتصادية.. لأن الذهب أو النفط أو الأسماك أو الفوسفات أو اليورانيوم.. كل ذلك لا قيمة له.. إلا إذا جعل أداة للتبادل بالبيع أو المقايضة أو الاستعمال.. فكما أن استخراج اللؤلؤ من أعماق البحر لا قيمة له إلا إذا عرض في السوق ليبادل بمال وإما للاستعمال بوضعه بعد صقله في العنق أو المعصم. فكذلك الذهب.. ما القيمة التي تحصل عليها الدولة المنتجة للذهب باستخراجه من باطن الأرض؟ إذا لم يعرض الذهب للبيع بنقد أو مبادلة بنفط أو الاستعمال كحلي النساء.
  • إذن.. إن ترديد القول وتكرار التذكير بأن الذهب ينتج في دول ثلاث فقط.. ليس له أي قيمة في الاقتصاد والسياسة. لأن هذه الدول المنتجة للذهب لا تمتاز عن بقية الدول إلا من ناحية القوة الشرائية، وقدرتها على التأثير في السعر العالمي للذهب.. عن طريق العرض والطلب.
  •  
  • الشبهة الثانية:
  •  
  • إن الاحتياطي العالمي من الذهب محدود، وبالتالي فإن الذهب عاجز عن تأمين السيولة النقدية الكافية، وهذه الشبهة واهية، وغير مقبول من رجل الاقتصاد ترديدها..
  •  
  • ثلاثة أمور:
  •  
  • الأول: أنه لا أحد في الكون قادر على معرفة ما في الأرض من ذهب، لأنه لم يقل أحد في العالم أن الكرة الأرضية قد تم مسحها بالكامل بحثًا عن مناجم الذهب، إذن فهناك ثلاثة أرباع الأرض لم يجر فيها بحث عن المعدن الأصفر الرنان.. ولعلنا نذكر منذ بضعة أشهر خبرًا تناقلته وكالات الأنباء أنه تم اكتشاف مساحات شاسعة في المملكة العربية السعودية تعد من مناجم الذهب الغنية، ولعل كثيرًا من الناس لا يعلم أن كثيرًا من البلاد الإسلامية فيها من مناجم الذهب التي لم تستغل بعد.
  •  
  • الثاني: أن كمية الذهب الموجودة فعلًا الآن في العالم كافية لأن تعد غطاء ذهبيًا لجميع النقود الورقية الموجودة لدى جميع دول العالم.
  • لأن هذه الكمية هي فعلًا عظيمة جدًا، فإذا كانت موجودات صندوق النقد الدولي من الذهب «١٥٠ مليون أوقية» فكم موجودات البنك
  • الفدرالي الأمريكي؟ وكم ستكون موجودات البنك المركزي الياباني؟ وكم ستكون موجودات البنك المركزي الألماني الغربي؟ وهكذا جميع دول العالم.
  • بل إنه قيل مؤخرًا إن موجودات البنوك المركزية في الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط بلغت أرقامًا خيالية.. خاصة بعد سنة ١٩٧٤م وإلى يومنا هذا!
     وإنه من المعلوم أن بيع الذهب يتم بوحدة وزن «الجرام» الذي هو جزء من ألف جزء من وحدة الكيلو جرام.. وبالتالي فإن الدعوة إلى العودة إلى النقود الشرعية وهي الذهب والفضة لا يعني بالضرورة أن تصرف رواتب الجنود بجرامات من الذهب.. بمعنى أن يسلم الجندي مائة جرام من ذهب ١٠٠ غرام 65 درهم إماراتي- ٦٥٠٠ درهم وإن كان هذا جائزًا شرعًا وسياسة اقتصادية.. وإنما يعطى راتبًا من النقود الورقية النائبة أي المغطاة بالكامل ذهبًا، وتبقى النقود المعدنية «الذهب والفضة» كغطاء للنقود التي تصدرها الدولة.
  • فالقول أن محدودية كمية الذهب تجعل الدولة عاجزة عن تأمين السيولة النقدية قول مردود.. لأنه على فرض أن دولة ما تملك من المعدن الأصفر «عشرة أطنان» أي عشرة آلاف كيلو جرام، أي بما يساوي «عشرة ملايين جرام» وكانت هذه الدولة تحتاج إلى سيولة نقدية بأكثر من هذا المقدار.. فإنها تستطيع حل المسألة باللجوء إلى إصدار نقود معدنية لأجزاء الدينار الشرعي الذي يزن «4.44 جرام» من الذهب الخالص، وكذلك لأجزاء الدرهم الشرعي الذي يزن «3.12 جرام» من الفضة الخالصة، وإن لم تكف النقود المعدنية، فإن الدولة أمامها إصدار نقود ورقية ثانية من الأجزاء الصغيرة، وكذلك من النقود الورقية الوثيقة.. وهي المغطاة بنسبة معينة من الذهب أو من الفضة، كل ذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أن الذهب يزيد وينقص بالنسبة للدولة.
  •  
  • الثالث: أن الله تعالى حين جعل الذهب والفضة هما النقد في الإسلام، أي أن النقود الشرعية هي الذهب والفضة، هو جل جلاله العالِم العارف لما في باطن الأرض من كميات الذهب والفضة، ولو كان معدن الذهب محدودًا ولا يكفي البشرية مهما بلغ تعدادها وعظمت مبادلاتها التجارية، لما جعل الشرع الذهب هو النقد أو الغطاء للنقود الورقية.. وإلا لكان الشرع قد كلفنا بالمحال، والتكليف بالمحال محال على الله تبارك وتعالى.
  •  
  • إذن فالقول بملكية بعض الدول لمعظم الاحتياطي الذهبي في العالم، وأن الذهب موجوداته محدودة ولا تكفي لتغطية السيولة النقدية في العالم، دعوى غير صحيحة، ومخالفة للواقع.
  •  
  • آراء في نظام الذهب
  •  
  • يقول الاقتصادي النقدي المعروف «جاك وريف»: «إن العودة إلى قاعدة الذهب هي الوسيلة الوحيدة لإصلاح النظام النقدي العالمي، لأن الذهب فقط هو الذي يمكن أن يقوم بمهامه لتحقيق التوازن في العالم النقدي، لذلك فإن الذهب يبقى المخبأ الوحيد للمصارف المركزية التي لا تريد أن تحتفظ بكامل احتياطاتها بالدولار الذي تريد له الولايات المتحدة أن يكون بديلًا عن الذهب».
  •  
  • إذن هي مؤامرة أمريكية بطلها الجنرال دولار لضرب السياسة النقدية في العالم، ليبقى الدولار ذلك السلاح الرهيب الذي به تحطم السياسة الخارجية الأمريكية دولًا ذات بنيان اقتصادي عظيم.
  •  
  • قام الجنرال ديجول رئيس الجمهورية الفرنسية في سنة ١٩٦٨م بالدعوة عالميًا لإصلاح النظام النقدي، وبين أنه لا سبيل إلى ذلك إلا بالعودة إلى «قاعدة الذهب» أي أن تكون النقود إما ذهبًا، وإما نقودًا ورقية مغطاة بالكامل ذهبًا.. ولما قاومت أمريكا دعوة الجنرال ديجول.. ولم يجد أحدًا من دول أوروبا الغربية يسانده.. توقف عن دعوته تلك مع إصراره على صواب فكرته.. التي ظل العالم يتعامل على أساسها إلى سنة ١٩٣٦م.
  •  
  • فوائد نظام الذهب
  •  
  • ما دام الكلام قد جرنا إلى نظام الذهب فإنه يحسن بيان فوائد هذا النظام التي نجملها في الأمور التالية.
  •  
  • أولًا: أن نظام الذهب معناه ثبات سعر الصرف بين الدول، وينجم عن ثبات سعر الصرف تقدم في التجارة الدولية، لأن التجار لا يخشون التوسع في المبادلات الخارجية، لأن سعر الصرف ثابت.
  •  
  • ثانيًا: لا يمكن للبنوك المركزية أو الحكومات التوسع في إصدار ورق النقد، إذ طالما أن ورق النقد قابل للتحويل إلى ذهب بسعر محدود، فإن السلطات المختصة تخشى إن توسعت في الإصدار أن يزداد الطلب على الذهب وأن تعجز عن مواجهة هذا الطلب.
  • لذا فهي تحتفظ بنسبة معقولة بين ما تصدره من ورق نقدي وبين احتياطياتها من الذهب.
  •  
  • ثالثًا: تتحد كل عملة من العملات المستعملة في العالم بمقدار معين من الذهب، فيسهل حينئذ انتقال البضائع والأموال والأشخاص من بلد إلى بلد. وتنتهي مشكلة ظهور صعوبات القطع والعملة النادرة.. والسوق السوداء، والتهريب النقدي.
  •  
  • رابعًا: أن الأخذ بنظام الذهب يحفظ لكل دولة ثروتها الذهبية، فلا يحصل تهريب للذهب من بلد إلى آخر، ولا تحتاج الدول إلى أي مراقبة للمحافظة على ثروتها، لأنها تنتقل منها إلى بلد آخر بسبب مشروع، كثمن للسلع أو أجور للمستخدمين.
  •  
  • خامسًا: أن الاستقرار السياسي للدولة التي تأخذ بنظام الذهب، له الأثر الفعال في القضاء على تشكك الأفراد ورجال الأعمال، ويدفعهم إلى الثقة بسلامة النظم النقدية المتبعة.. فلا يندفعون إلى إخراج ثرواتهم الذهبية خارج البلاد مع موت رئيس أو حدوث حرب مثلًا خشية على أموالهم من الضياع أو أن تفقد قيمتها، كما يحدث في كثير من دول العالم اليوم.
  •  
  • سادسًا: في ظل نظام الذهب تثق الناس بالنقود لقيمتها الحقيقية الثابتة، فلا يسرعون إلى الإنفاق باستبدالها بسلع أخرى، وبذلك تكون سرعة تداول النقود بطيئة، وبذلك تتجنب البلاد التضخم النقدي الذي هو مرض ملازم للنقود الورقية الإلزامية لعدم ثقة الناس بها لما يتوقعونه باستمرار من هبوط أسعارها.
  •  
  • سابعًا: أن القاعدة الذهبية التي تضمن حسن سير نظام الذهب هي رفع سعر الخصم في حالة خروج الذهب من البلاد إلى الخارج نتيجة مبادلات تجارية أو شراء مصانع أو أجور مستخدمين.
  • وتخفيض سعر الخصم في حالة دخول الذهب إلى البلاد نتيجة بيع النفط أو الفوسفات أو أجور مستخدمين، فعن طريق سعر الخصم يتمكن البنك المركزي من التحكم في السياسة النقدية والقضاء على سلسلة الظواهر الاقتصادية المتتابعة التي تترتب على خروج الذهب، أما في النقود الورقية الإلزامية فإن تحرك البنك المركزي سيكون حرجًا للغاية، وقد لا يتمكن من تحقيق الاستقرار والثقة في العملة داخليًا ودوليًا.
  •  
  • هذه بعض فوائد العودة إلى نظام الذهب الذي جاء به الإسلام كعلاج اقتصادي للسياسة النقدية في الحياة، ومنذ تخلت دول العالم عن نظام الذهب، والنقود في هبوط وارتفاع مستمر، مما أفقد البشرية الثقة بالنقود الورقية، حتى الدولار، الذي حل محل الذهب.. لم يعد محل ثقة؛ لأنه صار وسيلة أمريكية لتركيع الدول أمام عظمة أمريكا.. وليبقى العالم متشحًا بثوب المذلة الأمريكية.. والهيمنة الأمريكية.
  •  
  • الثروة النفطية.. بين الدولار والدينار
  •  
  • إن الخفض المستمر لسعر صرف الدولار الأمريكي جعل الدول النفطية تخسر جزءًا كبيرًا من عائداتها النفطية، سواء على مستوى الأرصدة الموظفة في الخارج، أو على مستوى الاحتياط الموجود في البنوك المركزية من العملات الأجنبية. أو على مستوى أثمان ما يصدر من كميات النفط.
  •  
  • وإن جميع الدلائل تشير إلى أن أمريكا مصممة على سياسة خفض سعر الدولار، لأن ذلك يحقق لها الاستقرار الاقتصادي على جميع المستويات «التجارة الخارجية - ميزان المدفوعات - ثمن وارداتها من النفط الخام».
  •  
  • لذلك فإن كل زيادة في سعر برميل النفط تقابله سياسة الخفض المستمر في سعر الدولار في نفس الوقت الذي تخسر فيه الدول المصدرة للنفط:
  •  
  • - جميع الزيادات في سعر برميل النفط.
  • - نسبة هائلة من الأرصدة والاحتياطيات النقدية، سواء تلك الموجودة في البنوك المركزية أو التي يوظفها البنك المركزي في البنوك الخارجية.
  •  
  • ولنا أن نتصور كيف أنه لو كانت عائدات النفط تباع بالذهب منذ سنة ١٩٧٤. كم ستكون الأموال التي تملكها الدول المصدرة للنفط.. ولنضرب على ذلك مثلًا:
  •  
  • أ- دولة باعت نفط منذ سنة ١٩٧٤- ۱۸۹۰ بمائة مليار دولار أمريكي ودولة باعت نفطًا منذ سنة ١٩٧٤- ١٩٨٠ بخمس وعشرين مليار جرام ذهب كم ستكون الموجودات النقدية في سنة ١٩٨٠ «على سبيل المثال».
  •  
  • الدولار الأمريكي خفض منذ ١٩٧٤ إلى الآن بما يعادل 20% وهذا يعني أن الدولة التي باعت نفطها بالدولار الأمريكي خسرت عشرين مليار دولار من ثروتها النفطية، أي لو كان متوسط سعر البرميل الخام من النفط قد بيع بعشرين دولارًا فإنه يكون في الحقيقة والواقع قد بيع بستة عشر دولارًا فقط أي بخصم 20% من سعر البرميل.
  •  
  • ب- أما الدولة الثانية التي جعلت من الذهب وسيلة لمبادلة النفط في التجارة الخارجية. فإن حساب عوائد النفط ستكون هائلة لأن «خمسة وعشرين ألف طن ذهب» كانت تساوي سنة ١٩٧٤ «مائة مليار دولار» بواقع سعر الجرام الواحد أربعة دولارات وعليه تكون هذه الكمية من الذهب تساوي اليوم ما يعادل: «٤٠٠ مليار دولار» بسعر الذهب اليوم.
  •  
  • ولننظر كم هي الفروق هائلة، في البيع بالدولار! كم كانت الخسارة، وفي البيع وفق الأحكام الشرعية أي بالذهب كم كانت العوائد الهائلة!
  •  
  • موقف أمريكا السياسي من بيع النفط بالذهب
  •  
  • ماذا لو قررت دولة نفطية بيع البترول بالذهب، ما الذي سيكون عليه موقف الولايات المتحدة سياسيًا؟
  •  
  • إنه مما لا شك فيه أن رفض الدولار الأمريكي كثمن للنفط فيه ضربة في صميم الهيبة الأمريكية في العالم.
  • وفيه هزة في غاية العنف للاقتصاد الأمريكي.. صحيح أن أمريكا قوية اقتصاديًا.. ولكن ليست لدرجة أن نضرب في الأساس الذي يقوم عليه اقتصادها.. والدولار هو أحد الأسس الذي يبقي صرح الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي قويًا.. فإن أول ردة فعل ستكون.. من جانب أمريكا هي الضغط على الدول الصناعية كاليابان وألمانيا الغربية وأستراليا وأوروبا برفض استبدال الدولار بالذهب.. ولكن ما دامت أمريكا غیر قادرة على تأمين احتياجات الدول الصناعية بما تحتاج من النفط.. فإن المصالح الذاتية تتحرك ولن تخضع للضغط الأمريكي.. وردة الفعل الثانية.. ستعمد أمريكا إلى طرح كميات هائلة من الذهب للبيع.. لخفض سعره في الأسواق العالمية، ونظرًا لضخامة موجودات البنك الفدرالي الأمريكي من معدن الذهب.. فإن هذا بلا شك سيؤثر في سوق الذهب، وهذا لن يضير الدولة التي تبيع نفطها بذهب.. لأن سعر الذهب سيكون في كل وقت عالميًا وثابتًا في جميع الأسواق، سواء في الارتفاع أو الهبوط.. وثالثًا: فإن أمريكا ستعمد إلى البحث عن معدن الذهب باستكشاف مناجم جديدة، وهذا أيضًا لن يوقع أي ضرر على من يتعامل بالذهب بأي شكل من الأشكال.
  •  
  • يجب أن يسقط «الجنرال دولار»
  •  
  • وإذا كانت الولايات المتحدة تستخدم الدولار في تجويع شعوب العالم، كما تستخدم النابالم في حرق أجسادهم، فلماذا لا تقاوم الولايات المتحدة في الجهة التي تهدم هيبتها، وبخاصة وأنها الدولة التي تقف مع ووراء دولة الكفر إسرائيل في ضرب الأمة الإسلامية، واستمرار احتلال أرض الإسراء والمعراج، والتي تصول عابثة في دماء المسلمين في جنوب لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
  •  
  • إن قيام دول منظمة «الأوبك» ودول منظمة «الأوابك» في رفض الدولار الأمريكي كثمن لما يصدر من النفط، ضربة سياسية واقتصادية لأمريكا أعنف من الزيادة المستمرة في رفع سعر النفط والذي يعود جزء منه بالأرباح على شركات النفط نفسها.
  •  
  • العقيدة الإسلامية.. هي المنهج
  •  
  • لذلك وبصفتنا أمة إسلامية، يجب أن نأخذ جميع المعالجات النفطية من النظام الاقتصادي في الإسلام الذي لم يترك مشكلة إلا وأوجد لها الحل. ولا معضلة إلا وجاء لها بالعلاج الحاسم.
  •  
  • وليس من حل للحفاظ على الثروة النفطية إلا بالعودة إلى تحكيم شرع الله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء:56).
  • وشرع الله تعالى قد حدد النقود بأنها الذهب والفضة.. فإذا ما أردنا أن نسعد في الدنيا.. فعلينا بالشرع.. وإذا ما أردنا أن نحمي بترولنا فعلينا بالشرع.. وإذا ما أردنا ألا يتطاول الدولار فيسرق عائداتنا وأموالنا.. فعلينا بالدينار الشرعي نسبكه من الذهب الخالص بواقع وزن 4.44 جرام.
  • هذا هو حكم الشرع.
  •  
  • وليسقط بعد ذلك «الجنرال دولار» محترقًا بأفران مصلحة سك «الدينار الإسلامي».
  •  
  • محمود الخالدي
  •  
  • دكتور في السياسة الشرعية جامعة الإمارات العربية المتحدة
الرابط المختصر :