العنوان العالم الثالث- أزمة ديون وسياسة نهب منظمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 805
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 17-فبراير-1987
- الدول
المستدينة تدفع 80 % من ديونها الجديدة لتسديد فوائد ديونها القديمة.
- الديون
أشد من السياط على عاتق الشعوب الفقيرة.
- معظم
ديون العالم الثالث من أجل الإنفاق العسكري.
تعالت في
السنين الأخيرة أصوات كثيرة تنادي بإعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي المجحف
بحق شعوب العالم النامي، وقد طغى على مناقشات المحافل الاقتصادية الدولية في الآونة
الأخيرة موضوع ديون العالم الثالث، هذه الديون التي تفاقمت بشكل مخيف وأصبحت مشكلة
صعبة الحل في إطار النظام الاقتصادي الحالي، بل أصبحت تهدد بتقويض هذا النظام ومن ثم
بانهيار الأمن والاستقرار الدوليين، فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد حتى صارت البلاد النامية
تنوء بحملها من الديون؟
الدين الخارجي
مر بثلاث مراحل
يقول الدكتور
محمد عبدالفضيل أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية بالقاهرة إنه كانت هناك فترة استدانة
سهلة من عام 1955م إلى عام 1965م وكان الهدف من الاقتراض التنمية أو التصنيع أو التسليح،
ثم تبعتها فترة ما بين 1965م و1975م حيث أصبح الدين أصعب منالًا وكان لحل مشاكل اقتصادية
عاجلة وآنية، وأخيرًا جاءت الفترة الثالثة من سنة 1975م إلى سنة 1985م حيث صار المستدينون
يستدينون لكي يسددوا ديونًا قديمة، وصارت القروض الجديدة تعقد بشروط أسوأ من شروط الديون
القديمة.
الديون
مصيدة وقعت فيها الدول النامية
شبه أحد
الاقتصاديين النمساوبين الديون الخارجية بقطعة جبن وضعت في مصيدة، وشبه المستدينين
بالفئران الذين أخذوا يلتهمون ذلك الجبن دون أن يدروا أنهم وقعوا في مصيدة، وللتوضيح
نقول إن المشكلة ليست في الدين بل في تراكم الديون وعجز البلدان النامية عن دفع أصول
تلك الديون وفوائدها، التي بلغت حسب تقديرات صندوق النقد العالمي في السنة الماضية
950 مليار دولار، ومن المرجح أن تتجاوز ألف مليار دولار هذا العام، والسؤال الذي يطرح
نفسه هو: كيف تراكمت هذه الديون حتى بلغت هذا الحد؟
إن هذا
التراكم يجسد في الحقيقة عملية إفقار منظمة بلدان العالم الثالث تشنها القوى الرأسمالية
الإمبريالية حسب آلية ربوية جهنمية، بحيث يكون مؤداها مزيدًا من نهب ثروات الآخرين
وخيراتهم وتعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهكذا يكون من السهل على المقرضين سلب
حرية الشعوب المستدينة؛ من خلال التدخل في شؤونها الاقتصادية والسياسية، وتوجيه قراراتها
بما يخدم الأهداف الاستعمارية الاستغلالية للقوى العظمى، وتصدق عندئذ مقولة: «الأغنياء
يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا» على المستوى الدولي، ولنا في الأرقام التي تخرجها
الدوائر الاقتصادية الرأسمالية نفسها أكبر دليل على ذلك، فقد ذكرت هذه الدوائر على
سبيل المثال أنه في سنة 1985م جاوزت تسديدات البلدان الفقيرة لديونها قروضها الجديدة
لنفس السنة بقيمة 12 مليار دولار، وهذا يعني أن البلدان الفقيرة التي هي في أحوج الحاجة
إلى رؤوس الأموال لمواجهة أزماتها الاقتصادية الخانقة ولمواجهة متطلبات التنمية الملحة،
أصبحت مرغمة على تصدير رؤوس الأموال تلك إلى البلدان الغنية، ويظهر التناقض صارخًا
إذا ما عرفنا أن الربع الأكثر فقرًا من سكان العالم يستهلك بالكاد 5% من ثروات الكرة
الأرضية بينما يستهلك الربع الأكثر غنى من سكان العالم 7% على الأقل من هذه الثروات،
وهذه الأرقام تبقى النسبية لأنها معدلات، فما يلحق الفرد من هذه الخيرات جزء بسيط جدًّا
ويذهب الجزء الأكبر نحو الإنفاق العسكري، ذلك أن سباق التسلح بين الكبار وحتى بين الصغار
يلتهم الجزء الأوفر من الثروات، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن العالم أنفق في عام 1981م
وحده ما بين 600 و650 مليار دولار على التسليح.
ومن المفيد
أن نشير هنا إلى أن مبادرة الدفاع الاستراتيجي الريغينية المعروفة بحرب النجوم سوف
تكلف مبالغ خيالية ليست الآن في حوزة الولايات المتحدة الأميركية باعترافها، وإنما
يمكنها تدبيرها عن طريق نظام النهب والشفط المتواصل لثروات الشعوب ويدخل ضمن هذا النظام
طبعًا سياسة الديون.
ديون لسداد
الديون
أوردت صحيفة
لوموند ديبلوماتيك مثالًا مبسطًا وبيداغوجيا يوضح الآلية التي تتم بها عملية نهب الشعوب
بواسطة الدين وهو كالآتي: لنفترض أن بلدًا يقترض 1000 دولار سنويًّا لمدة عشر سنوات
وأن مجموع القرض يجب أن يسدد على مدى 20 سنة بفائدة قدرها 10% منطق هذا المثال يوضح
النتائج المخربة للدين، حيث نلاحظ أن المبلغ المتاح للدولة المقترضة -بعد طرح خدمات
الدين- فوائده- يتناقص شيئًا فشيئًا (انظر الجدول) إلى أن نصل إلى عتبة السنة الثامنة
المشؤومة حيث تصبح خدمات الدين (1060 دولارًا)
أكثر من القرض الجديد (1000 دولار)، وعندها سيبحث المدين عن مصادر تمويل جديدة لسداد
ديونه القديمة وفوائدها.
وفي عالم
التخلف والدين الحقيقي يترك هذا المنطق آثارًا أسوأ مما توحي به الأرقام، بحيث يقضي
على كل خطط التنمية ويفشلها، وتصبح الدول المدينة لا تعرف كيف تدبر أمرها وسيف آجال
الديون مسلط على الرقاب.
لقد خصصت
أكبر الدول المستدينة من 70 إلى 80 % من ديونها الجديدة لتسديد فوائد ديونها القديمة؛
فكان من نتائج ذلك أن حققت القروض الأميركية وحدها فيما بين 1970م و1981م أرباحًا قدرها
2863 مليون دولار.
ما السبيل
للخروج من الحلقة الجهنمية؟
يجمع خبراء
الاقتصاد على أنه من المستحيل تسديد ديون العالم الثالث أو حتى دفع فوائدها، وأن عملية
إعادة جدولة الديون تؤجل المشكل ولا تحله من جذوره، وبالتالي لا مناص من إيجاد مخرج
حقيقي من الحلقة الجهنمية التي يفرضها النظام الاقتصادي الحالي، وذلك بإقامة نظام جديد
تتشكل فيه العلاقات الدولية على أسس جديدة من التكافؤ والعدالة.
مجموعة
الـ(77) التي عقدت مؤتمرها الأخير بالقاهرة في 86/8/23 طرحت بعض الاقتراحات لحل مشكلة
الديون هذه، منها:
- اقتراح الرئيس الكوبي بإلغاء
ديون العالم الثالث من جانب واحد.
- اقتراح رومانيا بإلغاء ديون
الدول الأكثر فقرًا وطرح 50% من الديون الأصلية للدول الأخرى.
ولكن هذه
الاقتراحات لم تجد لها صدى، إذ تعارض الولايات المتحدة الأميركية التنازل عن قروضها،
وتقف ضد أي تعديل أو تغيير في النظام الاقتصادي المعمول به منذ الحرب العالمية الثانية
ويتلخص موقفها من مشكلة ديون العالم الثالث في مطالبة الدول المدينة باتباع سياسة التقشف
والتصدير أكثر فأكثر والتقليل من الواردات ورفع الدعم عن المواد الغذائية والضغط على
المصروفات الاجتماعية؛ لتحقيق فائض في ميزان المدفوعات يسمح بدفع أقساط الديون وفوائدها
المستحقة.
وتبقى المشكلة
على علاتها وتبقى عملية النهب مستمرة، ويبحث كل مدين بمفرده عن سبيل للخلاص ولو مؤقتًا،
ولكن كيف يكون الخلاص وسباق التسلح المتواصل فاغر فاه يطلب مزيدًا من الأموال؟ وكيف
يكون الخلاص وفوائد الدين العسكري الأميركي تبلغ 17%؟ وكيف يكون الخلاص والنظام الاقتصادي
العالمي الجائر يزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل