العنوان العثمانيون المدافعون عن ثغور الإسلام
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980
مشاهدات 86
نشر في العدد 465
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-يناير-1980
بينا في الحلقات السابقة أن المسلمين قد أصلوا للخلافة الشرعية مسيرتها وطريقها، فأبو بكر الصديق اختاره المسلمون في اجتماع السقيفة بعد مشاورات ومناقشات لا تشكل اختلافًا حقيقيًا بين المسلمين إذ سرعان ما انتهى الأمر إلى الاتفاق وعمر بن الخطاب عهد إليه أبو بكر الصديق بالخلافة وافق الصحابة على اختياره وحسم بذلك ما قد يحتمل من نزاع. وعثمان بن عفان اختير من بين ألسنة الذين حصر عمر بن الخطاب الخلافة فيهم ثم انحصر الأمر بعد ذلك بين علي وعثمان، ثم اتفق الصحابة على عثمان وبايعه على ولم يحدث خلاف يشق صف المسلمين ويفتت وحدتهم ثم كانت خلافة علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان بن عفان بصورة مؤثرة أثارة حفيظة المسلمين خصوصًا بنو أمية وعلى رأسهم معاوية، ونسى الشيطان تلك البذرة وتوالت المشاهد الدموية تعمق فرقة المسلمين، وهذا أول خلاف حقيقي بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- يشهده المسلمون.
إلا أن خلافة علي بن أبي طالب كانت خلافة شرعية، كما سبق وافقه عليها الصحابة رضوان الله عليهم وكانت الخلافة في كل مراحلها تتم بالبيعة من أهل الحل والعقد ثم بيعة عامة من المسلمين وبمشهد منهم أجمعين.
والمتتبع لتاريخ الخلافة الإسلامية سيجد أنها كانت السبب في تحقيق الانتصارات المشهودة التي ستظل معلمًا ومنارًا في تاريخ الإنسانية، يشهد لهذه الخلافة تأثيرها في التاريخ، فسيذكر دورها في إعادة الترابط بين المسلمين بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم – على يد الخليفة الأول أبي بكر الصديق وحروب الردة التي قادها، وسيذكر التاريخ دورها في حروب اليرموك والقادسية ونهاوند واجنادين، وحطين، وعين جالوت وغيرها.
ولقد كانت هذه الانتصارات تتحقق رغم ما قد تمر به الخلافة من ضعف وذهاب بعض معالمها العادلة، ورغم ما قد يمر على الأمة من عهود ظلمة وجور، كانوا يشعرون بأن الخلافة تحقق لهم الشعور بالوحدة تحت راية واحدة ولو كان يحملها خليفة فاجر، وكانوا يشعرون بأن إزالته والخروج – عن طاعته لا تعدل ولا توازي خطورة سقوط الخلافة الإسلامية لأن ذلك يعني التفرقة والشتات وضياع الحق، حتى قال ابن تيمية معبرًا عن هذا بقوله: لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة. فقالوا له: هذه – البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ أجابهم بقوله: يؤمن بها السبان، وتقام بها الحدود ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء (منهاج السنة لابن –تيمية١-٢٠).
وقد توالى على المسلمين خلفاء كان لهم دور في قوة المسلمين أو ضعفهم، وكان منهم الصالح ومنهم المصلح ومنهم دون ذلك. وكانت الخلافة – في جملتها – محققة للعدل والإصلاح ومطبقة للشرع الحنيف على المسلمين بالتساوي، هكذا كانت خلافة بني أمية وخلافة بني العباس ومن بعدهم، ثم انتقلت الخلافة إلى الدولة العثمانية بعد أن تنازل المتوكل على الله آخر خلفاء العباسيين للخليفة سليم العثماني وكانت خلافة بني عثمان إلى أواخر عهدها.
ظهور العثمانيين:
. وقد ظهر الأتراك العثمانيون كقوة عسكرية وإسلامية مع أوائل السادس عشر حينما تولى السلطان سليم الأول ١٥١٢ – ١٥٢٠ عرش الدولة العثمانية، وكان عليه أن يصفي الدول الإسلامية الضعيفة المتناحرة ويوحد صفوف المسلمين، كانت الدولة الصفوية وعاصمتها تبریز تحکم إیران والعراق وشرق الأناضول، وكانت دولة المماليك وعاصمتها القاهرة تحكم مصر وسوريا والحجاز، واستنب الأمر للعثمانيين عندما فتحوا القسطنطينية وجعلوها عاصمة لهم وكانت تركيا تحكم بلادًا كثيرة واسعة في أوروبا والقسم الأكبر من الأناضول في آسيا. فلما جاء السلطان سليم، وجه فتوحاته نحو البلاد العربية الإسلامية، وكانت هذه سياسة حكيمة تحبذها كل الظروف المحيطة بالدولة العثمانية وفتح هذه البلاد وأسهل وأجدى كثيرة من فتح البلاد – الأوروبية.
وكانت الدولة العثمانية والدولة الصفوية الدولتين القويتين في الساحة الإسلامية ، فالشاه إسماعيل – الصفوي على رأس الدولة الصفوية – ذات المذهب الشيعي، والسلطان سليم على رأس الدولة العثمانية ذات المذهب السني، وقد أعطى الاختلاف المذهبي قوة للدولتين في مقابل بعضهما البعض ، وكانت معركة جالديران سنة ١٥١٤ فاصلة بينهما حيث انتصر السلطان سليم، ودخل تبريز العاصمة ونقل عرش الدولة الصفوية إلى القسطنطينية، وتوجه السلطان سليم إلى دولة المماليك وهي في غاية ضعفها وتضعضعها فانتصر على السلطان قانصواه الفوري في معركة – مرج رابع، الفاصلة سنة ١٥١٦ وكانت (مرج رابع) قريبة من حلب فاستولى على سوريا، ثم توجه في ١٥١٧ إلى مصر وبعد معركة «الريدانية» ، استنب له الأمر في مصر كلها، ونستطيع القول أن دخول السلطان سليم سوريا ومصر تم دون مقاومة تذكر بل وجد الترحيب من شعوب تلك المناطق، بينما لم يستتب الأمر للدولة العثمانية في إيران رغم انتصارها على الدولة الصفوية، للاختلاف المذهبي وصعوبة المواصلات بين تركيا و إيران.
وأما المغرب العربي من الشمال الأفريقي فقد سارع إلى نصرة الدولة العثمانية ودخلت الجزائر طواعية تحت حكم العثمانيين ثم تبعتها تونس وطرابلس، ولم تأت سنة ١٥٥٦ حتى كان الشمال الأفريقي كله تابعًا للدولة العثمانية.
واستطاع السلطان سليمان القانوني ١٥٢٠ - ١٥٦٦ أن يدخل العراق سنة ١٥٣٤ وينتزعها من سلطة الدولة الصفوية، ثم استعادها الصفويون سنة ١٦٠٢، ولكن السلطان مراد الرابع ١٦٢٣ - ١٦٤٠ استعاد العراق نهائيًا سنة ١٦٣٨.
كان العثمانيون مؤهلين لأن يستلموا الخلافة من المماليك في مصر، بعد أن فقدت دولة المماليك هيبتها، ولم تعد لها تلك القوة العسكرية الضاربة التي كانت تهابها الدول الأوروبية الصليبية، وكانت الأوبئة متوطنة فيها واقتصادها أشرف على الانهيار كليًا وكان الجو مهيئًا لهجمة صليبية حاقدة تلتهم ما تبقى لدولة الخلافة الإسلامية والذي يتتبع أحوال دولة الخلافة في مصر في تلك الفترة يحكم على الفور بأن دولة بهذا الوصف وهذا الواقع المرير ينبغي أن تسقط وتزول ناهيك إذا كانت دولة ينظر إليها المسلمون من المشرق والمغرب نظرة تقدير وسمع وطاعة.
ولنترك لابن إياس مؤرخ تلك الفترة يروي لنا بعض أحوال دولة المماليك التي سقطت مع سقوط آخر خليفة لها المتوكل على الله آخر خلفاء العباسيين وكيف تساقطت أوصال الدولة الإسلامية والخليفة لا يملك شيئًا للدويلات الإسلامية، بل لا يملك دفع الضر على نفسه ودولته.
ففي جمادي الأولى ٩١٦ جاءت الأخبار من بلاد الغرب بأن الفرنج قد ملكوا مدينة طرابلس الغرب، وهذه المدينة من أجل مداين الغرب وهي مدينة عاصية، ولولا أن الفرنج تحايلوا على أخذها لما قدروا ذلك، وقد أحاطوا بها برًا وبحرًا موقع بين الفريقين، واقعه عظيمة وقتل من المسلمين نحو من أربعين ألف إنسان فلما بلغ السلطان تنكد للغاية وكذلك الناس قاطبة.
وفيه قبض شريف مكة على ثلاثة أنفار من الفرنج دخلوا مكة وهم في زي الأورام وفيه جاءت الأخبار من عند نائب البيرة بأنه قبض على جماعة من عند إسماعيل الصوفي وعلى أيديهم كتب من عند الصوفي إلى بعض ملوك الفرنج بأن يكونوا معه عونة على سلطان مصر وأنهم أتوا إلى مصر من البحر وأتي هو من البر.
وفيه جاءت الأخبار بأن الفرنج خرجوا على الأمير محمد بيك بالقرب من ساحل «قلعة» إياس فتحارب معهم الأمير نفسه، وقد فر عنه من كان معه من العسكر، فقتل وقتل من كان معه من الجند وأخذوا ما كان معه من المراكب المشحونة بالسلاح وآلة الحرب وكانت نحوًا من ثمانية عشر مركبًا، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد إلى الغاية، وامتنع عن الأكل يومين وقد تزايد شر الفرنج في هذه السنة وكثر تعبئهم بالناس في البحر الرومي والبحر الهندي والأمر إلى الله تعالى.
وفي ربيع الأول ۹۱۹: حضر هجان من مكة من مسافة تسعة أيام وأخبر بأن الفرنج قد ملكوا كمران وأنهم بيحاصروا مدينة سواكن وأن الشريف بركات أمير مكة خرج إلى جدة هو وباش المجاورين وجماعة من المماليك المجاورين الذين وأقاموا بجدة خوفًا على البندر من الفرنج أن يهجموا عليه فأرسلوا يعلمون السلطان بذلك، فلما جاء هذا الخبر تنكد له السلطان إلى الغاية.
وفي محرم سنة ۹۲۰: فإن بندر الإسكندرية خراب ولم تدخل إليه القطائع في السنة الحالية، وبندر جدة خراب بسبب تعبث الفرنج على التجار في بحر الهند فلم تدخل المراكب بالبضائع إلى بندر جدة نحوًا من ست سنين وكذلك جهة دمياط.
وفي تاريخه لنفس السنة يقول: وقد أضر الناس كثرة نزول السلطان، وتعطلت أحوال الرعية من عدم المحاكمات في إشغال الناس وكان دأبه الركوب في كل يوم والاشتغال برؤية التنزه والرياضات دائمًا.
وأقام السلطان في الميدان أربعة أيام بلياليها وهو في أرغد عيش، وأطلق الماء في الجرة التي في الميدان وصار يمد السماط هناك ويأكل هو وأخصاؤه، فشق ذلك على بقية مماليكه، فلما نزلوا إليه بالسماط خطفوه وكسروا الصحون الصيني، فلما بلغ السلطان ذلك تنكد وقام إلى الدهيشة وكان قصده الإقامة في الميدان إلى يوم الجمعة، فنكدوا عليه المماليك.
فما طال المجلس على السلطان وأعيت الرسل المترددة بالرسائل بين السلطان وبين المماليك، قام السلطان من الميدان وقد أدركته صلاة الجمعة، فلما طلع أغلقت المماليك في وجهه باب السبع حدرات ثم «رجموه من الطباق ولم يمكنوه من الدخول إلى الحوش، وقيل جاءته رحمة في تخفيفته عمامته»
وسبوه من الطباق سبًا فاحشًا بعبارة ذبيحة، فلما عاين السلطان ذلك خاف على نفسه من البهدلة المفروض أن يقول المؤرخ لما عاين هذه البهدله التي ما بعدها بهدلة فرجع إلى الميدان وخرج من باب عند الميدان الذي حوش العرب، وخرج من بين الكماين، وتوجه إلى الروضة وعدى إلى المقياس – الروضة والمقياس حي من أحياء القاهرة ومركز المماليك يومئذ – وأقام به ذلك اليوم».
وتنتقل مع ابن إياس يصف كيف يواجه أعوان السلطان هذا الموقف فيقول فوقف الاتابكي سودون العجمي وبقية الأمراء المقدمين، وباسوا الأرض على أن يقوم ويطلع إلى القلعة، ويرضى عن مماليكه، فشق السلطان ملوطته وبكي حتى أغمى عليه، ورشوا على وجهه الماء وهو يقول: ما بقي لي حاجة بسلطنة فأرسلوني إلى أي مكان تختارونه، وولوا أمير كبير، فخاف أمير كبير وصار يرعب من كلام السلطان وحصل له وهم».
ويقيم ابن إياس السلطان الغوري وعهده فيقول وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يومًا، فكانت هذه المدة على الناس كل يوم كألف سنة مما تعدون، وكان ملكًا مهابًا، جليلًا مبجلًا المواكب وآب ملء العيون في المنظر، ولولا ظلمه وكثرة مصادراته للرعية وحبه لجمع الأموال لكان خيار ملوك الجراكسة، بل وخيار ملوك مصر قاطبة. كان هذا الوضع المزري للخلافة، وضعًا يسيل له لعاب الدول الأوروبية المتربصة بصلبيتيها للإجهاز على هذا الدين وأهله. وخطرهم وقتها كان في طريقه إلى الانسياب على العالم الإسلامي.
وهكذا كان هذا الواقع الأليم للخلافة الإسلامية واقع الخلافة هذا الغاربة والتي سيرثها الصليب الحاقد الذي ما فتى، يطعن فيها من كل الجهات ويستلذ على ترنجها للسقوط فكانت نصرة وفتح العثمانيين منقذًا، فاستطاعت تمنع الغزو الصليبي وتأخر استعمار البلاد العربية قرابة أربعة قرون، واستطاعت أن تعيد للخلافة المريضة صحتها وقوتها وتصل بالإسلام إلى أسوار فينا وشرق أوروبا والذين يدعون أن الدولة العثمانية دولة استعمارية متسلطة إنما يرددون ما قاله الأوروبيون الصليبيون من افتراءات حول الدولة والخلافة العثمانية، وإذا رموها بالتعصب والهمجية فهم معذورون في ذلك وأكثر منه فإن الدولة العثمانية هي التي أوقفت بقوة العقيدة الزحف الصليبي الأوروبي المتضامن الذي بدأ في القرن الحادي عشر إن العثمانيين لم ينتزعوا الخلافة أو السلطة من العرب وإنما كانوا هم الوحيدون الذين يحملون مؤهلات إدارة الخلافة الإسلامية والوقوف بالمسلمين صفًا واحدًا قويًا شامخا أمام التحدي الصليبي الأوروبي المتضامن. كانوا هم الوحيدين القادرين على الدفاع عن الثغور الإسلامية في البحر الأبيض.
يتبع في العدد القادم