; العدل لا يتأثر بتحامل على عدو ولا بمحاباة صديق | مجلة المجتمع

العنوان العدل لا يتأثر بتحامل على عدو ولا بمحاباة صديق

الكاتب فضيلة الشيخ/ صلاح أبو اسماعيل

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1985

مشاهدات 37

نشر في العدد 739

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-أكتوبر-1985

مما أثار انتباهي في كتاب الله- عز وجل- أن الله- تعالى- بعث رسوله محمدًا- صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، كل العالمين برغم اختلاف الألسنة والألوان والأجناس، ومع تعدد القارات، وتعاقب الأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

ومع عموم الرسالة المحمدية وشمولها، ومع صدق النبي- صلى الله عليه وسلم- في التبليغ، وذلك الصدق الذي أجهد بدنه، وأسهر ليله، واستوعب طاقاته، ومع وضوح البلاغ؛ فإن الله- سبحانه وتعالى- أوحى إليه أن ثمرة جهاده لن تنتظم أكثر الناس مهما كان حرصه على هداية العالمين، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103).

 

ولم تكن هذه النتيجة راجعة لطبيعة الدعوة ولا لطبيعة الداعي؛ وإنما لأسباب تتعلق بالنوعية التي تتلقى هذه الرسالة على النحو الذي يصوره قول النبي- صلى الله عليه وسلم- «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا».

 

وإذا استقر أن أمة الإسلام قلة نسبية، ولم تكن كثرة ذاتية، فنحن في العالم ألف مليون نسمة تقريبًا، ولكننا ربع العالم، فما هي المعابر التي أقامها الإسلام بين القلة النسبية التي تتكون منها أمة الإسلام، والكثرة الرافضة لهذا الدين؟

 

هذه المعابر في آيتين متعاقبتين من سورة الممتحنة، يقسم القرآن فيهما غير المسلمين في موقفهم من المسلمين إلى فريقين:

 

مسالمون، لهم منا البر والعدل، نأكل من طعامهم، وندعوهم إلى طعامنا، ونقيم علاقات المصاهرة على أساس أن الله أباح للمسلم أن يتزوج الكتابية، ونقضي بالحق لصاحبه، وأن يكون لغير المسلم على المسلم أن نحترم حقه في اختيار ما يشاء من عقائد، وذلك كله في إطار قول الله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8)، ومن هنا كان في الإسلام متسع لجهة الحياد الإيجابي، والتعاون مع المنظمات العالمية، وتبادل السفارات والقنصليات برغم اختلاف العقائد، مادامت هناك علاقة المسالمة.

فإن تبخر السلام، وكنا هدفًا لسعار المعتدين، يستهدفون رقابنا، أو عقائدنا، أو أرضنا وديارنا، أو أعراضنا، أو ثرواتنا؛ فإن حق الدفاع مكفول، بل إن القتال يكون حينئذ فريضة، وهذا هو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ﴾ (الممتحنة: 9)، أي ناصروا عليكم أعداءكم ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 9)، ومن هنا احتفظ الإسلام بأمرين كبيرين:

أولهما عالمية دعوته، وثانيهما ملامح شخصيته، فهو يتواصل أو يتقاتل على ضوء قواعد فطرية منطقية، مستندًا إلى أقوى الحجج وأقوى البراهين، وإلى جانب ذلك فهو ليس منفتحًا على المجالات التجريبية في شتى مصادر الأخذ والعطاء؛ فقد أذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أعقاب غزوة بدر أن يكون الأسير المشرك أستاذًا لعشرة من المسلمين في العلوم التجريبية، ويتحصل من كل ما سبق أن الإسلام لا يعرف العزلة، ولا يقر الانطواء، ولا يعمد إلى الانزواء، إنما هو دين معطاء لما تلقاه من وحي السماء في تقديس للوحي، واعتزاز بأنواره، وهو دين سماح في المجالات الاستنباطية والتجريبية.

 

وعلى ضوء ما سبق كان موقف النبي من يهود المدينة، وكان موقفه في صلح الحديبية، وكان موقف عمر في الشام من كنيسة القيامة، وكان موقف عمرو بن العاص من أقباط مصر، وعلى ضوء ذلك نرفض حق الفيتو؛ لأنه يتجافى مع العدل المطلق مع الحق المقدس دون أن نقاطع العالمين، ونعتز في مقام التدليل على ذلك بأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رفض شفاعة أسامة بن زيد؛ لأنها كانت تستهدف تعطيل حد شرعي، وأعلن أن العدل لا يتأثر بتحامل على عدو ولا بمحاباة لصديق.

 

على ضوء ذلك نقول للعالمين: إن إقرارهم لحق الفيتو معناه أن لا عدل أمام سطوة القوى، ولا حق أمام رغبة الكبار، فالحمد لله أن ﴿هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف:43).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

166

الثلاثاء 19-مايو-1970

نحو منظمة إسلامية - مولد النور

نشر في العدد 46

135

الثلاثاء 02-فبراير-1971

يا أعضاء مجلس الأمّة

نشر في العدد 77

100

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)