العنوان العدل يمنع الفوضى والإرهاب
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992
مشاهدات 53
نشر في العدد 1007
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-يوليو-1992
طلب أحد الولاة من خليفة المسلمين عمر بن
عبدالعزيز مالًا ليقيم حصنًا في البلد الذي يتولى أمرها لحراستها من اللصوص، فرد
عليه عمر ردًا مختصرًا مفحمًا «حصنها بالعدل».
وليس كعدالة الإسلام عدالة، التي يتساوى
الناس أمامها، لا فضل لعربي على عجمي، ولا الأبيض على أسود إلا بالتقوى والتقوى هي
العمل الصالح، وعدم إلحاق الأذى بالآخرين فالمجتمع الإسلامي ليس فيه ظلم ولا
استغلال ولا هضم لحقوق الناس كما يشاهد اليوم في المجتمعات، فيه عدالة في كل
المجالات الاجتماعية والقضائية والسياسية والاقتصادية ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد:25) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ﴾ (النساء:58) ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة:48) وصدق
رسول الله في قوله: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا الحد عليه، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت
لقطعت يدها» وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ
أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة:8)
فالعدل الاجتماعي والقضائي والعدالة بصورة عامة إذا سادت المجتمع كانت هناك
الطمأنينة والأمن في نفوس الناس، ولا يجرؤ أحد مهما يكن وضعه الاجتماعي أن يعكر
صفو الأمن، أو يعتدي على أحد، ومن حدثته نفسه بالإخلال بالأمن أو الاعتداء على
الآخرين يجد أمامه القانون الصارم الذي لا يتيح للمجرم أن يفلت من العقاب، وما
كثرت الجرائم في المجتمعات إلا بسبب التفريط في إقامة العدل، والخلل في القانون
الذي سوغ للمجرمين أن يعيثوا في الأرض فسادًا، فالتفريط في العدل والإفراط في
الحرية هما سبب هلاك المجتمعات.
|
* العدالة بصورة عامة
إذا سادت المجتمع كانت هناك الطمأنينة والأمن في نفوس الناس، ولا يجرؤ أحد مهما
يكن وضعه الاجتماعي أن يعكر صفو الأمن |
فما حدث في الولايات المتحدة مؤخرًا من
حوادث العنف بسبب حكم قضائي جدير بأن نتأمله ونرى أنه ليس الغلط في الحكم، وإنما
الغلط في القانون الوضعي نفسه، وإذا كانت الحريات في أمريكا قد أظهرت لنا هذا
الخلل، فإن ما يجري في العالم الثالث من قسوة وظلم، وتجاوز للعدالة أشد وأعظم مما
جرى في محاكم وشرطة لوس أنجلوس، والخلل في القوانين الوضعية التي تلقاها المقلدون
في العالم الثالث بخيرها وشرِّها، وعُجرها وبُجرها.
إن المحلفين الذين حكموا بتبرئة رجال
الشرطة الذين ضربوا الرجل الأسود مع وجود دليل واضح على قيامهم بالضرب لم يكونوا
مخالفين للقانون، وإنما طبقوا القانون بحذافيره، فالقانون الوضعي يلزمهم بأن يلقوا
بهذا الدليل الواضح القوي عرض الحائط، وذلك لأن التصوير كان بغير إذن المحكمة، ومن
جهة غير مسؤولة، فيشترط في القانون عندهم لضبط الجريمة، واعتبار الصورة دليلًا أن
يحصل القائم بالضبط على إذن من المحكمة، إذ يعتبر هذا الدليل باطلًا لأنه في نظر
القانون بُني على باطل، وما بُني على الباطل فهو باطل، وبهذه النظرية أفلت كثير من
المجرمين من مهربي وتجار المخدرات، واللصوص والقتلة، والحوادث في هذا كثيرة لا
تُحصَى، فالقوانين الوضعية قد أسرفت في تدليل المتهمين بحجة المحافظة على الحرية،
مما أدى إلى تمادي المجرمين في إجرامهم، ولهذا نجد في كثير من البلدان عندما تضيق
أجهزة الأمن ذرعًا بأرباب السوابق الذين يتحدونها باستمرار، ولا تجد سبيلًا
لإدانتهم أمام المحاكم في كل جريمة يرتكبونها، ويطلق سراحهم لعدم كفاية الأدلة أو
للشك في الدليل، والشك حسب القانون يفسر الصالح المتهم دائمًا، فتلجأ أجهزة الأمن
إلى أساليب غير قانونية، وقد تتخلص من المتهمين بالقتل في الخفاء، ولاشك أن هذه مخالفات
قانونية خطيرة وتصرفات غير إنسانية، وبعض رجال الأمن قساة القلوب يرتكبون فظائع في
حق الآخرين معتمدين على محاباة السلطة القضائية والتنفيذية لهم، وإذا كنا لا
نستبعد الأسباب العنصرية أيضًا في الحكم ببراءة رجال الشرطة الذين ضربوا الرجل
الأسود في الشارع، فإن السبب الرئيسي في الحكم وفي الحادث هو الخلل في القانون
الوضعي كما قلنا، ولذلك فإن فقهاء الإسلام بما يتميزون به من حصافة، وحرص على
المصلحة العامة، وتطبيق العدالة الإسلامية على حقيقتها، وقطع دابر الجرائم ليعيش
الناس في أمن واطمئنان قد قرروا أن القضايا أقسام، فهناك قضايا يتعذر فيها الإثبات
وإقامة البيئة في أغلب الأحوال كجرائم القتل والسرقة وقطع الطريق وغيرها، فهذه
القضايا يجب التشدد في التحقيق فيها فإن من أراد أن يقتل أو يسرق يحاول أن يرتكب
جريمته في الخفاء، ومن غير أن يكتشفه أحد فيصعب فيها الإثبات فيترتب على ذلك إفلات
المجرمين من العقاب، وتتكرر الجرائم في المجتمع، ويضطرب حبل الأمن، وتعُم الفوضى،
ولذلك قالوا لا ينطبق على هذه القضايا قاعدة البينة على المدعي واليمين علي من
أنكر، فلا نقول للمتهم في هذه القضايا بمجرد إنكاره تحلف اليمين وتذهب في سبيلك،
فجعلوا الدعاوَى قسمين: دعوى تهمة، ودعوى غير تهمة، فدعوى التهمة في قضايا
الجنايات الخطيرة كالقتل والسرقة والاغتصاب، ودعوى غير تهمة وهي القضايا التي لا
تخل بالأمن العام، كالقضايا المدنية والمشاجرات البسيطة، وجعلوا المتهم في القضايا
الخطيرة ثلاثة أقسام: القسم الأول: المتهم البريء الذي ليس له سوابق في الإجرام،
ولا هو من أهلها عادة بل من المعروفين بالصلاح، فهذا لا يجوز حبسه ولا عقوبته
بمجرد التهمة بل يجب إطلاق سراحه فورا، والقسم الثاني: مجهول الحال فلا يعرف ببر
ولا فجور، وهذا يتحفظ عليه حتى يكشف حاله وتظهر براءته، والقسم الثالث: المعروف
بالفجور والسوابق الجرمية، فهذا يحبس ويشدد عليه بل ويجوز تعزيره لمعرفة الحقيقة،
فالمتهمون المعروفون بالفجور وارتكاب الجرائم يشدد عليهم إذا اتهموا في قضية
ويسجنون لمنع شرِّهم، ومن الخطأ معاملتهم كالمتهمين الآخرين الذين يتهمون لأول
مرة، وقد جانب الصواب أولئك الذين يقلدون نظام الغرب في التساهل مع المجرمين، بحجة
أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أو أن الشك يفسر لصالح المتهم، وهذا لا ينبغي أن
يطبق على عتاة المجرمين وأرباب السوابق لأن التسوية بين الأبرياء والمتهمين يفتح
الباب للفوضى والإرهاب، فيجب التحفظ على المجرم حتى نطمئن أنه قد تاب وأناب، وأنه
لن يكرر الجرائم في المستقبل.
|
* إن النتائج
المترتبة على القوانين الوضعية تدفعنا إلى ضرورة العودة إلى شريعتنا وإقامة
المجتمع الإسلامي الفاضل |
ومما يجدر أن نذكره هنا أنه في دراسة
أعدها مركز الضحايا الوطنِي نشرت في واشنطن في ظل القوانين السائدة في الولايات
المتحدة أنه في كل ساعة تتعرض (78) فتاة
للاغتصاب، أي ما يعادل (683) ألف امرأة في السنة، أي ما يعادل (12.1) مليون امرأة تتعرض للاغتصاب مرة واحدة في
حياتهن، والأسوأ من ذلك أن (6) من أصل (10) نساء
تعرضن للاغتصاب كن دون (11) سنة،
وأن (32%) من الضحايا ما بين (11- 17) سنة.
هذه حوادث الاغتصاب في بلاد الحرية التي
يباح فيها الاختلاط ولا يحُول بين الرجل والمرأة شيء إذا أرادا الاتصال الجنسي
باختيارهما، ويأتي هنا عندنا في العالم الإسلامي المتفلسفون يقولون إنه إذا سمح
بالاختلاط لن تكون هناك مشاكل جنسية، وأن سبب المشاكل هو عدم الاختلاط، ولأن كل
ممنوع متبوع، إذن لماذا هذه الحوادث؟
أما في بريطانيا فقد دلت الإحصائيات أنه
في كل سنة تقتل خمس عشرة امرأة أزواجهن بسبب المعاملة السيئة من الأزواج، وتخرج
المرأة من المحكمة تتمتع بالعطف والتفهم، أو تقضي مدة في السجن حتى إن بعض الصحف
قالت: إن العدالة أصبحت كورقة «يا نصيب»!
أما في روسيا فقد اتهمت النيابة العامة في
رستوف في جنوب روسيا سنة (1987م)
شخصًا بقتل طفلة في التاسعة من عمرها بدوافع جنسية، وحكمت المحكمة على الشخص
بالإعدام وتم إعدامه، ثم تبين أن الذي قتل الطفلة شخص آخر يدعى تشيكاتيلوا - مجرم
محترف سبق وأن قتل واغتصب (53) ضحية، وكان يقوم بقطع أطراف ضحاياه!
والواقع أن الحرية الجنسية في الدول
الغربية أتاحت للجريمة أن تتعاظم في تلك المجتمعات، ماذا يعني أن تقوم مجموعة من
المحامين بإنشاء دار للنساء الحوامل من الزنا في الولايات المتحدة أطلقوا عليها
«مزرعة الأطفال»! تضع النساء أولادهن تحت رعاية طبية، وإذا تمت الولادة يتركن
أطفالهن وينصرفن، ويتولى المحامون بعد ذلك بيع الأطفال، ويتراوح ثمن الطفل الواحدة
عشرة آلاف، وخمسة عشر ألف دولار، ولأن نزيلات الدار لم يكنَّ من أمريكا وحدها، بل
يأتين من البلاد الأوروبية الأخرى فإن ما يباع سنويًّا لم ينقص عن خمسة آلاف طفل
ومتوسط الدخل السنوي مبلغ (62.500.000) دولار، وقد أثرى هؤلاء المحامون ثراء
فاحشًا من هذه العملية، أليس هؤلاء الأطفال سيكونون مصدرًا للجريمة بعد أن يكبروا؟
وأولئك المحامون الذين فقدوا الضمير، وتاجروا في الأنفس والأعراض ماذا ينتظر منهم
لخدمة العدالة؟ ومن كثرة المجرمين في أمريكا أن السلطات الأمريكية قد عجزت عن
حماية النساء منهم، ولم تملك إلا أن تقول في تعليماتها المنشورة في الأماكن العامة:
«إذا هاجمك اللصوص للسطو على مالك فلا تقاومهم لأن حياتك أغلى من المال»! ووزعت
إدارات التعليم على مدارس البنين التي يقوم فيها بالتدريس مدرسات منشورًا يقول:
«على كل مدرسة (أنثى) ألا تذهب إلى دورة المياه بمفردها خشية اعتداء الطلاب عليها»!
وكل يوم تنشر الصحف عن جرائم يرتكبها المجرمون من الجنسين ومن مختلف الأعمار.
هناك أمر آخر في القوانين الوضعية يفتح
باب المشاكل في المجتمع وهي أن تلك القوانين تتجاهل الحق الشخصي في الجرائم، وتجعل
الحق للنيابة وحدها في تحريك الدعوى الجنائية، فيُقتَل القتيل وليس لأهله أن
يحركوا الدعوى، وتجرى المحاكمة في غيابهم، ولا حق لهم أن يطعنوا في الحكم إذا صدر
ببراءة المتهم! أليس ذلك مما يثير الأنفس ويدعو إلى الانتقام؟
وبعد هذا نقول: أما آن لنا أن نرجع إلى
شريعتنا، ونعمل على إقامة المجتمع الإسلامي الفاضل الذي يأمن الناس فيه على
أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم، وتسود فيه الأخلاق الإسلامية الفاضلة، وتقام فيه
حدود الله، فمع الأسف إن كثيرًا من بلاد المسلمين يُترَك فيها المجرمون، ويعذب
فيها الأبرياء حتى يفقدوا وعيهم ويصابوا بالعاهات ويُضرَب بعضهم بالرصاص، ويترك
لينزف دمه حتى يموت، وكل ذنبه أنه متهم في قضايا سياسية لم تثبت عليه ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء:93)، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا
خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ
أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:85).