العنوان العد التنازلي للإمبراطورية الأمريكية
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 24-فبراير-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1740
نشر في الصفحة 20
السبت 24-فبراير-2007
إنهم يتحدثون وكأن التاريخ سيتجمد وسيفقد قابليته للتغيير المستمر وللتجديد.. وستبقى الحضارة الغربية بسماتها الرئيسة الحالية إلى الأبد !! وهذا يذكرنا بما قالته الفلسفة الماركسية عن نفسها.
عجز الميزانية الأمريكية يصل إلى أكثر من ٤٣٦,٩ مليار دولار وبالرغم من ذلك تنفق 450 مليار دولار على خططها العسكرية بما يوازي نفقات دول العالم مجتمعة.
إصدار الولايات المتحدة 3 أضعاف ناتجها القومي من الدولارت.. يهدد اقتصادها بالانهيار.. فكل دولار تصدره بمثابة سند دين عليها.
محللون اقتصاديون: إذا استمر التقدم الذي تسجله الصين حاليًا على المنوال نفسه فستملك اقتصادًا أقوى من الاقتصاد الأمريكي
في موسوعته الضخمة حول تاريخ العالم أورد المؤرخ البريطاني المشهور «أرنولد توينبي» بالتحليل ظهور ثم أفول ۲۱ حضارة في التاريخ الإنساني. فكل حضارة مرت بمراحل النشوء والارتقاء ثم المراوحة ثم البدء بالسقوط والانحلال. فهل هناك قانون طبيعي واجتماعي عام وصارم في هذا الموضوع؟ وهل يمكن أن تفلت حضارة من الحضارات من هذا المصير المحتوم؟ وهل هناك شيء حتمي في الأمر؟ أو لنطرح هذا السؤال بصيغة أخرى: هل سيجري للحضارة الغربية الحالية ما جرى للحضارات السابقة وهل ستندثر مثلها؟ هناك خلاف بين المفكرين في هذا الصدد.
كأن التاريخ سيتجمد وسيفقد قابليته في التغيير المستمر وفي التجديد، وستبقى الحضارة الغربية بسماتها الرئيسة الحالية إلى الأبد. وهذا يذكرنا بالفلسفة الماركسية حول الأدوار التاريخية المفروضة على البشرية كقدر لا مناص له منه ولا فكاك كما زعمت وكيف أن ماركس كان يرى أن المرحلة الشيوعية الأخيرة هي آخر المراحل التي ستصل إليها البشرية، وأن هذه المرحلة ستبقى بسماتها الرئيسة إلى الأبد وأن كل ما يحدث من تقدم في الحضارة سينحصر في التقدم العلمي، وفي تقدم الصراع الإنساني مع الطبيعة لاكتشاف المزيد من قوانينها والاستفادة منها.
وهناك مفكرون عديدون اعترفوا بوجود أزمة شديدة في الحضارة الغربية ولكنهم يرون أن الحضارة الغربية تملك قابلية إصلاح نفسها والتغلب على أزماتها دون أن تدع هذه الأزمات تقضي عليها.
مصير الإمبراطورية الأمريكية
هذا مدخل مهم للموضوع الأصلي الذي نتناوله هنا، وهو مصير الامبراطورية الأمريكية، فنحن نرى أن هناك إشارات عديدة إلى أن الامبراطورية الأمريكية التي خطت خطواتها الأولى بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي دخلت إلى مرحلة الانحلال بسرعة لم يشهدها من قبل سقوط أي إمبراطورية من الإمبراطوريات السابقة. والظاهر أن سمة السرعة في عصرنا الحالي لا تدع أي مجال لإمبراطوريات طويلة العمر، فبينما ترى أن الإمبراطورية الرومانية استمرت ما يقارب ألف عام والإمبراطورية العثمانية ما يزيد على سنة قرون نجد أن الإمبراطورية البريطانية لم تدم إلا مائة وخمسين عامًا تقريبًا، بينما استغرقت مرحلة التدهور فقط في الإمبراطورية العثمانية أكثر من مائة وخمسين عامًا. والتسارع الشديد الذي هو سمة عصرنا الحالي لن يسمح بدوام الإمبراطورية الأمريكية قرنًا
واحدًا، بل ربما تنهار هذه الإمبراطورية بعد أقل من نصف قرن.
لنسجل هنا أهم هذه المعطيات
1-تصاعد العجز في الميزانية الأمريكية عندما قام الرئيس بوش بتخفيض بعض الضرائب لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، ثم بزيادة النفقات العسكرية نتيجة تورطه في الحرب مع العراق والمقاومة الشعبية الكبيرة التي لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية تتوقعها زاد العجز السنوي في الميزانية الأمريكية عن ٤٥٠ مليار دولار، وهو عجز قياسي لم تشهده الولايات المتحدة الأمريكية من قبل ونزيف الحرب مستمر بل في تصاعد. وقد دلت الإحصائيات أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق ما يقارب ٤ مليارات دولار شهريًا لتمويل حربها في العراق.
مثال آخر: ميزانية عام ٢٠٠٤م أظهرت خلال ۱۱ شهرًا، عجزًا مقداره ٤٣٦,٩ مليار دولار، لذا فالعجز السنوي سيزيد على ٤٥٠ مليار دولار. وبلغت مصاريف الخزانة الأمريكية ٢,١١ تريليون دولار، أي بزيادة 5.9 عن سابقتها.
ولو استمر الأمر على هذا المنوال سنتين متتاليتين فستظهر أزمة اقتصادية حقيقية في الولايات المتحدة الأمريكية. بينما تبلغ واردات الخزانة الأمريكية 1.67 تریلیون دولار بالرغم من زيادة «الواردات بنسبة ٥,٢٪» سنويًا ومع ذلك لم تحل هذه الزيادة دون حدوث العجز المذكور» بل زاد العجز بنسبة تزيد على 9٪.
٢-زيادة ديون الولايات المتحدة الأمريكية نظرًا للموقف الخاص للدولار في العالم وكونه الوحدة الرئيسة في التبادل التجاري العالمي وفي دفع الديون الذي يشكل الاحتياطي في معظم خزائن دول العالم، فقد أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن (٣-٤) أضعاف الناتج القومي الأمريكي من الدولارات. إن كل دولار بعد سند دين على الولايات المتحدة الأمريكية، ويستطيع صاحبه أن يشتري به بضاعة منها. ولكن سلع الولايات المتحدة الأمريكية لا تكفي أبدًا لمواجهة الكم الهائل من الدولارات الموجودة في العالم.
إن البنوك خارج الولايات المتحدة الأمريكية تملك مئات المليارات من الدولارات ومن السندات التي أصدرتها الخزانة الأمريكية، فاليابان وحدها تملك ٧٥٠ مليار دولار-أما مجموع الدولارات والسندات الأمريكية الموجودة لدى الصين وهونج كونج وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان فيبلغ (۱,۱) تريليون دولار، وديون الولايات المتحدة لدول آسيا في تصاعد مستمر. وهذا الكم الهائل من الدولارات الموجودة في دول آسيا هو الذي حال -بدرجة كبيرة -دون تدهور قيمة الدولار الأمريكي تدهورًا كبيرًا. كما لا ننسى أن مجموع الودائع لرؤوس الأموال العربية في البنوك الخارجية -وأكثره في الولاياتالمتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى ثم في البنوك الأوروبية -يبلغ (٢٥٠ -٣٠٠) مليار دولار. ولو قام العرب بسحب ودائعهم هذه أو تحويلها إلى عملة أخرى «كاليورو مثلًا» وتحول التجار العرب والمسلمون من التعامل بالدولار في صفقاتهم التجارية إلى عملة أخرى لأحدثوا هزة في الاقتصاد الأمريكي. ولا ندري متى ستخطو الدول العربية مثل هذه الخطوة، وتحول ودائعها وكذلك خزينها من العملات الصعبة في بنوكها المركزية من الدولار إلى اليورو؟ مع أن موقف الولايات المتحدة من هذه الدول موقف عدائي صريح. أما لو قامت دول آسیا بتحويل ولو نصف ما لديها من الدولار إلى اليورو أو إلى الين الياباني لانهار الاقتصاد الأمريكي بشكل مريع.
وليس هذا الاحتمال ببعيد في ساحة السياسة الدولية المنفتحة على الدوام لجميع الاحتمالات فليس من المستبعد مثلًا قيام الصين بمثل هذه الخطوة، وهي في وضع تنافسي –وأحيانًا عدائي – مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يمكن لأحد أن يقطع بعدم تنبه الدول العربية والإسلامية وشعوبها ورجال الفكر والاقتصاد ورجال الأعمال فيها إلى مقاطعة الدولار والسلع الأمريكية في السنوات القادمة أي ليس هناك من يضمن عدم انهيار الاقتصاد الأمريكي وفيه كل هذه الثغرات الكبيرة أو يضمن سلامة هذا الاقتصاد في السنوات المقبلة.
قوى بديلة
3-الفجوة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية
بدأت تقل بين الولايات المتحدة الأمريكية و دول عديدة، ولا يخفى على أي مراقب التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الكبير الذي يجري في دول عديدة لها وزن كبير في العالم مثل الصين والهند والبرازيل، مما يؤدي باستمرار إلى تقليل الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الساحة فالمحللون الاقتصاديون يذكرون أن التقدم الذي تسجله الصين حاليًا إن استمر على المنوال نفسه فسيملك الصين بعد ٢٥ سنة فقط اقتصادًا أقوى من الاقتصاد الأمريكي. أما اقتصاد الهند «الذي تجاوز عدد سكانها المليار ومائة مليون» فسيصل إلى مستوى الاقتصاد الأمريكي في عام ٢٠٥٠م والتقدم العلمي الذي تشهده الهند، ولا سيما في علوم الفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسبات أصبح معروفًا للجميع؛ علمًا بأن مجموع تعداد سكان الصين والهند يبلغ ٤٠٪ من تعداد سكان العالم، لذا فمن المنتظر أن يلعب هذان البلدان - مع التقدم العلمي والاقتصادي السريع الجاري فيهما - دورًا كبيرًا في السياسة الدولية ويشكلا قوةرئيسة تفقد الولايات المتحدة الأمريكية ميزة كونها القطب الوحيد في السياسة الدولية، وسيكون هذا في صالح العالم إذ يجلب إلى العالم نوعًا من التوازن الدولي المفقود حاليًا.
ولما كانت الهيمنة السياسية مرتبطة إلى حد كبير بالهيمنة الاقتصادية، وكانت الدلائل كلها تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفقد الكثير من هيمنتها الاقتصادية خلال عقود قليلة، لذا لن تكون عملتها هي العملة الدولية الرئيسة في التجارة الدولية وفي احتياطي البنوك المركزية وفي تسديد الديون بين الدول بل ستكون إحدى هذه العملات فقط، وفقدان الدولار لميزته الحيوية الحالية سيؤدي إلى انهيار قيمة الدولار وسيؤدي هذا إلى أزمة كبيرة في الاقتصاد الأمريكي.
4-الخاصية الديموجرافية: ستؤدي الخاصية الديموجرافية السكانية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقليل قوتها وهيمنتها العسكرية في المستقبل القريب نوعًا ما.
فمن المعلوم أن أنصار الرئيس الحالي بوش هم من المسيحيين البيض المتعصبين والموالين للكيان الصهيوني ولهم موقف عدائي من المرأة ومن المهاجرين من أنصار الأديان الأخرى. ولكن الإحصائيات والأرقام الرسمية الأمريكية تشير إلى أن نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠٥٠م سيكون مؤلفًا من الأمريكيين المكسيكيين «أي الأمريكيين من أصل مكسيكي» والأمريكيين الأفريقيين والأمريكيين الآسيويين. ومثل هذه التركيبة السكانية ستؤدي دون ريب إلى لجم السياسة التوسعية وسياسة الهيمنة والاعتداء التي تنتهجها الولايات المتحدة حاليًا، إذ سيكون لهؤلاء الأمريكيين المنحدرين من أصول مكسيكية وإفريقية وآسيوية صوت أعلى وتأثير أقوى في سياسة وإدارة الدولة هناك من صوتهم وتأثيرهم الحالي الضعيف نوعًا ما.
لقد ذكر البروفيسور جيفري د. ساش «prof. Jeffrey D. Sachs الأستاذ في جامعة هارفارد منذ عشرين عامًا» أن الإمبراطورية الأمريكية في طريقها إلى الأفول والزوال، مشيرًا أنه كان باستطاعة الولايات المتحدة الأمريكية استخدام قوتها في صالح البشرية وفي هذا الإطار أظهرت الدراسة التي أجرتها منظمة الصحة الدولية أن جزءًا من المبالغ الضخمة التي تنفقها الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة تورطها في الحرب في العراق مثلًا يكفي للسيطرة على العديد من الأمراض القاتلة في العالم كالحمَّى والسل».