العنوان العراق: الحراك الشعبي.. والمعادلة الصعبة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015
مشاهدات 61
نشر في العدد 2088
نشر في الصفحة 58
الخميس 01-أكتوبر-2015
الحراك الجماهيري العراقي حافظ على عدم السماح للسياسيين بركوب موجة التظاهرات
المتظاهرون انقلبوا على شخص العبادي الواهن بعد أن دعمته التظاهرات في أيامها الأولى
خسائر مليشيات "الحشد الشعبي" وقلق المرجعية الشيعية من تنامي الخطاب المدني والمطالبة باستبدال المشروع الطائفي من أبرز العوامل الداخلية المؤثرة في الحراك
المشروع الإيراني تراجع من خلال سقوط رموزه من السياسيين العراقيين الشيعة الفاسدين وربما حتى عملائهم من العرب السُّنة
اتفاق سري بين العبادي ومراكز قوى الفساد في الائتلاف الشيعي ومرجعية النجف بعدم التصادم مع المتظاهرين لتجنب الصراع الشيعي - الشيعي
الحراك لم يعد أمامه سوى طريقين لا ثالث لهما إما القبول بالواقع والتآكل شيئاً فشيئاً أو السعي للتغيير
محمد الطائي
معادلة صعبة يحاول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشخصيته الكرتونية موازنتها؛ ما بين تظاهرات متنامية تطالب بإصلاح حقيقي، وأحزاب سياسية ومراكز قوى شيعية ترفض مغادرة مكتسباتها المادية والمعنوية التي سلبتها من دماء الفقراء والمساكين، ومرجعية دينية في النجف لم تغادر الخطاب الميت في إعادة تشخيص ما شخّصه الشارع العراقي منذ حين.
حافظ الحراك الجماهيري خلال مسيرات الجُمع المتتالية على ثلاثة أمور؛ هي: الخطاب الوطني الذي ينادي باسم العراق والعراقيين، وعدم السماح للسياسيين بركوب موجة التظاهرات، وتفاعل كل شرائح المجتمع معه.
بينما تطور ذات الحراك في خمسة أمور:
1- فضح السياسيين الفاسدين بشكل متنامٍ ودون خطوط حمراء.
2- عدم السماح للمعممين بأن يقودوا التظاهرات أو أن يلبسوها ثوباً طائفياً، واتهام جهات منهم بالسرقات.
3- تنامي الشعارات ضد التدخلات الخارجية، ومنها إيران.
4- تزايد عدد الحشود المتظاهرة.
5- زيادة التركيز الإعلامي على الحراك ومطالبه.
أما الحدث الأكبر في التظاهرات فهو انقلاب المتظاهرين على شخص العبادي الواهن، فبعد أن دعمته التظاهرات في أيامها الأولى وأعطته تفويضاً للتغيير والإصلاح، ليكسب شرعية وليضرب بيد من حديد على الفاسدين، أدركت تلك الجماهير أنها تراهن على الفرس الخاسر، فاتجهت نحو مهاجمته والسخرية من شخصيته الكرتونية التي ملت الناس من وعوده الكاذبة وتهربه من المسؤولية الملقاة على عاتقه.
وللحراك نقاط ضعف؛ ولعل أبرز نقاط الضعف في الحراك الجماهيري للجنوب والوسط العراقي: عدم وجود قيادة واضحة للحراك الجماهيري ترسم له خطوات مساره، وتخطط له طريقه نحو بلوغ الأهداف المطلوبة، وغياب شيوخ العشائر الشيعية عن المشهد؛ وقد يعود هذا لوصول الفساد إلى دواوينها من خلال الرشى وشراء الذمم من قبل المالكي وحزب الدعوة لهم، وأيضاً عدم التعويل على القوات المسلحة العراقية من جيش أو شرطة في أن يكون لهم دور في قلب المعادلة العراقية.
عوامل مؤثرة
من الخطأ أن نتصور أن التنامي في أعداد المتظاهرين أو علو صوت المعترضين وقسوة الشعارات المرفوعة ضد الفساد والمفسدين هي العوامل الوحيدة التي ستحكم مسار الحراك. فهناك عوامل داخلية وخارجية أخرى لها أثر قد لا يكون مرئياً ولكنه يعمل داخل الشارع الشيعي العام، سواء من خرج منهم في الحراك أو من ينتظرون في بيوتهم أي مركب سيركبون.
ولعل من أبرز العوامل الداخلية المؤثرة على الحراك الجماهيري في الوسط والجنوب الخسائر الكبيرة التي تتكبدها مليشيات الحشد الشعبي، وهجرة الكثير من مجرمي القتل والنهب منهم إلى خارج العراق، وقلق المرجعية الشيعية في النجف من تنامي الخطاب المدني، والمطالبة باستبدال المشروع الطائفي الذي حكم به حزب الدعوة الإسلامية بآخر مدني يسع كل العراقيين، والضغط في البرلمان العراقي على تشريع قانون الحرس الوطني الذي يضمن للمكون السُّني المساهمة في القوات المسلحة العراقية في محافظاتهم؛ وما يسببه هذا من قلق لأصحاب المشروع الطائفي.
أما أبرز العوامل الخارجية التي من الممكن أن تؤثر على تعامل الشارع الشيعي مع التظاهرات والحراك الجماهيري؛ تراجع المشروع الإيراني من خلال سقوط رموزه من السياسيين العراقيين الشيعة الفاسدين، وربما حتى عملائهم من العرب السُّنة، ودخول تركيا على ملف "داعش" وعلى الأراضي العراقية، والقرار الروسي الأخير بالدعم العسكري المفتوح للمجرم "بشار الأسد"، والمشروع الأمريكي الذي وإن لم يكن واضح المعالم اليوم لكنه قد تظهر له ملامح في أي لحظة.
كل هذه المؤثرات ويزيد ستكون عوامل ربما تحرف مسار الحراك الجماهيري أمام إظهار مصالح أخرى خبيثة توهم الجهلة من رعاع المشروع الطائفي بضرورة مراعاتها.
خيارات الحراك الجماهيري
تحدث البعض من مراكز البحوث العراقية عن وجود اتفاق سري بين العبادي ومراكز قوى الفساد في الائتلاف الشيعي وحتى المرجعية في النجف (وإن كان بالمباركة أو غض الطرف)، يتضمن هذا الاتفاق ثلاثة أركان:
1- عدم التصادم مع المتظاهرين وخاصة في الجنوب العراقي لتجنب الصراع الشيعي – الشيعي.
2- إطلاق حزمة من الوعود الكاذبة للإصلاحات، واعتماد تغييرات شكلية لا تتعدى كونها حملات للتقشف المالي، وتصويرها للمساكين من أبناء الشعب المسحوق على أنها تمثل حزمة الإصلاحات المطلوبة.
3- عدم المساس بالمرجعية الدينية في النجف أو سائر المرجعيات الشيعية باعتبار أن ما حصل ويحصل من فساد هي غير مسؤولة عنه!
ولكن الذي حصل أن ما تحقق إلى اليوم من هذا الاتفاق السري هو الركن الأول الخاص بعدم الاحتكاك بالمتظاهرين، بينما سقطت ورقة التوت من على العبادي، وظهر على حقيقته أمام الجماهير كسيد للوعود الكاذبة، وأستاذ في التخدير الجماهيري، وبائع كلام، ولم تعد المرجعية رمزاً عند عموم الحراك، ولا أملاً تنتظر منه الخلاص.
الحراك.. إلى أين؟
بعد انفضاح شأن العبادي في عجزه عن إحداث أي تغيير يُذكر في إسقاط رموز الفساد (حتى الآن وما زالت بقايا فرصة بيديه)، فلم يعد أمام الحراك إلا أمرين لا ثالث لهما:
الأول: القبول بالواقع والتآكل شيئاً فشيئاً، بوجود مؤثرات دينية وسياسية شيعية من الداخل والخارج أمام مصالح المذهب أو حتى استقرار العراق!
الثاني: السعي للتغيير سواء كان بالمطالبة باستقالة العبادي طوعياً أو من خلال إثارة الفوضى التي تجبره على الاستقالة.
وهنا فجر حزب الدعوة قنبلته الخبيئة لتدارك الأمر، وقد بلغ الشرر ثيابه الفاسدة، وقد أوغل في دم العراقيين وسرق قوتهم وحقوقهم، حيث أعلن عن دعوته لانتخابات مبكرة، يراها مخرجاً من مأزقه الذي وضعه في زاوية الخيانة والفساد الضيقة، وحتى يكسب الوقت في الحفاظ على مكتسباته والتعتيم على جرائمه، وهذه طبخة قد يكون إعدادها في ذات المطبخ السابق الذي يضم العبادي والائتلاف الشيعي والمرجعية.
صفقة خبيثة
وإن ما نخشاه اليوم أن يكون ثمن هذه التظاهرات الواعدة هو إسقاط العبادي وحكومته الواهنة فقط، وحصر الإصلاحات المطلوبة في ساحات التظاهر، بينما يبقى الفساد والفاسدون يخوضون ويلعبون في مقدرات العراقيين، ومن ينظر إلى ما حصل مع المالكي بالأمس لا يستغرب من حصول هذا غداً!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل