العنوان العرب والتعيينات الأمريكية الجديدة
الكاتب د. مأمون فندي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
التحليلات السياسية تترا حول الترشيحات التي قدمها الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» لتشكيل فريق العمل الخاص بالأمن القومي الأمريكي، فقد رشح الرئيس السيدة «مادلين أولبرايت» سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة كي تكون وزيرة للخارجية بدلًا من «وارن كريستوفر»، كما قام الرئيس بترشيح «وليام كوهين السيناتور» من ولاية «مين» لمنصب وزير الدفاع، كذلك رشح السيد «أنتوني (توني) ليك» ليدير وكالة المخابرات المركزية CIA ليحل محل المدير الحالي «جون دويتش» كما رشح «ساندي بيرجر» ليحل محل «السيد ليك» كمستشار للأمن القومي.
هذا الفريق ككل الترشيحات يعكس رؤية الإدارة الأمريكية لتحديات السنوات المقبلة وأولويات الأمن القومي الأمريكي، قد نختلف على مدى صلاحية الأفراد المرشحين وتأثيرهم سلبًا بالتحديد على قضايا تهم العالمين العربي والإسلامي، لكن الأهم من ذلك هو محاولة فهم أولويات الأمن القومي الأمريكي في السنوات الأربع القادمة كي نحسن التعامل أو على الأقل نكيف سياساتنا مع الحد الأدنى من الأمور المشتركة وجعل تحفظاتنا واضحة حول الرؤى التي نختلف فيها مع الرؤية الأمريكية الممثلة في شخص الرئيس «كلينتون» وفريق الأمن القومي المطروح الآن أمام مجلس الشيوخ للتعيين.
بقدر ما يكشف هذا الفريق عن تصور أمريكي للعالم بصورته الكبيرة كذلك هو يعكس نقاط ضعف لدى الإدارة الأمريكية، فعلى سبيل المثال جاء ترشيح «السيناتور كوهين» لوزارة الدفاع كرد للاتهامات المتواصلة للرئيس «كلينتون» فيما يخص علاقته بالجيش الأمريكي، فكما هو معروف لم يخدم الرئيس في الجيش وكثيرون يؤكدون على أنه تهرب من الخدمة العسكرية عن عمد، كما أنه تسامح في بداية ولايته بدخول الشواذ جنسيًا في الجيش وهي نقطة أخذت عليه من قبل قادة الجيش وخصوصًا أولئك الذين يتمتعون بشعبية كبيرة لدى المواطن العادي مثل الجنرال «كولن باول» كل ذلك دفع بالرئيس أن يحاول التقليل من هذه الاتهامات عن طريق استجلاب رجل جمهوري معتدل ومشهود له بالنزاهة والقوة كي يقود وزارة الدفاع ويريح الرئيس من أشياء كانت تمثل له مواضع حرج كثيرة.
أما السيدة «أولبرايت» فجاءت كتلبية لضغط داخلي من ناحية، وجانب تاريخي من ناحية أخرى، وكذلك ضمن إطار تصور عالمي لدور الولايات المتحدة في الأربع سنوات القادمة، من زاوية الضغط الداخلي جاءت «أولبرايت» بناءً على ترشيحات اللوبي الصهيوني في واشنطن نظرًا لتعاطفه الشديد مع إسرائيل وقضاياها، وقد جاء هذا التعاطف واضحًا في موقفها من مجزرة قانا وتقرير الأمم المتحدة الذي نشر حول ما حدث في تلك المجزرة، فدافعت السيدة «أولبرايت» بشكل مستميت عن الموقف الإسرائيلي، وهنا لا يجب الخلط ما بين موقف السيدة «أولبرايت» من قانا وموقفها من «بطرس غالي»، لأن القضيتين منفصلتان تمامًا، ولكن الفريق المؤيد لاستمرارية «غالي» في الأمم المتحدة يحاول أن يجعل من موقفه من قضية قانا سببًا للرفض الأمريكي، أقول هنا وبكل صراحة إنه ليس هناك أي ربط حقيقي بين القضيتين، ولكنه فقط ربط سياسي من قبل المدافعين عن غالي.
أما الجزئية التاريخية المغلفة بتعيين أول امرأة كوزيرة للخارجية فلا يجب إغفالها، فكل رئيس أمريكي يحصل على فترة ثانية دائمًا ما يضع كتب التاريخ نصب عينيه فالرئيس كلينتون يريد أن يذكره التاريخ على أنه الرجل الذي يدعو إلى المساواة بين الرجل، والمرأة، والأسود، والأبيض، ... إلخ.
الشق الثالث في تعيين «أولبرايت» وزيرة للخارجية مرتبط بالرؤية الأمريكية العالمية وأولوياتها، فالسيدة «أولبرايت» مع معاونها ونائبها «ستروب تاليوت» يمثلان قدرة غير عادية في فهم قضايا حلف شمال الأطلسي «الناتو» وشؤون أوروبا عمومًا، وبذلك يتضح لنا أن أولوية إعادة ترتيب الناتو وأوروبا أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات القادمة، فربما تكون السيدة أولبرايت بمثابة المهندس الذي يدخل بولندا ودولة التشيك في حلف الناتو دونما إغضاب روسيا أو الصين، وهذا توازن يحتاج إلى جهد كبير، لأن روسيا ترى في توسع الناتو تهديدًا لها ولمصالحها في وسط وشرق أوروبا، كذلك يوضح هذا التعيين أن هناك قضايا أكثر أهمية مثل ما يسمى بالكونية Globalism على مستوى الاقتصاد ستبقى في يد الرئيس ومعاونيه للمهام الخاصة، فرأينا الرئيس بنفسه يهتم بأن يكون في منظمة APEC أو منظمة آسيا والباسفيك للتعاون الاقتصادي، وتبقى مناطق أخرى في العالم في إطار البيروقراطية الخاصة بوزارة الخارجية ومن هذه المناطق منطقة الشرق الأوسط.
أما تعيين السيد «أنتوني ليك» لقيادة الـ CIA فهو ضمن محاولة تفعيل الوكالة للتعامل مع قضايا عالم ما بعد الحرب الباردة، هذا العالم تسوده قضايا اقتصادية وأمنية من نوع جديد، وبعد السيد ليك أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة مونت هوليوك في بوسطن خير من يقوم بهذه المهمة، فهو رجل قادر على تفهم تعددية التفاعلات العالمية على مستوياتها المختلفة الاقتصادية، والسياسية والأمنية، ولكن يبقى السؤال الآتي : ماذا تعني هذه الترشيحات الجديدة بالنسبة لقضايا العرب والمسلمين عمومًا وقضايا الشرق الأوسط على وجه الخصوص ؟
ثانيًا: الشرق الأوسط
بالنسبة للشرق الأوسط يمكن النظر إليه من خلال إطارين أساسيين: أولهما الأوليات الخاصة بالإدارة الحالية والمتمثلة كما ذكرت سابقًا في إعادة ترتيب الناتو والوحدة الأوروبية كأول أولوية أساسية، والثانية المتمثلة في إعطاء أهمية كبرى القضايا الاقتصاد العالمي وإيجاد سوق للبضاعة والعمالة الأمريكية، أما ثالثة هذه الأولويات فهي آسيا، ويأتي الشرق الأوسط في المرتبة الرابعة في إطار عمليات السلام العالمية وكذلك يدخل الشرق الأوسط في النقطة الخامسة في أولويات الإدارة والمتعلقة بمكافحة الإرهاب إذ أنه لا يجب أن نبالغ في أهمية الشرق الأوسط وقضاياه في أولويات الإدارة الحالية الإطار الثاني يتمثل في الموقع الحقيقي للشرق الأوسط ودول الخليج والبترول تحديدًا ودورهما في تأكيد الهيمنة العالمية فالبترول الخليجي رغم أنه لا يمثل أكثر من ١٠ من واردات أمريكا البترولية، يظل ذا أهمية قصوى في الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة العالمية، فيما أن المستفيد الأول من هذا البترول هو كل من أوروبا واليابان المنافسين الحقيقيين للسيطرة الأمريكية في الأسواق العالمية، يبقى الوجود الأمريكي في الخليج وتعاونه مع الحكومات يهدف إلى منع أسعار البترول من الزيادة أو النقصان بشكل يخل بالأسواق العالمية، كما أن أمريكا حريصة على ربط سعر البترول بالدولار، فإذا ما قررت دول الخليج فك الارتباط بين العملة الأمريكية والبترول قد ينهار الدولار أمام الين الياباني أو المارك الألماني، أن وجود حلف لأمريكا في المنطقة يعني سيطرة أمريكا على منافسيها في أوروبا واليابان، أضف إلى ذلك التدخل الأمريكي المباشر في أوروبا من خلال الأولوية السياسية الأولى التي أسلفت والمتمثلة في إعادة ترتيب الناتو والتقارب الأوروبي لذلك تكون أهمية الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا ليست للشرق الأوسط ذاته ولكن للسيطرة على آخرين خارج منطقة الشرق الأوسط.
أما عملية السلام والدور الأمريكي فيها فهو يهدف في النهاية إلى وجود استقرار في المنطقة لا يؤثر على سيولة البترول بأسعار معقولة في الأسواق العالمية، مما لا يسبب ضغطًا على الحضارة الصناعية، إضافة إلى محاولة إدخال إسرائيل في معادلة شرق أوسطية تكون فيها إسرائيل بمثابة الوسيط التجاري في أسواق الشرق الأوسط للشركات والبنوك الأمريكية بنفس الطريقة التي كانت بها وسيطًا عسكريًا في فترة الحرب الباردة.
إذن الشرق الأوسط والعرب مهمان بالنسبة لأمريكا في إطار السياسة الأمريكية العالمية المتمثلة في الأولويات الخمس السالفة الذكر، ولكن ذلك لا يدعو أمريكا أن تضع الشرق الأوسط في الاعتبار في اختيار وزراء الخارجية والدفاع، لأن كلا الوزارتين مليئة بالنواب الذين يعرفون المنطقة.
ولكن المهم في كل هذا هو أن فريق كلينتون الحالي سيلقي بظلاله على قضايا الشرق الأوسط خصوصًا إذا ما علمنا أننا نتعامل مع رئيس أصولي «فند منتالي» تربطه وشائج مع الصهيونية ليس من الأهمية بمكان أن يعين الرئيس وزيرًا يهوديًا أو خلافه لأن الرؤية الصهيونية متغلغلة في الإدارة بشكل كاف لا يحتاج إلى أشخاص يهود يخدمون المصالح الإسرائيلية، وذلك لأن الرئيس يقوم بذلك بالنيابة عنهم وستقوم السيدة أولبرايت بنفس الدور خير قيام.
ثالثًا: خاتمة
تبقى نقطة أساسية وهي أنه في العلاقات الدولية تعد معرفة اللاعبين أساسية ولكن الأهم هو تطوير استراتيجية للتعامل مع هؤلاء اللاعبين، لقد هزت مقاطعة العرب البترولية في عام ١٩٧٣م الأسواق العالمية وأجبرت رجلًا يهوديًا صهيونيًا «ككيسينجر» على التفاوض رغم كل ارتباطاته بإسرائيل ومصالحها، نفس وسائل الضغط تنجح مع أولبرايت أو غيرها، أما في غياب أي ضغط عربي أو إسلامي على الإدارة والبقاء في موقف المستجدي والمعتمد على إحسان الآخرين، فلن تكون للمصالح العربية أو الإسلامية أهمية تذكر نذكر أخيرًا أن هيمنة أمريكا على العالم تنبع من هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط ومصادر الطاقة فيه، فإن وعى العرب ذلك سيكونون قادرين على تغيير الأوضاع، أما اذا ما ركز العرب على أمور تكتيكية أو مكاسب يومية في عملية السلام فإنهم بذلك يخسرون لأنهم يلعبون في لعبة جديدة لا أهمية للعسكر والأرض فيها بقدر أهمية السوق ولن يفيد في ذلك إذا ما عين كلينتون عربيًا وليس صهيونيًا كوزير للخارجية الأمور تتعلق بالعرب والمسلمين أولًا وليس بمن يعينهم كلينتون من البيت الأبيض.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل