; المجتمع التربوي (1254) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1254)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1254

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-يونيو-1997

العزوف عن طلب العلم

تُرى هل فكر الدعاة في جميع الأقطار الإسلامية في أسباب عزوف الناس عن حضور دروس العلم، وقلة أعدادهم في المحاضرات عما كانوا عليه قبل عشرين سنة أو ثلاثين؟

لقد حضرت الكثير من هذه المناقشات حول دراسة ظاهرة عزوف الجماهير عن دروس العلم، وكانت معظم الأسباب التي يذكرها الدعاة تكمن في الجمهور نفسه، فتارة يقال إن المادية غلبت على الناس، فما عادوا يهتمون بأمور الآخرة، وتارة يقولون إن انشغالات الناس في أمور الحياة اختلفت عما كانت عليه في السابق، وقليل جدًّا ما تذكر الأسباب المتعلقة بالدروس ذاتها أو في طريقة الإلقاء وحتى في أساليب دعوة الجمهور، على الرغم من أن ما يتعلق بالدروس وأساليب دعوة الآخرين لها، ومكان إلقاء الدروس أسباب جوهرية تكاد تكون أهم بكثير مما يتعلق بالجمهور نفسه..

كثيرًا ما يفهم الدعاة بأن القضية الإعلامية مقتصرة على عمل بوسترات تعلق في الشوارع والمساجد، وإعلانات في الصحف تذكر الناس بالدرس الفلاني للشيخ الفلاني... وكفى الله المؤمنين القتال، فيتفاجؤون بقلة الحضور على الرغم مما أنفقوه على الإعلانات..

لقد جرب بعض الدعاة في بعض الأقطار طريقة في دعوة الجمهور عن طريق إرسال بطاقات خاصة لهم، فكان عدد الحضور لا يصدق... وجرب آخرون طريقة الاتصال المباشر بالجمهور وحضهم على الحضور، فكان حضورًا جماهيريًّا غير مسبوق.

وآخرون فكروا في تغيير المكان من مكان قديم يكاد يتساقط على من فيه إلى صالة حديثة فزاد الجمهور، وآخرون جربوا وسائل حديثة في عرض المحاضرة فزاد عدد الحضور.

إننا نحتاج إلى التفكير في أساليب حديثة لجذب الجمهور للخير الذي عندنا، وألا نجمد على الأساليب القديمة التي ما عادت بمقدورها أن تنافس الوسائل الحديثة التي تسرق الجمهور منا.

أبو خلّاد

شخصيات إسلامية

تميم الداري

ما افترضه الشرع هو في مقدور كل مسلم أما النوافل ففيها متسع

بقلم: حجازي إبراهيم

هو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الفلسطيني وكنيته أبو رقية. 

إسلامه: يروي قصة إسلامه فيقول: كنت بالشام حين بعث النبي الله ﷺ فخرجت لبعض حاجتي فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، قال: فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي -لا أراه- عذ بالله، فإن الجن لا تجير احدًا على الله، فقلت: أيم الله ما تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميين رسول الله، وصلينا خلفه بالحجون، فأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم، قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبًا وأخبرته الخبر. 

فقال الراهب: قد صدقوك، يخرج من الحرم ومهاجره الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه، قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله فأسلمت. (1)

قال عكرمة: لما أسلم تميم، قال يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال «هي لك» وكتب له بها، قال: فجاء تميم بالكتاب إلى عمر، فقال: «أنا شاهد ذلك فأمضاه»، وفي رواية: «ليس لك أن تبيع» وليس للنبي ﷺ قطيعة سوى: حبرى وبيت عينون، أقطعها تميمًا وأخاه نعيم (2).

وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ وكان يختم القرآن في سبع، وعن محمد بن أبي بكر عن أبيه قال: زارتنا «عمرة» فباتت عندنا فقمت من الليل، فلم أرفع صوتي بالقراءة فقالت: يا ابن أخي ما منعك أن ترفع صوتك بالقراءة؟ فما كان يوقظنا إلا صوت معاذ القارئ وتميم الداري (3)، وعن مسروق، قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري: صلى ليلة حتى أصبح أو كاد يقرأ آية يرددها ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ (الجاثية، آية: 21).

لا تحمل غيرك على عبادتك 

فعن أبي العلاء عن رجل قال: أتيت تميمًا الداري، فحدثنا ، فقلت كم جزؤك؟ قال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن، ثم يصبح، فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة «فوالذي نفسي بيده» لأن أصلي ثلاث ركعات نافلة، أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلة، ثم أصبح فأخبر به، فلما أغضبني قلت: والله إنكم معشر صحابة رسول الله ﷺ من بقي منكم لجدير أن تسكتوا، فلا تعلموا، وأن تعنفوا من سألكم.

فلما رآني قد غضبت، لان، وقال: ألا أحدثك يا ابن أخي؟ أرأيت إن كنت أنا مؤمنًا قويًّا، وأنت مؤمن ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع فتنبتّ أرأيت إن كنت أنت مؤمنًا قويًّا وأنا مؤمن ضعيف حين أحمل قوتك على ضعفي فلا أستطيع فأنبت» ولكن خذ من نفسك لدينك، ومن دينك لنفسك، حتى يستقيم لك الأمر على عبادة تطيقها (1).

يقتحم النار ولا تضره

وله قصة طريفة يحكيها معاوية بن حرمل الحنفي، صهر مسيلمة الكذاب، وكان مع مسيلمة في الردة، ثم قدم على عمر تائبًا يقول معاوية قدمت على عمر فقلت يا أمير المؤمنين تائب قبل أن يُقدر عليَّ فقال: من أنت؟ فقلت: معاوية بن حرمل ختن مسيلمة، قال: اذهب فانزل على خير أهل المدينة، قال: فنزلت على تميم الداري، فبينما نحن نتحدث، إذ خرجت نار بالحرة، فجاء عمر إلى تميم، فقال يا تميم اخرج، فقال: وما أنا، وما تخشى أن يبلغ من أمري، فصغر نفسه، ثم قام فحاشها، حتى أدخلها الباب الذي خرجت منه، ثم اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضره (6)، وفي رواية فجعل عمر يقول ليس من رأى كمن لم ير! قالها ثلاثًا (7).

وعن حميد بن عبد الرحمن أن تميمًا استأذن عمر في القصص سنين، ويأبى عليه، فلما أكثر عليه، قال: ما تقول؟ قال أقرأ عليهم القرآن، وأمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشر، قال عمر: ذاك الربح، ثم قال: عظ قبل أن أخرج للجمعة، فكان يفعل ذلك. فلما كان عثمان استزاده فزاد يومًا آخر (8).

الدروس والعبر

  1. يعرفونه كما يعرفون أبناءهم 

الرسول ﷺ بشرت به الكتب السابقة، ونعتت بصفاته الواضحة الجلية والتي لا لبس فيها ولا غموض معها: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (9) (البقرة، آية: 146).

روي أن عمر -رضي الله عنه- قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم، وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه (10)، ومن أجل ذلك نرى أن تميمًا سارع إليه بمجرد علمه بظهوره وبعثته.

  1. استعذ بالله من شياطين الإنس والجن:

 إن الاستعاذة من شرور الجن كانت معروفة للعرب من قبل الإسلام، وهذا ما حكاه القرآن الكريم ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (11) (الجن، آية: 6).

قال الحسن وغيره: والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بواد: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، وقال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عانوا بالله وتركوهم. 

والمسلم في هذه الحياة يضرب في مفازة مهلكة، ويسعى في أودية مردية، ويحيط به شياطين الإنس والجن من كل جهة، ولا يكاد يتحرك يمنة أو يسرة إلا وسهام ونبال قوى الشر تصوب إلى صدره، لتقتل الإيمان الحي الذي ملأ قلبه، واليقين الذي حل في فؤاده ...

ولكن أنى لهم ذلك من مسلم لاذ بجناب مولاه، واحتمى بحماه، وألجأ ظهره إلى من بيده ملكوت كل شيء... فهو وحده القادر على أن يدفع عنه شرور شياطين الإنس والجن: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ ...﴾ (12) (الأنعام، آية: 112).

عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد جالسًا وكانوا يظنون أنه ينزل عليه فأقصروا عنه حتى جاء أبو ذر فاقتحم، فأتى فجلس إليه فأقبل عليه النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر هل صليت اليوم؟ قال: لا، قال: قم فصل، فلما صلى أربع ركعات الضحى، أقبل عليه فقال: يا أبا ذر تعوذ من شياطين الجن والإنس، قال يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم ﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ ...﴾ (13) (الأنعام، آية: 112).

  1. الجن نؤمن بوجوده:

 والجن من خلق الله نؤمن بوجودهم، وإن كنا لا نراهم، ومنهم المؤمن والكافر، وفيهم الأخيار والأشرار، وقد أمرنا ربنا بالاستعاذة من نزغ شرارهم: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (14) (الأعراف، آية: 200)، يقول الإمام القرطبي: أي اطلب النجاة من ذلك بالله، فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به، وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها، ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابد وأرده جهدي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفَّه عنك (15)

  1. الكتب السابقة تبشر بعلو الإسلام حين وفد تميم -رضي الله عنه- على رسول الله ﷺ يقرر بصيغة مؤكدة: إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم... وكان ذلك في العام التاسع من الهجرة النبوية، ودعوته لا تزال محصورة في الجزيرة العربية، ومع ذلك يطلب تميم بأن يقطع له قريته من بيت لحم، وفي ذلك برهان قاطع بأن الكتب السابقة مع تبشيرها برسول الله ﷺ بشرت أيضًا بعلو رسالته وامتدادها إلى البلاد المحيطة بالجزيرة في فترة وجيزة، وقد تحقق ذلك خلال عشر سنوات تقريبًا. 

وهذا الذي بشرت به الكتب السابقة أكده القرآن الكريم، وأخبر به الرسول ﷺ، ويكفي المسلم أن يقرأ قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة، آية: 33) (16)

وهذه الحقيقة تتمثل حين خرج النبي ﷺ مهاجرًا مهدر الدم ويلحق به سراقة بن مالك، ويعده الرسول ﷺ سواري كسرى ويكتب له بذلك كتابًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر، وكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف، والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذل والصغار والجزية (17).

  1. الحكمة في النصح كان تميم -رضي الله عنه- حريصًا على تقديم النصيحة لمن جاء يسأله عن حزبه، فأرشده إلى أن إخلاص الأعمال أهم من كثرتها، وشدد على هذا المعنى لدرجة أغضبت السائل، وجعلته يحتج، وهنا تتجلى حكمة الصحابي الجليل وفطنته، حيث لمح غضب السائل وهياجه، فأدرك أن حبال الأخوة بينهما مهددة وتكاد أن تنفصم لو مضى في نصيحته بنفس اللهجة والأسلوب، ولذلك تمثل قول القائل: «إن عز أخوك فهن» فألان تميم القول، وخاطبه بالعبارة الحانية: ألا أحدثك يا ابن أخي...

ثم وضح له بأسلوب هادئ مقنع أن لكل إنسان طاقته وقدرته، وفي مجال التطوع في العبادة فكل مسلم وما يستطيع المواصلة والاستمرارية عليه... وهنا نقرر حقيقة في التشريع ألا وهي:

كل ما افترضه الشرع هو في مقدور كل مسلم ومسلمة، ويؤديه بقدر استطاعته، أما النوافل ففيها متسع والباب فيها مفتوح، حتى يأخذ منها كل إنسان بقدر ما يستطيع ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (18) (المطففين، آية: 26).

ولو اكتفى المسلم بقدر ما يستطيع من السنن المؤكدة لكان على خير كبير، ودائمًا نرجو الله أن يرزقنا الإخلاص والصدق في القول والعمل.

  1. الأخوةوالمودة: ومن الدرس السابق نرى ضرورة حرص المسلم على حبال المودة والأخوة بينه وبين إخوانه وأن يكون مرهف الحسن لمشاعر إخوانه، وإذا أحس من أحدهم نفورًا، فلا يهيج مشاعره، فيزداد منه نفورًا، وتنفصم عرى الأخوة والمحبة... وليعلم المسلم أن الرفق واللين يجعل القلوب تهفو إليك وتتألف معك، وأن القسوة والغلظة تجعل القلوب تنفض من حولك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران، آية: 159)، إن الخير كل الخير في الفئة التي تماسكت أجسامها صفًا واحدًا كالبناء المرصوص وتآلفت قلوبها حتى صارت على قلب رجل واحد.

من فقه الظواهر الدعوية... في ضوء السنن الإلهية

دور القيادة الواعية في تقدير الناس

بقلم: د. حمدي شعيب

ذكرنا في الحلقة السابقة كيف أن النبي ﷺ قدر الجمل الذي خدم أصحابه أربعين سنة فأمرهم أن يتركوه ولا يذبحوه، ومن ذلك أيضًا أنه عندما قابل مسلمو المدينة -خاصة الأطفال- أولئك العائدين من «غزوة مؤتة» بقيادة سيف الله خالد -رضوان الله عليهم- بقولهم يا فرار، لم يك رد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليهم بقوله: «بل هم الكرار»، وكذلك إضفاء لقب «سيف الله» لأول مرة على قائدهم مجرد رد اعتبار لهؤلاء العائدين من غزوة الصمود والتحدي أمام جحافل الروم وأشياعهم، بل تجاوز ذلك، ليصبح معلمًا رفيعًا يعلم اللاحقين من الدعاة بوجوب إعادة الثقة، والاعتراف بمكانة أي صاحب بذل على طريق الدعوة، حتى وإن بدا على غير ذلك في نظر البعض ويبرز هنا دور القيادة الواعية التي لا تنساق في تقديراتها وراء الأفكار الطفولية.

الأخلاق... تُتوارث!

وتأمل ذلك المعلم التربوي الرفيع الذي يؤكد على أن هذا الخلق والسلوك التربوي، يتوارث من جيل إلى جيل، وذلك كما تتوارث الصفات الجسمية والجسدية عن طريق جينات الكروموسومات.

وتدبر المسيرة الدعوية والتربوية للصديق وهو يحتضن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنهما- في مراحل الطريق المختلفة، حيث كانت الخطوة الأولى، وهي مرحلة الهداية والدعوة عندما اختار الصديق -رضي الله عنه- بعد إسلامه قاعدة خماسية ذهبية صلبة تكونت من عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله -رضوان الله عليهم-(1)

ثم كانت مرحلة التفقد والرعاية والتعهد، بل والتشجيع، خاصة في أحلك اللحظات وأدقها، وتدبر ذلك أثناء محنة أحد فيما رواه ابن حيان في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال أبو بكر الصديق لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي ﷺ ... فكنت أول من فاء إلى النبي ﷺ، فرأيت رجلًا يقاتل عنه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي فلم ألبث أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كالطير، حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي ﷺ فإذا طلحة بين يديه جريحًا، فقال النبي: «دونكم أخاكم فقد أوجب»(2).

ثم كانت مرحلة التأريخ والتقدير، وذلك فيما رواه أبو داود الطيالسي عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة، وقال فيه أبو بكر، -رضي الله عنهما أيضًا-:

يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت لك الجنان وبوئت المها العينا (3)

ثم ظلت تلك السلسلة السلوكية الفريدة تتوارث من جيل إلى جيل، وذلك لما حكى كعب بن مالك -رضي الله عنه- قصة محنته، وكيف حفظ الجميل والتقدير لطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- عندما قام ليهنئه بتوبة الله تعالى عليه ولم يقم غيره، «فكان كعب لا ينساها لطلحة» (4). 

وهذا السلوك الراقي لكعب -رضي الله عنه- في تقدير الناس لم يأت من فراغ بل لمسه من الحبيب ﷺ فورثه عنه، وذلك عندما حكى قصة إسلامه فقال: فدخلنا المسجد، فإذا العباس جالس ورسول الله ﷺ معه جالس، فسلمنا ثم جلسنا إليه فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل تعرف هذين الرجلين؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله: الشاعر؟ قال: نعم (5)

لا يسبقنك... الغربيون

وأولى بالدعاة إلى الله، أن يتدبروا تلك المنارات التربوي، وأن يحذروا خطر عدم تقدير الناس، وخطر عدم توارث هذا السلوك الإنساني الرفيع، بل يقبح بهم أن يسبقهم نفر من غير المسلمين، وتدبر ولا تستغرب ما قاله الأديب العالمي الشهير «شكسبير»، على لسان «الملك لير» في رائعة من روائع الأدب العالمي: «ليس أشد إيلامًا من ناب حية رقطاء غير ابن جحود». 

ولكن... كيف بالله يشكر الأبناء ما لم نعودهم نحن الشكر؟ إن الجحود فطر، مثله مثل الأعشاب الفطرية والشكر كالزهرة لا ينبتها إلا الري والسقيا فإذا لم نعود أبناءنا إجزال الشكر للآخرين، فكيف ننتظر منهم أن يشكرونا نحن؟

بل لا نستعجب -ونحن ضالتنا أنى وجدناها فنحن أحق بها- كيف أن العالم الإنساني العالمي المشهور «ديل كارنيجي» في تحفته الإنسانية «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» قد أورد أن هذا السلوك الإنساني، وهو عدم بخس الناس أشياءهم وإسباغ التقدير المخلص على الشخص الآخر، وجعله يشعر بأهميته كأحد القواعد المهمة لكي تحبب الناس إليك، حيث قال: «ثمة مبدأ على جانب عظيم من الأهمية في السلوك الإنساني، لو عملنا به ما وقعنا في المشكلات قط ذلك هو: اجعل الشخص الآخر يحس دائمًا بأهميته، إذ كل رجل تلقاه يكاد يشعر أنه أحسن منك في ناحية ما على الأقل، وليس هناك إلا سبيل واحد يفضي بك إلى قلبه ذلك هو أن تشعره -بطريقة مباشرة- أنك تعترف بأهميته، وأنك تعترف بذلك في إخلاص؟» (6)

بل وقد جعل مبدأ إسباغ الذكر الحسن الذي يقوم على تدعيم الآخر، من الطرق المهمة التي تملك بها زمام الناس دون أن تسيء إليهم أو تستثير عنادهم حيث ذكر هذه المقولة على لسان أحد مديري الشركات في وسع أي إنسان أن ينقاد لك عن طيب خاطر إذا أظهرت له أنك تحترم فيه ولو ضربًا واحدًا من المقدرة، فإذا أردت أن تفيد من شخص في ناحية من النواحي، فما عليك إلا أن تؤكد له أن هذه الناحية بالذات من نواحي القوة فيه؟!» (7)

اعتلالات... تربوية!

بل والعجب العجاب أننا نجد «ظاهرة بخس الناس أشياءهم»، والتي ينتج عنها الكثير من الخلل، قد شانت بعض سلوكيات ذلك الرهط الذي جعل الحق -سبحانه- عودة الخيرية لأمتنا على عاتقه، وهم ورثة الأنبياء، ألا وهم الدعاة إلى الله، والصور اليومية كثيرة، والآثار الناجمة عديدة، أقلها الإحباط والتثبيط وأخطرها الجروح النفسية، ومنها: 

  1. أن البعض يبخل ببعض كلمات التشجيع على ما قدمه الآخر، ولو على سبيل المجاملة، بحجة أن ما قدمه هو واجب عليه ومن بعض ما كلف به! وينسى أن الحق سبحانه قد جعل الجنة جزاءً لمن قام بواجبه الذي كلف به، وأدى وظيفته بحق ألا و لا وهي العبودية لله وحده.
  2. أن البعض يقيم الآخر على أساس آخر عمل قام به، وينسى ما قام به في سابق أيامه بل ويتجاهل تاريخه الدعوي، وينسى ذلك السلوك الراقي الذي قام به الحبيب ﷺ مع ذلك البعير المسكين.
  3. أن البعض يجحد فضل الأعمال المميزة للآخر، وذلك عن تجاهل، أو بحجة أن المديح مذموم شرعًا، وينسى أن الحق سبحانه، قد جعل موازين ثابتة تفاضل بين الناس على أساس تفاضلهم في الأعمال، بل وجعل لأصحاب الأعمال المميزة تقديرًا خاصًا، كأوسمة تزين صدورهم بل ويعرفون بها أمثال أصحاب بيعة العقبة، والبدريين وغيرهم كثير، وكذلك لماذا شرع لنا ذلك الذكر المأثور: «وأحسبه كذلك وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحدًا»؟!
  4. أن البعض قد لا يبخس أعمال الآخر فقط، بل يتعداها -وهذا هو الأخطر- فيبخس الصفات الشخصية الطيبة التي تميزه، وينسى أن هذا السلوك فوق أنه مرض قد استهجنه شعيب -عليه السلام- فهو أيضًا غيبة، وأكل للحوم ميتة. 
  5. أن البعض يبخل ببعض لمسات التقدير، التي لا تكلف شيئًا ولو بكلمات هاتفية قليلة، تدخل السرور على الآخر؟!، وينسى وعده ﷺ من لقي أخاه المسلم بما يحب الله ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة، (8)فكيف تزعم أننا نشارك في صنع فجر أمة، وقد أحدثنا خللًا كونيًّا، بتجاهلنا لهذه السنة الإلهية والعلاج جد بسيط؟!

مفاتيح الفرج

الشكر مفتاح الزيادة

نِعَم الله -تعالى- على العباد متوالية، وعطاؤه دائم لا ينقطع، والعبد -في جميع أحواله- يتقلب في هذه النعم، وينهل من معينها الفياض.

 ولقد جلَّت نعم الخالق -عز وجل- فلا يحاط بها حصر، وعظمت كثرة وتنوعًا فاستعصت على العقول إحصاءً وعدًّا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34). 

وأنى يمكن إحصاؤها وهي مبثوثة في كل ما نحس وندرك، وكل ما نفعل ونذر، نجدها أمامنا، أينما توجهنا، وحيثما تقلبنا ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة: 164) 

في الليل إذا عسعس: موحيًا بحياة ساكنة، هادئة، حالمة، في الصبح إذا تنفس: أنفاس النور والحركة التي تشمل كل كائن حي، وتبعث فيه الهمة والنشاط لاستئناف دورة الحياة. 

في الروض جلله الحيا: فاخضر عشبه ونور، زهره، وأينع ثمره، وطاب جناه، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5). 

في جمال الخلق، وبديع الصنع، وإحكام الترتيب، وروعة الدقة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49) ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (السجدة: 7). 

في تسخير الكائنات وتذليلها للإنسان، لينعم بخيرها، ويسر بجمالها، ومنها يستفيد: ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ (5) وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ (6) وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ (7) وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النحل: ٥-٨). 

في البحر: عذبه الفرات، وملحه الأجاج ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (فاطر: 12). 

في الرياح المرسلات بشرى بين يدي رحمته: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(48) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ(49) فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(50)﴾ (الروم،: ٤٨:٥٠). 

في خطرات النفس تنزع إلى الخير، وخفقان القلب ينبض باليقين، وفي عمل الجوارح خاضعة مطيعة لرب العالمين ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78). 

في المال والبنين، والسكن والاستقرار، والصحب والإخوان والأمن والإيمان والصحة والمعافاة. وهكذا فإننا لو مضينا في السرد والتمثيل لوقف القلم عاجزًا، ولتقطعت به الأسباب، لأن الأمر فوق الحصر، وأكبر من التمثيل ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34). 

واجب الإنسان تجاه نعم الله تعالى: 

جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وشكر أياديه والثناء على عطاياه، والله تعالى المتفضل بكل نعمه أحق بالثناء، وأولى بالشكر، إذ إن النعم جميعها من واسع كرمه وعميم جوده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53). 

ففرض على كل مسلم أن يشكر الله تعالى ويحمده ويثني عليه الثناء الحسن، لما أعطى ووهب. فما هو الشكر؟ ومتى يكون الإنسان شاكرًا؟ 

تنوعت عبارات القوم وتعريفاتهم في تحديد الشكر وتعريفه، ونحن نذكر -هنا- نماذج منأقوالهم. 

الشكر: عرفان الإحسان ونشره، وإظهار النعمة والثناء على المحسن بما أولى من المعروف، وهو كذلك عكوف القلب على محبة المنعم، وجريان اللسان بذكره، وخضوع الجوارح لطاعته، وقيل: الشكر مشاهدة المنة وحفظ الحرمة، وهو ضد الكفران والجحود، الذي هو نسيان النعمة وسترها. 

أسس الشكر: لكل مبنى ومعنى أسس يقوم عليها، وحدود ترسم معالمه وما ينتهي إليه وأسس الشكر وقواعده خمس لخصها صاحب بصائر ذوي التمييز كما يلي: 

  1. خضوع الشاكر للمشكور. 
  2. حبه له. 
  3. الاعتراف بنعمه.
  4. الثناء عليه بما أنعم
  5. استعمال النعمة فيما يحب دون ما يكره

متى يكون الإنسانشاكرًا؟ إذا تحققت في نفس العبد وسلوكه -تجاه نعمة الله عليه- هذه القواعد الخمس، كان شاكرًا لأنعمه عز وجل، ويُقاس مقدار صدقه في شكر الله بمقدار صدقه في تمثل هذه القواعد والتزامه بها.

محمد يوسف الجاهوش

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

107

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

الموت: حقيقة وعظة..!

نشر في العدد 1510

68

السبت 20-يوليو-2002

رجومًا للشياطين