العنوان العقل وحده لا يكفي
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 66
السبت 21-يناير-2006
ها هم طلائع المفكرين الغربيين عبر العقود الأخيرة من هذا القرن يعلنون بعد رحلة طويلة مع المادية والإلحاد، أن العقل وحده لا يمنح الإنسان القدرة على فهم تكوينه المعقد والسيطرة عليه، والتعامل الإيجابي الفعال مع نسيجه الفذ، ومن ثم لا بد من منهج أكثر شمولًا، يضع إلى جانب العقل طاقات الإنسان الأخرى. ولئن كان بإمكان العقل أن يسعى للكشف عن غوامض الطبيعة وأسرارها، ومن ثم السيطرة على عالمه الخارجي، فلئن الله خلقه هكذا. أما الكشف عن أسرار الإنسان نفسه وغوامضه الروحية المعقدة المتشابكة، الإنسان الذي هو أداة التغيير الحضاري، فلن يكون العقل وحده، وهو جزء فحسب من الإنسان، بقادر على تحقيقه. ولابد إذن من قوة علوية تشرف على الإنسان من فوق، وتمنحه المنهج المتوازن الشامل الذي يتعامل به مع تكوينه البشري الصعب.
ها هو أحد هؤلاء الغربيين، كولن ولسون المفكر والأديب الإنكليزي المعروف، يضرب في اليم حتى المنتصف بحثًا عن المنهج، لكنه لا يصل الساحل أبدًا، لأن عقيدته الوجودية التي ينادي بها لا يمكن أن تكون ذلك المنهج.. يقول الرجل لقد فشل إنسان العقل في إدراك أهم الحقائق الخاصة بالإنسان. إن العقل والمنطق قد يمنحان الإنسان القوة للسيطرة على عالمه الخارجي، ولكنهما لا يمنحانه القوة للسيطرة على نفسه. إنهما يجعلانه دكتاتورًا وليس عبقريًا. ولكن أي شاعر يعرف أن التجربة العاطفية هي التي تقرر قيمة الإنسان الحقيقية، تلك المدركات العميقة في صميم الكيان الإنساني هي التي تمنح الإنسان السيادة على نفسه ومن ثم على العالم!!
أما الإنسان الذي تقتصر حياته العقلية على التفكير في المنطق والعلم، فإنه إنسان وسط وحسب. وهذا الإنسان يصبح شيئًا فشيئًا متحجرًا عقليًا. فهو إذ أنفق حياته مركزا انتباهه على الطبيعة وقوانينها فإنه لن يكتشف المناطق الغريبة في ذاته.. ولا يعني هذا أن العلم عديم الجدوى، بالعكس فإن العلم يعتبر أعظم أداة توصل إليها الإنسان من أجل التفتح. إن العلم يعني تنظيم المعرفة وحشدها والتغلب عليها. والشيء الذي أؤكد عليه هنا هو أن المعرفة الطبيعية المعرفة التي تعنى بها الفيزياء والرياضيات، هي جزء من المعرفة الحقيقية وحسب... وينتهي كولن ولسون إلى ما أكد عليه باستمرار من ضرورة جعل المعرفة والإدراك تجارب حية معيشة، فاعلية تربوية شاملة من أجل أن تصل بالإنسان إلى مزيد من النضج والحكمة. يقول: إن الحكمة - أي النضج - تتمثل في تزايد ضبط الإنسان لتجربته العاطفية، في قابليته الكف عن التأثر بتجربة عاطفية ليركز مشاعره على تجربة أخرى. وهنالك عدد كبير من التجارب العاطفية المتكررة التي لا تعلمنا شيئا جديدا الغيرة، العصبية، الخوف.. وكلما نضج الإنسان سهل عليه التغلب على هذه التجارب. أما التجارب الأكثر أهمية فإنها هي التي يجب أن تحظى بالانتباه.. وحين يتحرر الإنسان من التافه والمباشر يغرق في عالم يتميز بتحسس جديد وباكتشاف ذاتي جديد. وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة التربية المعنى الذي هو أعمق المعاني جميعا... لذا فإن المادية بكل صورها ميتة إلى هذا الحد.. إن اللامنتمي يجب أن يحارب نماذج التفكير الحضاري.
إن الرجل يؤكد هنا أن سوية الإنسان وقدرته في السيطرة على نفسه وعلى العالم من حوله لن تتحقق بالعقل وحده.. أو بالعلم الذي لا يتجاوز نطاق المادة.. ولكن بتربية شمولية تعنى بمناحي الكينونة الإنسانية كافة العقل والروح والحس والجسد.. ومن خلال تربية كهذه يمكن نقل الإنسان إلى مرحلة الحكمة.
هنالك حيث التمكن من التجربة البشرية.. والتوازن بين كافة مكونات الإنسان.. والتوحد السعيد.. وأنها للحكمة التي حدثنا عنها كتاب الله وقال ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: 269» هذا هو الذي يميز المنهج الإلهي المتمثل بالدين عن مناهج الوضعيين الذين يعانون من النسبية والتجزيئية والمحدودية، ويقودون الناس دائما إلى الطرق المسدودة والتجارب المترعة بالتمزق والفساد والعذاب.. ولكنهم يظلون على ادعاءاتهم الفارغة حتى يأتي من يصرخ في وجوههم ويدلهم على نقاط ضعفهم، وعلى المساحات الواسعة من التجربة البشرية التي لا يقدرون على التجوال فيها وإذا فعلوا أفسدوها..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل