; العقيدة وخبر الواحد | مجلة المجتمع

العنوان العقيدة وخبر الواحد

الكاتب الدكتور محمد حسن هيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1983

مشاهدات 52

نشر في العدد 625

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 14-يونيو-1983

يتوهم بعض الناس أننا حينما نتكلم في مسائل العلم إنما نرد عليهم، وهذه أوهام وأحلام.

إننا حينما نتكلم في مسائل العلم إنما نبتغي وجه الله في بيان الحق وإزهاق الباطل، وهتك براقع الزيف والضلال.

إننا حينما نتكلم في مسائل العلم لا نريد الدفاع عن الأشخاص وتقديسهم؛ إذ كان هذا يتنافى مع منهجنا في الدعوة إلى الله؛ لأننا نعرف الرجال بالحق، ولا نعرف الحق بالرجال، وأما معرفة الحق بالرجال فهو منهج جاهلي طمست معالم إيماننا آثاره ودرستها، وأما الواهمون فإنا لا نلقي لهم بالًا.

نتمثل قول الشاعر:

عذرت البذل إذ هي خاطرتني         

فما بالي وبال ابني لبون؟

وقول الشاعر:

وابن اللبون إذا ما كز في قرن     

لم يستطع صولة البذل القناعيس

لقد هجا بشار بن برد جريرًا طمعًا في أن يرد عليه، ويدخل حلبة الصراع مع الفحول الثلاثة، فلم يأبه له جرير، ولم يرد عليه، فبكى بشار، فقيل له: ما يبكيك يا أبا معاذ؟ فقال: عدم هجاء جرير لي، فإنه لو هجاني لصيرني أشعر الناس.

إن الذي أريد أن أتكلم فيه اليوم هو خبر الواحد وحجيته في العمل والاعتقاد، على ما جرى عليه سلف الأمة وخلفها.

وإن الذي دفعني لهذا مع أنه من المسلمات هو خوض الجهلة وأنصاف المتعلمين فيه بما يؤدي إلى الطعن في أئمة المسلمين، على عادتهم في الفهم الخاطئ الناتج عن الجهل بمرامي الكلام ومدلولاته.

إنه مما لا مراء فيه ولا جدال أن خبر الواحد حجة يجب العمل به في كل ما ورد فيه، وهذا أصل من أصول عقيدتنا وشريعتنا. ولقد بذل إمامنا الشافعي -رضي الله عنه وأرضاه- كما بذل غيره من الأئمة، أكبر الجهد في نصرة خبر الواحد والاحتجاج به، حتى لقب في بغداد بـ«ناصر الحديث» فصنف فيه بحوثًا طويلة مستجاده تناقلتها من بعده الأجيال.

وعلى هذا المنهج سار كل من ألف من أئمة المسلمين من المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين سلفًا وخلفًا، قديمًا وحديثًا، وكثرت فيه المصنفات.

وهذا من البديهيات التي لا تحتاج اليوم إلى إعادة نظر وتصنيف، ولكن العجب كل العجب أن نجد بعض المتفيهقين من أهل العصر ينقلون هذا الكلام عن الأئمة، ومن مصنفاتهم، ثم بعد ذلك يصولون ويجولون ويتشدقون أمام العامة بأنهم نصروا خبر الواحد، وكأن الأمة كانت ضده، على عادتهم في كل ما يأتون به من علوم الأقدمين.

ولیت الأمر وقف عن هذا الحد إذن لهان الأمر ولقلنا: إنهم كالأطفال عندما يتعلمون مسألة من العلم يرددونها أمام العامة والخاصة ظنًّا منهم بأنه لا يعرفها أحد سواهم.. لضيق أفقهم، وسذاجة تفكيرهم.

ولكن الأمر تجاوز هذا عندما وجدناهم قد فهموا كلام أولئك الأئمة العظماء على غير مرادهم، وعلى غير مراد القواعد العلمية التي يجهلونها، ومن ثم خرجوا على العامة بالعجائب، فاتهموا سلف هذه الأمة وعلماءها بأنهم يردون خبر الواحد في العقيدة، وهذا يتنافى مع الإسلام، وتلقف العامة كلامهم بالتسليم، لما فيه من التمويه والتدليس، وليس الأمر في الحقيقة إلا الجهل بمراد العلماء ومصطلحاتهم.

نعم.. لقد قال جمهور علماء الأمة من السلف والخلف: إن خبر الواحد لا تثبت به العقيدة.

ولكن.. ما مراد أولئك الأئمة من هذا القول الذي زلت به قدم أولئك المتفيهقين من جهلة العصر؟

وللجواب على هذا أقول:

لقد انقسم العلماء في تحديد معنى العقيدة؛ فمنهم من ذهب إلى أن المراد بها ما يجب اعتقاده، مما يميز الكفر عن الإيمان، فمعتقده يكون مؤمنًا، وجاحده يكون كافرًا.

وما كان كذلك لا يمكن أن يكون إلا عن علم، وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل.

وهذا لا يتوافر إلا في الخبر المقطوع به كالقرآن والخبر المتواتر، فإذا ما جاء الخبر المقطوع به أثبتنا به العقيدة، وكفرنا منكره، ومنكر أي أمر ثبت به، لأنه منكر لمعلوم ثبت بالدليل القطعي.

وأما أخبار الآحاد فلا تفيد إلا الظن عند الجماهير، وبناء على ذلك لا يمكننا أن نثبت بها العقيدة على الاصطلاح المتقدم، لأنها لا تفيد العلم والقطع، ولا يكفر جاحدها بالاتفاق، ونحن خصصنا العقيدة بالقطعي وبما يكفر جاحده.

ولكن هل معنى هذا أننا نرد أخبار الآحاد ولا نعتقد مضمونها؟ الجواب: لا.

إن ما ورد من أخبار الآحاد في شأن العقيدة، كعذاب القبر، وسؤال الملكين، والعذاب والنعيم فيه، والقيامة الصغرى، وأشراط الساعة، وخروج المهدي، والحوض، والصراط، وأوصاف جهنم، والشفاعة، ودخول الموحدين الجنة، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي شحنت بها كتب العقيدة عند الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة- إن ما ورد من هذه الأخبار يجب الإيمان به، ويفسق جاحده؛ لأنه خبر واحد يجب العمل بمقتضاه، والإيمان بمضمونه، إلا أننا لا نسميه عقيدة ولا نحكم بكفر جاحده أو مُؤَوِّلِه؛ لأنه لم يذكر شيئًا من العقيدة الثابتة بالقواطع، بل نحكم عليه بالإثم والفسق والعصيان.

وبناء على ذلك لم نكفر المعتزلة في إنكارهم لكثير من المغيبات وتأويلها، مما ثبت بدليل ظني، وإنما حكمنا عليه بالفسق والعصيان.

ومن هذا يظهر لنا أنهم عندما يقولون: هذا خبر واحد لا يعمل به في العقيدة، ليس مرادهم إبطال العمل به، ونفي الإيمان بما ورد بمضمونه؛ وإنما مرادهم أنه لا تثبت به العقيدة التي يكفر جاحدها، والتي تتطلب القواطع لا الظنون.

ولا أظن أن أحدًا يخالف في هذا، حتى الذين ذهبوا إلى أن خبر الواحد يفيد العلم، وإلا لحكموا على مخالفيهم بالكفر، وهذا شيء لم يقل به أحد.

وهذا نظير لما ذهب إليه الأصوليون من الحنفية إذ فرقوا بين الفرض والواجب فقالوا: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، ويكفر جاحده، والواجب ما ثبت بدليل ظني، ولا يكفر جاحده بل يأثم ويفسق، مع وجوب العمل بمقتضى الفرض والواجب، والمعصية بترك العمل بمقتضاهما. وكأنهم قالوا: الفرض لا يثبت بخبر الواحد المفيد للظن، أو هذا خبر واحد لا يثبت به الفرض.

إلا أنهم يوجبون العمل بمقتضاه، ويثبتون به الواجب، ويفسقون جاحده، فما الفرق بين قول علماء الأصول هذا، وبين قول علماء التوحيد ذاك؟ لا فرق.

وأما الفريق الثاني من العلماء فقد جعلوا العقيدة هي كل ما يجب اعتقاده، سواء أكان يكفر جاحده أم لا، وسواء أكان ثابتًا بعلم أم بظن.

وبناء على ذلك فهم لا يميزون بين خبر الواحد، وغيره من الأخبار المفيدة للقطع، كالقرآن والحديث المتواتر، ويقبلون الجميع في العقيدة، ولهذا الاصطلاح الخاص بهم أيضًا.

إلا أنهم يميزون بين ما يجب اعتقاده؛ فبعضه يكفر جاحده، وهو ما ثبت بدليل قطعي، وبعضه لا يكفر جاحده، وإنما يأثم ويفسق فقط، وهو ما ثبت بدليل ظني.

وهذا نظير لما ذهب إليه جمهور علماء الأصول من عدم التمييز بين الفرض والواجب؛ إذ قالوا: هما سواء، وهما ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه عمدًا، سواء أثبتا بدليل ظني أو قطعي.

إلا أنهم ميزوا بين الواجب الذي ثبت بدليل قطعي، فحكموا بكفر جاحده، والواجب الذي ثبت بدليل ظني فحكموا بفسق جاحده.

فالخلاف آيل إلى العبارة في اللفظ والتسمية، لا في الحقيقة والجوهر، ولا مشاحة في الاصطلاحات.

وخلاصة الكلام أن الأمة قد اتفقت سلفًا وخلفًا على أن خبر الواحد يجب العمل به واعتقاد مضمونه.

إلا أن الخلاف فيما يسمى عقيدة، فمن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يكفر جاحده قال: هذا لا يثبت إلا بما يفيد القطع، وأما ما ثبت بما يفيد الظن فلا يسمى عقيدة، ولكن يجب الإيمان بمضمونه، وعصى جاحده واستحق العذاب، إلا أنه لا يكفر.

ومن ذهب إلى أن العقيدة هي ما يجب اعتقاده سواء أثبت بخبر الواحد المظنون، أم بالخبر المتواتر المفيد للعلم، قال: إن خبر الواحد ثبتت به العقيدة كالمتواتر، إلا أن بعض هذه المعتقدات يكفر جاحده وهي ما ثبت بدليل قاطع، وبعضها يعصي جاحده ولا يكفر، وهي ما ثبت بدليل ظني. أو بعد هذا يقال: إن العلماء يردون خبر الواحد في العقيدة؟!

إني لا أظن أن قائل مثل هذا إلا رجلًا قرأ عبارة العلماء، فلم يفهمها على مرادهم ومراد القواعد العلمية، وإنما فهمها على مراد عقله القاصر، ثم راح يذم العلماء، لا لأنهم أخطأوا، وإنما لأنه لم يفهم كلامهم.

وما مثل من يفعل هذا إلا كمثل الأعمش ينظر وجهه في المرآة، فلا يراه وسيمًا مضيئًا، وإنما يراه مشوهًا قبيحًا، فيرجع بالشتم واللعن على المرآة، ولو عقل وأنصف لأصلح عينيه. فهو بعمشه يظن أن العيب في المرآة، وكل من حوله يرى أن العيب فيه.

إن من أعجب العجب أن يكتب أحدهم في هذا الموضوع بخصوصه ليدل على سوء فهمه وفساد طويته، ثم يمثل في خاتمة مقاله بمثال لرد بعض الفقهاء للحديث، فيزعم أن الحنفية قد رووا خبر الواحد في الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة.

وليته عقل أولًا وعلم أنه لا علاقة لهذا الموضوع بموضوع العقيدة وخبر الواحد؛ لأن القراءة وعدمها من العمل لا من العقيدة.

وثانيًا: ليته رحم نفسه ونظر في أي كتاب من كتب أصول الفقه عند الحنفية والجمهور قبل أن يتكلم، إذن لوجد نفسه مفتريًا على الحنفية بجهله وسوء فهمه؛ وذلك أن الحنفية ذهبوا إلى التمييز بين الفرض والواجب على ما ذكرناه قبل قليل، فمثلوا للفرض الذي يكفر جاحده بمطلق القراءة في الصلاة، ومثلوا للواجب -الذي يعصي تاركه ويستحق العقاب ويوصف بالفسق- بقراءة الفاتحة بخصوصها في الصلاة.

فالفاتحة عند الحنفية واجبة في الصلاة، يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، لما ورد فيها من الأحاديث الصحيحة، ولكنه لا يحكم بكفر تاركها لأنها لم تثبت بدليل قاطع، على ما بيناه من الاصطلاح.

فأين إنكار الحنفية لخبر الواحد في قراءة الفاتحة في الصلاة؟ أليس هذا تجنيًا على الحنفية وكذبًا؟ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).

إن أمة العلم اليوم هي أنصاف المتعلمين، الذين يقرأون الكلام فيفهمونه معكوسًا كعقولهم المعكوسة، ومن ثم يذهبون للطعن في العلماء والعظماء.

ولقد قال كليلة لدمنة وهو يعظه: واعلم يا دمنة أن العقلاء مازالوا قديمًا وحديثًا يكلون الأمور لأربابها، فلكل مقام مقال، ولكن فن رجال، وأن من خاض في فن غير فنه أتى بالعجائب؛ وذلك أن العقل إذا فرغ من قاعدة الاستنباط والاستنتاج، وقصر عن رتبة الفهم والإدراك، ثم أقحم نفسه فيما لا يحسنه، خرج بجهل مركب من جهلين، وما مثل هذا إلا كمثل الأرنب الخرقاء مع العلماء.

قال دمنة: وكيف كان ذلك؟

قال: زعموا أن الأرنب الخرقاء دبت إلى مجالس علماء الكون والفلك، فسمعتهم يتحدثون عن السدم والمذبات في السماء وأنهم يقولون: لو أن واحدًا من هذه المذنبات ضرب الأرض بذنبه لجعلها هباءً منثورًا بين السماء والأرض، ففهمت من كلامهم أنهم يتهكمون بذوات الأذناب، وأنهم جهلة لا دراية لهم بحقيقتها، فتظاهرت بزي العلماء، وتجملت بمنطقهم، ثم قالت لهم: «ما أجهلكم أيها العلماء، إنكم تزعمون أن ذوات الأذناب في عداء مع الأرض، وأنها تريد دمارها، والحقيقة على خلاف ما توهمتم؛ وذلك أن الأرض مازالت تعيش بخير مع ذوات الأذناب منذ ملايين السنين، ولتدلل على صدق كلامها، وخطأ كلامهم أخرجت لهم ذنبها؟!

لقد سمعت السيدة عائشة أبا سلمة بن عبدالرحمن يتكلم في مسألة من مسائل العلم، فقالت له: «إنك كالفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها». تريد أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له إن شاء الله.

فلو أن بعض أولئك المتفيهقين اقتصر على النظر في فهارس الحديث دون الاستنباط منها، والكلام عليها، لاستفاد وأفاد، وكان خيرًا له من الخوض فيما دونه خرط القتاد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

223

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

في الكواكب التسع سرُّ أكبر

نشر في العدد 217

149

الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

درس من عائشة

نشر في العدد 290

75

الثلاثاء 09-مارس-1976

من شذرات القلم...