العنوان العلاقات السوفياتية اليهودية حقائق وأرقام
الكاتب أحمد طرابلسى
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989
مشاهدات 56
نشر في العدد 919
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 06-يونيو-1989
- رئيس الوكالة اليهودية سمحا دينيس: 50 ألف يهودي سيغادرون الإتحاد السوفياتي خلال عام 1989 و 9647 غادروا الإتحاد السوفياتي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.
يبدو أن الصلات والأواصر التي كانت تربط في الماضي بين الإتحاد السوفياتي و«إسرائيل»، والتي جعلت من روسيا أول دولة تعترف بهذا الكيان الدخيل بعد ثمان وأربعين ساعة من إعلانه، قد انتقلت من مرحلة الكتمان و«الخجل» في الإفصاح عن خفاياها، إلى مرحلة العلنية والمكاشفة، مصاحبة كما يبدو لسياسية البرويستريكا التي ينتهجها الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشيف منذ تسلقه إلى أعلى سدة في السلطة السوفياتية.
- الغزل السوفياتي- اليهودي
الراصد للخط البياني الذي سارت عليه العلاقات السوفياتية- اليهودية منذ الإعلان عن النهج الجديد للقيادة السوفياتية، يمكنه أن يسجل عدة منعطفات هامة تشكل في مجموعها مؤاشرات ذات دلالة حول التغيير السياسي والاستراتيجي الذي ينتظر منطقة الشرق الأوسط وأحداثها وخاصة القضية الفلسطينية.
ويمكن حصر هذه المنعطفات بالنقاط التالية:
1- اللقاء الهام الذي عقد بين وزيري خارجية الإتحاد السوفياتي والكيان الصهيوني في القاهرة في شهر شباط «فبراير» الماضي، والذي ذكر فيه غينادي غياسيموف الناطق بلسان الخارجية السوفياتية إنه تم الإتفاق على عقد لقاء بين خبراء سوفيات وإسرائيليين، لبحث النقاط العالقة، وأعرب عن إجماع الوزيرين على رأي واحد لجهة ضرورة متابعة الاتصالات بهدف البحث عن السبل الآيلة إلى التسوية في الشرق الأوسط.
ويذكر أن هذا الاجتماع جاء ضمن سلسلة من اللقاءات بين الجانبين عقد معظمها في نيويورك.
2- إصدار قرار سوفياتي بحل لجنة مناهضة الصهيونية، والتي كان يرأسها الجنرال رداغونسكي «وهو يهودي حائز على ألقاب رسمية» وفي الوقت الذي كان فيه غورباتشيف يزور نيويورك في كانون الأول «ديسمبر» الماضي أذاع المؤتمر اليهودي العالمي نص رسالة وجهها نائب رئيس اللجنة السوفياتية لمناهضة الصهيونية صموئيل زيف إلى اثنين من قادة اليهود الأمريكيين يقول فيها: «أؤكد لكم أن اللجنة التي أعمل نائبًا لرئيسها ستحل قريبًا قبل نهاية هذا العام «1989»، وأريد أن أضيف أيضًا أن نشاطات اللجنة لم يكن الهدف منها معاداة السامية كما فهم منها ويا للأسف».
ويذكر أن هذه اللجنة تأسست قبل خمسة أعوام، وتعرف باسم «لجنة الرأي العام السوفياتي لمناهضة الصهيونية»، ويشكل اليهود غالبية أعضائها، غير أن نشاطاتها بقيت محدودة منذ تأسيسها حتى تاريخ حلها، حيث لم تعقد في العام الماضي سوى اجتماع واحد.
3- إقدام مجلس السوفيات الأعلى على منح وسام «ثورة 14 أكتوبر» لعضو الكنيست الصهيوني «مائير فلينر» بمناسبة بلوغه سن السبعين، وقد قام بتقليده هذا الوسام ممثل الإتحاد السوفياتي في الكيان الصهيوني وجاء في قرار مجلس السوفيات الأعلى بهذا الشأن، والذي وقع عليه غورباتشيف أنه تقرر منح فلينر هذا الوسام لدوره ونشاطه من أجل السلام في الشرق الأوسط «....».
4- التلويح السوفياتي بإمكانية التفاوض بشأن إعادة فتح المبنى الذي كان يضم سفارة «إسرائيل» حتى عام «1967» حيث أشار المتحدث باسم الخارجية السوفياتية غيراسيموف في أول مقابلة يجريها مسؤول سوفياتي رسمي مع التلفزيون الإسرائيلي، إلى إمكانية في فتح السفارة وتسليمها إلى الوفد القنصلي الإسرائيلي.
5- محاولات موسكو كسب ود القوى اليهودية في العالم، عن طريق السماح بافتتاح مركز ثقافي لليهود السوفيات في العاصمة موسكو، في الثالث عشر من شهر شباط «فبراير» الماضي، وقد حضر حفل الافتتاح مائة شخصية يهودية جاءوا من مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى ممثلين عن اليهود السوفيات، وقد شارك في الحفل سفيرا الولايات المتحدة وبريطانيا، ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي «إدجار برونجمان» ونائبه «اسي لايبلر» وحضره من الجانب السوفياتي وزيرا الثقافة والخارجية.
ويهدف هذا المركز إلى تعليم اللغة العبرية، وإحياء التراث اليهودي في التاريخ والفنون والموسيقي.
وخلال حفل الافتتاح وجه رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ادجار برونجمان شكره إلى غورباتشيف ووزير خارجيته شيفارنادزه نظرًا لجهودهما المتميزة لإقامة هذا المركز، الذي تمنى أن يكون له فروع في كل أنحاء الإتحاد السوفياتي وامتدح برونجمان سياسة موسكو التي أدت إلى ارتفاع حاد في عدد اليهود المسموح لهم بالهجرة من الإتحاد السوفياتي، وبالفرص الجديدة المتاحة لليهود السوفيات للمارسة شعائرهم الدينية.
ويذكر أن حفل افتتاح هذا المركز الذي يحمل اسم غورباتشيف نفسه، قد أحيط بقدر كبير من السرية، وتمت حراسته بواسطة قوات خاصة وعملاء المخابرات السوفياتية «الكي جي بي» ومنع الدخول إليه إلا بواسطة بطاقات دعوة خاصة.
6- مؤاشرات عديدة أخرى تتمثل في إقدام موسكو على وقف التشويش على الإذاعات الدولية لراديو «إسرائيل» منذ كانون الأول «ديسمبر» الماضي، والسماح لمغني البوب السوفياتي بوغاتشيفا بزيارة تل أبيب في الخريف الماضي وإحياء حفلات فيها، وإقامة مباراة بكرة السلة بين نادي إسرائيل وناد للجيش السوفياتي في شهر كانون الثاني «يناير» الماضي، استغلها اليهود السوفيات لإعلان تأييدهم «لإسرائيل» حيث لوحوا بالأعلام الإسرائيلية وغنوا أغاني باللغة العبرية، والإفراج عن سياسي سوفياتي سابق هو «بولي أيد لشتاين» والسماح له بالهجرة إلى تل أبيب، ومنح الفرصة «لإسرائيل» للمشاركة في مسابقة ملكة جمال عام «1989» الدولية، التي أقيمت في كانون الثاني «يناير» الماضي.
ولا يمكن بحال من الأحوال إغفال البعد السياسي لهذه التطورات، وعلاقتها بمحاولات موسكو أخذ دور جديد في قضية نزاع الشرق الأوسط والانفراج السائد في العلاقات الأمريكية السوفياتية.
- الهجرة اليهودية والوجه الآخر للعلاقة
تشكل عمليات الهجرة اليهودية من الإتحاد السوفياتي إلى الكيان الصهيوني وغيره من بلدان أوروبا وأمريكا محور العلاقة القائمة بين موسكو من جانب، وكل من الولايات و«إسرائيل» من جانب آخر.
ويحاول اللوبي اليهودي في أمريكا الضغط على الكونغرس الأمريكي لمحاولة الربط بين الصادرات الأمريكية إلى الإتحاد السوفياتي وبين السماح بهجرة اليهود السوفيات, وأبدى الرئيس الأمريكي رونالد ريغان خلال زيارته لموسكو العام الماضي حماسًا منقطع النظير للدفاع عن حقوق المنشقين السوفيات من اليهود، وحاول جهده التركيز على الموضوع ليطغى على المباحثات السوفياتية- الأمريكية، ويبدو كأنه الحدث الأهم على اعتبار أن واشنطن تدعي زعامتها للعالم الحر ودفاعها عن حقوق الإنسان، مما أزعج القيادة السوفياتية، وفرض على غورباتشيف التدخل المباشر لتغيير مسار الأحداث، وعدم ترك الملعب لريغان وحده.
ورغم ذلك فإن القيادة السوفياتية الحالية تبدو وكأنها متشجعة لإطلاق العنان لمسألة الهجرة اليهودية من بلادها، ومحاولة الفصم بينها وبين سياستها حيال الشرق الأوسط حيث اعتبرها وزير خارجية روسيا الإتحادية فينوغرادوف قضية تتعلق بحقوق الإنسان «...» واعتبر التخوف العربي من مسألة الهجرة «مبالغ فيه».
والغريب أن الدستور السوفياتي لا يقر بنظام ازدواج الجنسية، ومع أن المهاجرين اليهود إلى الكيان الصهيوني يمارسون حقوقهم كمواطنين إسرائيليين، فإن الحكومة السوفياتية تسمح لهم بالاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية واعتبارهم مواطنين سوفيات. وفي محاولة قراءة أرقام الهجرة اليهودية من الإتحاد السوفياتي يمكن التوصل إلى تفسير واقعي لما يحدث بين موسكو وتل أبيب، واعتبار ذلك أكثر من مجرد «رغبة في بناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة».
ففي تصريح لراديو العدو يعترف رئيس شعبة الهجرة في الوكالة اليهودية «أوري غوردون» أن حوالي «280» ألف يهودي هاجروا من الإتحاد السوفياتي منذ أوائل السبعينات.
ويقر المسؤول الصهيوني أن «170» ألفا من هؤلاء قد هاجروا فقط إلى «إسرائيل»، واعتبر أن مساهمة المهاجرين من الإتحاد السوفياتي في مجالات الاقتصاد والعلوم والثقافة في الكيان الصهيوني هي مساهمة حاسمة.
وأوضح إنه خلال عام «1988» كان من بين المهاجرين في سن العمل «51» بالمائة من الباحثين والمهندسين والأطباء، وأن اليهود المهاجرين من الإتحاد السوفياتي يشكلون حاليًا «16» بالمائة من مجموع المهندسين في كيانه و«20» بالمائة من الأطباء، و«10» بالمائة من الممرضات.
أما رئيس الوكالة اليهودية «سمحا دينيس» فقد ذكر أن «50» ألف يهودي سوفياتي سيغادرون الإتحاد السوفياتي خلال عام «1989» وإن قسما كبيرًا من هؤلاء سيصل إلى «إسرائيل»، وأضاف أن «9647» يهوديًا غادروا الإتحاد السوفياتي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.
وأوضحت الوكالة اليهودية أن الهجرة اليهودية من الإتحاد السوفياتي ارتفعت بنسبة «413%» مقارنة مع العام الماضي.
وحسب اعتراف صحيفة جيروزالم بوست الصهيونية فإن موسكو على استعداد للسماح بهجرة حوالي خمسين ألف يهودي سنويًا.
ولضمان هجرة هؤلاء إلى الكيان الصهيوني فإن طائرات إسرائيلية- حسبما ذكرت مصادر دبلوماسية في بوخارست- تقوم برحلات جوية تتراوح بين خمس وثماني رحلات يومية من الإتحاد السوفياتي «لإسرائيل»، لنقل ألف يهودي سوفياتي إلى تل أبيب عبر مطار بوخارست خلافًا لما هو معلن من الجانب السوفياتي.
وقالت المصادر: إن مبالغ مالية تدفع بالدولار عن كل مهاجر للحكومة الرومانية، مشيرة إلى أن هذه الرحلات تتبع خطأ إجباريًا هو «موسكو- بوخارست- تل أبيب».
وبلغ عدد المهاجرين اليهود من الإتحاد السوفياتي خلال عام «1988» وحده ما مجموعه «20082» مهاجرًا، حسب أرقام اللجنة الحكومية للهجرة في جنيف.
فيما بلغ عدد هؤلاء في شهر كانون الأول الماضي «3510» مهاجرًا، وانخفض العدد في شهر كانون الثاني إى «2616» مهاجرًا يهوديًا، ثم وصل العدد إلى «2425» مهاجرًا في شهر شباط، ولكن شهر آذار شهد ارتفاعًا حادًا في أعداد المهاجرين، حيث بلغ عددهم «4240» مهاجرًا.
ولكن الحقيقة الماثلة للعيان أن الانتفاضة المباركة حالت حتى الآن دون أن يختار الكثير من هؤلاء الهجرة إلى الكيان الصهيوني على الرغم من محاولات الضغط عليهم وإجبارهم على ذلك.
حيث تشير الأرقام إلى إنه من أصل «6126» مهاجرًا يهوديًا من الإتحاد السوفياتي خلال شهري كانون الأول والثاني الماضيين، وصل إلى الكيان الصهوني «222» مهاجرًا من هؤلاء فقط، فيما بدأت تنشط الهجرة العكسية من الأراضي المحتلة إلى الخارج، فقد تجاوز عدد اليهود الذي تركوا فلسطين المحتلة خلال عام «1988» ما مجموعه «12» ألف شخص بزيادة قدرها «2600» شخص عن عام «1983».
ولوحظ أن نسبة كبيرة من هؤلاء هم من الجنود الذين خدموا لفترات طويلة في الأراضي المحتلة، ثم أحيلوا للاحتياط، وكذلك من أبناء الكبيوتسات، وهي من أقوى الأجهزة الاستيطانية في الكيان الصهيوني.
- الأبعاد المتوقعة للتطورات الحالية:
إن محاولة متأنية لاستقراء تلك المؤشرات التي سبق ذكرها تدلل على النوايا التي يحملها غورباتشيف والتي يعتزم في ضوئها رسم سياسته الجديدة في المنطقة، آخذًا بعين الاعتبار مصالح بلاده المتعددة والتي لم تعد ترتبط بدول معينة، أو محصورة في نطاق أيديولوجية نظامه الضيقة الأفق.
وينوي غورباتشيف في خططه المستقبلية التخلي عن الالتزامات المكلفة وغير المنتجة التي كبلت الإتحاد السوفياتي في السابق، وبخاصة حيال دول العالم الثالث، وبعض دول الشرق الأوسط التي تلتزم بشكل أو بآخر بالخط السوفياتي، وفي مقدمتها سورية التي بدأت تعاني بشكل واضح من سياسة الانفتاح التي ينتهجها الرئيس السوفياتي، حيث يعتبر البعض أن السوفيات لعبوا دورًا كبيرًا في اختيار منظمة التحرير لنهجها الحالي المؤيد للحوار، وهو ما يعني إبعاد سورية عن فرض نفوذها على سياسة المنظمة، إضافة إلى عدم قدرة موسكو الاستمرار في دعم حلفائها بالأسلحة والمعونات في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوفياتي من إخفاق بنيوي كبير.
إن تطور العلاقات السوفياتية- اليهودية بهذه الصورة الفاضحة، يشكل إحراجًا كبيرًا لأولئك العرب الذين استمروا طويلًا يراهنون على انحياز روسيا لصالحهم في وقت كانت فيه موسكو تلعب لعبة مزدوجة على أكثر من صعيد.
والآن يحاول كتاب اليسار العلماني التمويه على الدور السوفياتي في المنطقة، واعتبار سلوك موسكو حيال الهجرة اليهودية ينطوي تحت ضغط الإدارة الأمريكية في وقت تحتاج فيه القيادة السوفياتية إلى فرصة معينة لإعادة بناء قدراتها.
ومهما سبق من مبررات، فإن على الدول العربية والإسلامية أن تدرك أن اعتمادها على ذاتها وإيمانها كفيل بحصولها على حقوقها المغتصبة بعيدًا عن الانحياز إلى أي من الأطراف الكبرى التي تهمها مصالحها بالدرجة الأولى، وهو ما تعبر عنه سياسة غورباتشيف الحالية بصورة واضحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل