; العمل بالنية | مجلة المجتمع

العنوان العمل بالنية

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005

مشاهدات 79

نشر في العدد 1673

نشر في الصفحة 48

السبت 15-أكتوبر-2005

جمعتها وإياها غرفة الانتظار بعيادة أحد الأطباء وجذبها إليها ما لا تعلمه وقد كان معها بعض أوراق تختلي بها وتغيب عن كل من حولها، وعلى حين غفلة من نفسها، إذ هي تنظر إليها بود عينها فلا تدري الداعية إلا وثغرها لها مبتسم. وتكرر الأمر حتى بادلتها الفتاة البسمة، وانحنت قليلًا برأسها تحييها، استأذنت الداعية من أوراقها حين جلست الفتاة بجانبها، وأخذت كل اهتمامها.

ممشوقة القوام، ترتدي كل ما يساعد جسدها على وصف معالمه، شعرها مسدول يفصح عن يد خبيرة قد نسقت خصلاته سألتها عن اسمها، أجابت لكن إجابتها لم تجب عن أسئلة خواطر الداعية، صمتت قليلًا، ثم سألتها عن دراستها وأين تقطن، وعن اسم والدها وعلامة الاستفهام مازالت تطل على الداعية برأسها، حتى سقطت مفاتيح سيارتها، فانحنت قليلًا لالتقاطها، فتدلى سلسال من صدرها مكتوب عليه «سبحان ربي» ومكتوب به لفظ الجلالة الذي ظهر جليًّا عندما اعتدلت على صدرها العاري، فقالت لها الداعية بثقة: مسلمة حبيبتي؟ قالت: طبعًا مسلمة، وهل وجهي لا يدل على ذلك؟

زي خاص:

ابتسمت الداعية بسمة أطلت على وجهها باستحياء، وقالت لها: لقد يسر الله علينا معرفة ذلك، فمثلًا في المستشفى للأطباء زي معين نعرفهم به، وكذلك الممرضات، ونستطيع أن نفرق بينهن، كذلك للطيارين زي مختلف متشابه فيما بينهم، ولكنه مختلف عن الآخرين للتعرف عليهم بمجرد رؤية زيهم الخاص المميز، وكذلك الشرطة.. حتى السيارات تتميز، فقد نجد الوزير مكتوبًا على سيارته هيئة سياسية للعلم أنه على صلة وثيقة في عمله بالحكومة والحاكم، وعندما أكرمنا سبحانه بالإسلام جعل لعباده الذين رضي عنهم الإسلام دينًا زيًّا خاصًا يميزهم عن الآخرين، يعرفون به، ولكن يبدو أنك لظروف خاصة بك لا أعلمها قد تنازلت عن ارتداء هذا الزي الذي كأنه مكتوب عليه هيئة ربانية، والذي يجعلك في كل مكان تفخرين أنك على صلة وثيقة بملك الملوك رب السموات والأرض بإعلان طاعتك له وعملك له وحده والتزامك بزي قد حدده سبحانه لنا، قالت بابتسامة باهتة: تقصدين الحجاب؟ قالت لها: حبيبتي أقصد الزي الرباني الذي لا يصف ولا يشف وارتديه بالكيفية التي تريدين، قالت: ولماذا أرتديه؟ حتى أكون طائعة؟ فإن قلبي نقي والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» قالت الداعية: هذه هي المشكلة.. أن كثيرًا من أحاديثنا لا تترجم لحركة وعمل.

قالت: لا أفهم ما تقصدين؟

قالت لها الداعية: تخيلي مضيفات لشركة طيران معينة بزي معين رفضت مجموعة منهن ارتداء هذا الزي الخاص المميز لهذه الشركة، وقلن: المهم أننا سنقوم بالعمل، فكيف تطلبين في الطيارة منهن خدمة وأنت لا تستطيعين أن تفرقي بينهن وبين ركاب الطائرة الآخرين؟ ألا يسبب هذا لك الإرباك؟ فما دامت قد رضيت بعملها كمضيفة فإن عليها أن تأخذ بأسباب هذا العمل، هذه نقطة.

النقطة الأخرى هذا الحديث الإيماني العظيم الذي ذكرتيه هل تعلمين حقًّا معناه إنما الأعمال بالنيات؟

مفاجآت سارة

سمعت الداعية اسم ابنتها تنادي عليها الطبيبة لفحصها، استأذنت من فتاتها وقالت لها بسرعة: هذا رقم هاتفي فكري في الحديث الذي ذكرتيه توًّا، وحاولي التحرك به، أي تجسيده في أفكارك وانطباع ذلك على جوارحك.

انقضى على هذا التعارف أيام فأسابيع وقد نسيت الداعية الأمر برمته حتى دعاها رنين هاتفها للرد عليه، وكانت مفاجأة سارة أن سمعت صوت فناة العيادة.

وبعد السلام، قالت لها: إن الحديث أكثر من رائع وللحظة لم تستوعب الداعية قولها، ولكنها سرعان ما استرجعت الحوار الذي دار بينهما، فقالت لها: هل تفاعلت معه؟ هل استطعت أن تتحركي به وتستعمليه في حياتك ولا تعطليه؟ هل اطلعت عليه في كتاب حديث موثق؟، هل اطلعت مثلًا على رواية البخاري والتي نصها:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوی ....»؟

قالت مقاطعة هذه هي الجزئية التي لاقت اهتمامي وأخذت شطرًا عظيمًا من تفكيري فهل تسمعين قصتي، قالت لها: حبًّا وكرامة.

مراجعة الأعمال

قالت الفتاة: بعد أن تركتني أخذت أفكر في الحديث وأكرره في نفسي «الأعمال بالنية» وبدأت أراجع جميع أعمالي على نيتي فرأيت عجبًا ثم رأيت عجبًا، ووجدت أن الله سبحانه قد يسر لي أمر الذهاب لهذه الطبيبة في هذا التوقيت لعلاج نفس تواقة إلى ربها محبة له ولكني بالأماني وطول الأمل، فقد بدأت في البرمجة الحقيقية لكل حياتي، وصلت إلى منزلي في هذا اليوم في وقت متأخر، فجلست أتناول عشائي أمام التلفاز، وكان أمامي خيالات من البشر بما يسمى فيلمًا ... وأجد الوقت ينقضي، ولا أدري لماذا مر على قلبي ووعى عقلي هاتان الكلمتان اللتان أصبحتا لا تفارقاني أينما حللت وأينما ذهبت «الأعمال بالنية»؟ وسألت نفسي: هذا هو عملي، فترى ما نيتي فيه؟ ولأول مرة أسأل نفسي هذا السؤال، في حقيقة الأمر لم أستطع أن أتبين نيتي لماذا فعلًا أجلس هكذا متسمرة مشدودة إلى هذه الخيالات وماذا يقولون؟ وما أهمية ما أشاهد؟! نظرت إلى ساعتي فوجدتها الثانية بعد منتصف الليل، وتوالت أسئلتي التي كانت الدوامة، فابتلعت معها نيتي التي لم أتلمسها حتى أعرفها، وقبل نومي كعادتي توضأت بشكل عضوي وارتديت ملابس الصلاة ووقفت جسدًا بلا روح، يقف ليركع ليسجد ثم يقف مرة أخرى حركات لا إرادية اعتدنا عليها منذ الصغر، وسألت نفسي السؤال نفسه هذا هو عملي فما هي نيتي؟، وهل أنا حقًّا أبحث عن لقاء مع الله أناجيه وأبثه شكواي ويؤنسني وجوده بجانبي أم عادة أمارسها بلا نية ولا تفكير؟ وعندها فهمت ما تقصدين قوله لي، إذن فلأجدد نيتي قبل عملي. 

ومع بزوغ الفجر قررت أن أحاول وأجرب التحرك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أي أن كلمات الله جعلها في فم محمد صلى الله عليه وسلم.

ولأول مرة تتناثر علي قطرات المياه كاللؤلؤ المنثور استعدادًا للقاء الله، نعم فلأول مرة أتذوق أن للسعادة مذاقًا رائعًا، فإني أقوم وأتحرك وأنا أقصد الله بعملي وتحركاتي ومهما وصفت لك ما شعرت به من سكينة وطمأنينة في هذا اليوم فلن تسعفني كلماتي وستقصر معي عباراتي في هذا اليوم، وأنا أرتدي ملابسي استعدادًا للخروج، شعرت وكأن هذه الملابس ليست لي، ولكني أرتديها على عجل، وخرجت كعادتي ولكن ما هذه المشاعر الجديدة الغريبة على نفسي فالأعمال بالنية وهذه الملابس بالتأكيد ليست ربانية وارتدائي لها عمل غير صالح، فهل نيتي تريد حقًّا معصية الله والشذوذ عن عباده الصالحين؟!

لا والله، فإني أحب الله فنيتي هي مرضاة الله، فكيف يكون عملي مخالفًا لهذه النية؟! قلت في نفسي: نعم أنا مخطئة بارتدائي هذا الزي الغريب عني، حاولت أن أهون على نفسي بقولي لم يشأ الله لي الهداية بعد، ولكن كانت المفاجأة المذهلة أن يأتيني صوت الشيخ رفعت -رحمه الله- من مذياع ينبعث من أحد المحلات: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: 144).

قلت: نعم لقد ظلمت نفسي وأخذت أردد لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين حتى وصلت إلى كليتي والتي اعتدت أن اتقابل فيها مع مجموعة من الفتيات والفتيان لا أفرق بينهما، وليس هناك أية تحفظات من التعامل مع الشباب منهم، فطريقة ضحكي وكلامي نفسها، ومزاحي معهم كالفتيات تمامًا، وبالطبع يحدث تلامس بيني وبين بعضهم، ولا أجد حرجًا في ذلك، لكن في هذا اليوم اختلف الوضع تمامًا، فعندما كانت خطواتي تتجه إلى «الكافتيريا» التي نتقابل فيها، سألت نفسي ما نيتك؟ وكيف سيترجم عملك هذه النية؟

احترام النفس

أقول لك: لقد شعرت أن لي نفسًا أحترمها وأحترم إرادتها ومشاعرها، وبدأت أشعر أن لي ذاتًا ولي قيمة حقًّا: ما نيتي من هذه الجلسات؟ والقفشات والضحكات؟ هل نيتي حقًّا مرضاة الله؟ بالتأكيد لا وألف لا، إذا ما نيتي؟ ثم أجد نية جادة أستطيع أن أحترمها فوجهت قدمي الوجهة التي أريدها أنا وليس ما يريده لي الآخرون، فقد شعرت أنني خلال عمري الذي انقضى وكأن أحدهم قد ربطني بساقية أدور حولها وأدور ولا أدري هل تخرج الماء أم أدور لمجرد الدوران وعيوني مطموس عليها بالفعل؟ آن الأوان لترى عيوني النور ولأعلم لماذا أدور وما فائدة هذا الدوران، وهل وصلت الحياة للأرض إلا بالماء؟!

دخلت إلى مدرج المحاضرات في الموعد المحدد لأول مرة منذ دخولي الكلية، وفي وقت الصلاة قررت أن أصلي بمسجد الكلية مع المصليات ولا أجعل فروض الصلاة تتراكم كما هي عادتي لأنقرها في المساء، كنقر الغراب وكأني لم أصل، وفي هذا اليوم وبعد انتهاء الصلاة خلعت ثوب الصلاة، وهممت بالخروج من المسجد بملابسي المعهودة، ولكن قدماي تسمرتا وعيناي اغرورقتا بالدموع، فإلى متى أعيش أسيرة لهذا الزي الذي فيه معصية لربي وخالقي؟ إلى متى أكبل بهذه الأفكار البالية؟! وإلى متى تخدع نفسي بهذه المبررات السخيفة؟ المهم النية فأية نية تلك التي تتناسب مع هذا الزي الذي لم ترتده زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولم ترتده أي من الصحابيات أو المسلمات الصالحات القدوات، بل إن كلامه سبحانه واضح جلي: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: 33).

فهي جاهلية شيطانية غلفوها بدعاوى التحرر قبحهم الله.. تحرر من ماذا؟ من لطف الله وكرم الكريم ورحمة الرحيم وود الودود وغفران الغفور؟، ثم ربط النفس بهذه الأهواء الجامحة والأغلاط البشرية الساذجة قررت لحظتها أن أرتدي الزي الرباني الذي أمر به سبحانه.

ثوب فضفاض

وبعد أن وضعت هذا الإطار السماوي حول وجهي، وسكن جسدي في داخل ثوبي الفضفاض الساتر شعرت حينها وكأني ملكت نفسي بعد أن كانت ملكًا للآخرين واعتدل ظهري وارتفعت قامتي، ولساني يلهج تسبيحًا وتقديسًا وحبًّا لمولاه وخالقه، وشعرت أنى قد جعلت الملك للمالك في هذه اللحظة وانسحب تطبيقي وتفعيلي لهذا الحديث أو ما تسمينه التحرك بالحديث على كل حياتي «الأعمال بالنية».

فها أنا أحاول بر والدي عملًا ونية

وصلاة خاشعة عملًا ونية

وكلمة طيبة عملًا ونية

وصلة رحم عملًا ونية

ومكالمتي لك تدخلت فيها نيتي فقد أحببتك في الله وترجمت يدي النية بالاتصال ولساني بالحديث إليك وشكرك.

قالت لها الداعية وهي تشعر بسعادة غامرة: شيء جميل أن نتعلم ممن أردنا أن نعلمهم فقد تعلمت منك في هذه اللحظات الكثير الكثير. وبالتأكيد سيكون لذلك الأثر الطيب في حياتي، وهكذا المؤمنون فهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ولنشكر الله أن ألف بين قلبينا، فقبلت مني وقبلت منك وله الحمد في الأولى والآخرة، وسبحانه حقًّا وصدقًا إنه على كل شيء قدير، وهنيئًا لك النية الصالحة والعمل الصالح.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

133

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

من يصلح للإرشاد؟

نشر في العدد 400

85

الثلاثاء 20-يونيو-1978

وجاءت سكرة الموت

نشر في العدد 321

76

الثلاثاء 19-أكتوبر-1976

التعليق الأسبوعي (321)