العنوان العنف الأسري.. ظاهرة عالمية.. هل تمتد إلى بلادنا؟
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008
مشاهدات 68
نشر في العدد 1789
نشر في الصفحة 56
السبت 16-فبراير-2008
- في روسيا قتل امرأة كل ٤٠ دقيقة.. وفي أمريكا تتعرض أنثى للضرب كل ١٥ ثانية.. وفي إنجلترا تموت امرأتان كل أسبوع بسبب العنف الأسري
المرأة في الإسلام مكرمة أمًا وبنتًا وأختًا وزوجة وإنسانة والبيت في الإسلام للأسرة هو السكن والرحمة، وملاذ الود ونزل الحب، ولكنه لكثيرات من النساء والفتيات والبنات لا يعد إلا مكانًا للرعب والخوف. ففي كل يوم تتعرض نساء للضرب والاعتداء على أيدي أزواجهن أو آبائهن أو أحد أفراد الأسرة، حيث تقع جرائم العنف الأسري التي فيها الضرب للانتقام والتشفي والإهانة والإذلال والتحقير.
تشكل هذه الجرائم أعلى سبب لموت النساء في عمر ١٩- ٤٤ سنة على مستوى العالم، وهي نسبة أعلى من ضحايا الحروب للعمر نفسه أو السرطان أو حوادث الطرق ويعاني منها امرأة من كل أربع منذ عامين «1» وامرأة من كل ثلاث العام الماضي «2» يحدث معظم هذا العنف في الغرب المادي والشرق الملحد، وقليل منه في بلادنا وهو ينافي دعوة الإسلام الرحيمة.
«لا أدري حقًا ما الذي جعلني أقرر ذلك المساء استدعاء الشرطة، لكنني أقول دائمًا: إنه منظر تنظيف بقع الدماء التي سالت مني». كانت هذه كلمات سيدة بريطانية تدعى «لورين» حيث ظلت ثماني سنوات تتعرض للضرب بشكل متواتر على يدي رفيقها دون أن تخبر أحدًا بذلك، وهي تفسر ذلك بقولها: «يسألني الناس لماذا لم أتركه وأرحل لكنه كان يوجه إلي كثيرًا من التهديدات التي كان ينفذها دائمًا. كنت خائفة منه للغاية، وهكذا يصل المرء إلى مرحلة يتعايش فيها مع هذا الأمر، ويصبح نمطًا عاديًا للحياة، ويتحمله ويداريه».
العنف الأسري في بريطانيا هو ظاهرة منتشرة، بقي حجمها الضخم في ظل الكتمان مدة طويلة، والآن أصبح يصل للشرطة بلاغ كل دقيقة عن حالة، ووصل عدد جرائم العنف الأسري العام الماضي إلى ٥٠١ ألف، أي أكثر من نصف مليون، انتهت 70% منها بإصابات، 77% منها ضد النساء- هذا فقط العدد المبلغ عنه- يعتبر القانون كل ما يحدث جريمة، ولكن لا يستطيع أن يوقفها لانهيار منظومة القيم الاجتماعية، وفساد العلاقة بين الرجل والمرأة، وتقهقر الدين عن معترك الحياة. أدهى من ذلك أن المرأة تقوم أيضًا بالاعتداء على الرجل حيث تتسبب المرأة في 5% من حالات الاعتداء عليه، ويموت منهم بسبب الخلافات الأسرية ٣٠ رجلًا كل عام.
أرقام بريطانية
حسب التقرير الرسمي لوزارة الداخلية البريطانية عن الجرائم في «إنجلترا وويلز» ٢٠٠٧/٢٠٠٦م «3»:
يشكل العنف الأسري ضد الزوجات أو العشيقات 16% من جملة جرائم العنف، وهو ثلث الجرائم ضد المرأة.
ويمثل أعلى نسبة تكرار للجريمة مطلقًا. ففي المتوسط تتعرض المرأة إلى ٣٥ مرة للأذى والاعتداء قبل أن تبلغ الشرطة، ويموت في «إنجلترا وويلز»، امرأتان كل أسبوع من جراء العنف الأسري من «الزوج أو الرفيق الحالي أو السابق»، تكلف هذه الأوضاع بريطانيا أكثر من ٢٣ بليون جنيه إسترليني في السنة.
إحصائيات عالمية
حسب منظمة العفو الدولية فإن العنف ضد المرأة بعد أكبر فضيحة في مجال حقوق الإنسان في الوقت الراهن، ويعد العنف في محيط الأسرة ظاهرة متأصلة في جميع أنحاء العالم «1»:
ففي روسيا قتلت ١٤ ألف فتاة وامرأة على أيدي رفاقهن أو أقاربهن في عام ۱۹۹۹م، حسب تقديرات الحكومة الروسية والآن تقتل امرأة أو فتاة هناك كل ٤٠ دقيقة بسبب العنف الأسري.
وذكرت منظمة الصحة العالمية أن قرابة 70% من ضحايا جرائم القتل من الإناث يقتلن على أيدي رفاقهن الذكور.
وفي أمريكا تتعرض أنثى للضرب كل ١٥ ثانية، وتشكل النساء نحو 85% من ضحايا العنف في محيط الأسرة، ويقدر عدد النساء المتعرضات للضرب من ٢ إلى ٤ ملايين سنويًا، ۱۷۰ ألفًا منهن إصابتهن بالغة تحتاج لدخول المستشفى. كما أن عدد اللاتي قتلن بسبب العنف الأسري في أمريكا أكبر من عدد الجنود الذين قتلوا في فيتنام «4».
مجتمعاتنا
زادت نسبيًا معدلات العنف الأسري ضد الزوجات والبنات في بلدان إسلامية كثيرة.
واعترفت وزارة الشؤون الاجتماعية في السعودية مؤخرًا بأن العنف الأسري ارتفعت معدلاته بشكل ينبئ بالخطورة. ومن أسباب ذلك زيادة معدلات الطلاق والتفكك الأسري. وغياب الدور التوعوي، وعدم تأهيل المتقدمين للزواج. واستحوذت قضايا العنف الأسري على 22% من نسبة القضايا التي تلقتها الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالسعودية «5».
لا يزعم أحد أن كل الرجال المسلمين يتمتعون بأخلاق الإسلام العالية والتي فيها العفو والصفح، والإيثار والرحمة في معاملة الزوجات والبنات، ولكن من تعامل منهم مع النساء بغير ذلك فهو لا يعبر عن طبيعة الإسلام، وإنما قد يكون انعكاسًا لما يحدث في المجتمع من انفتاح عولمي على ما في العالم من سلبيات وشرور، والتقصير في منظومة التربية والتعليم والدعوة والإعلام والتنفيس عما في الأمة من ظواهر عارضة كالاستبداد والقهر.
انظر إلى إقرار الإسلام باستقلالية المرأة ماليًا، وحقها في الملكية والعقود وإبداء الرأي في حين لم يسمح لها في بريطانيا بالملكية الخاصة إلا عام ۱۸۸۲م. ولم يسمح لها بحق التصويت مثل الرجل إلا في عام ۱۹۲۸م. ومع الأمل أن يستمسك الجميع بهدي الله، فنحن بخير بالمقارنة بغيرنا.
أسباب العنف
بالإضافة إلى عدم الإيمان أو ضعفه عادة ما يحمل الاكتئاب الخانق أو الغيرة المتطرفة، أو الغضب المجنون أو الزنى والخيانة، أو المشكلات المالية والديون أو تعصب كل طرف لرأيه، أو عدم القدرة على تربية الأولاد، أو الاختلاف في المستوى الاجتماعي والمالي للأسرتين، أو يتم توارث السلوك العنيف عبر الأجيال. كما أن الخمر والمخدرات يدفعان إلى ذلك.
صور الاعتداء
وأصبح العنف يشمل: الاعتداء المالي، البدني، النفسي، العاطفي، العقلي، الروحي، الجنسي، والمطاردة البدنية أو عبر وسائل الاتصال «الإنترنت- الهاتف- أو الكاميرا» أو المطاردة بإرسال خطابات التهديد، البحث عن معلومات.
مهاجمة ظالمة للإسلام
يتعرض الإسلام لهجوم شديد بسبب هذه الآية: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ (النساء: 34). جاء في القرطبي: أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فإذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب.
وفي صحيح مسلم: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح»، قال عطاء: «قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه.. وإذا أطاعت المرأة زوجها فيما أباحه الله له فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها، وفيه تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن» (تفسير ابن كثير).
وعن جهل استغلت بعض وسائل الإعلام في أوروبا هذه الآية للطعن في الإسلام واتهامه بأنه يقمع المرأة ويهينها. ولا تتحرك لهم شعرة حينما يسمعون عن جرائم الرجل ضد المرأة في المجتمع الغربي التي ذكرناها والتي تصل إلى قتلها بالمسدس فيموت في أمريكا ٥ نساء كل يوم من عنف أزواجهن أو عشاقهن، 54% من هذه الحالات بالأسلحة النارية!
الأسوة.. لم يضرب امرأة قط
كان ﷺ رحيمًا شملت رحمته أسرته وأمته وأصحابه والعالمين، كما أنه كان في تعامله مع أزواجه يحسن إليهن ويساعدهن ويكون في حاجتهن، ويرأف بهن ويتلطف ويتودد إليهن، ويمازحهن ويداعبهن. قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمًا له قط، ولا امرأة له قط، ولا ضرب بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله..» (رواه أحمد).
المراجع
«1» www.amnesty.org
«2» thereport.amnesty.org
«3» www.homeoffice.gov.uk
«4» www.now.org
«5» www.aawsat.com