العنوان العنف الدموي في الجزائر
الكاتب عامر حمدي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1302
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 02-يونيو-1998
السلطة ترحب بالهدنة وتتهم التيار العلماني
شهدت الجزائر مجددا أعمال عنف ذهب ضحيتها عشرات الأبرياء ومئات الجرحى عقب تصاعد العنف في المناطق الحضرية والريفية بصفة لافتة للانتباه، وقد كان أخطر هذه العمليات ما حدث في سوق شعبي بالحراش ضواحي العاصمة.
وعقب هذه العمليات التي أثارت من جديد استياء الأوساط المعنية أعلنت المجموعة المسلمة المسماة "كتيبة أبو عبيدة بن الجراح" التابعة لجماعة جيش الإنقاذ الإسلامي والتي كانت تنشط بناحيتي خميش الخشنة والأبعطاش بولاية بومرداس (70 كلم شرق الجزائر) عن توقيف عملياتها الإرهابية ابتداء من يوم 23 مايو الماضي، حسب بيان أمضاه المدعو "أبو يوسف" أحد زعماء تيار الجزارة الناشئ في الجزائر منذ عام 1970م، والذي كان ينشط تحت قيادة محمد السعيد الذي لقى حتفه خلال الصراع بين المجموعات المسلحة في ديسمبر عام 1995م.
هذه المجموعة المسلحة التي يقول المتابعون إن عدد أفرادها لا يتعدى العشرين فردا بررت قرارها بشعورها بـ "المخاطر المحدقة بديننا وأمتنا وما يتعرض له شعبنا المسلم من إبادة جماعية على يد أعداء الأمس واليوم.. وتدعيم موقف جماعة مدني مزراق، وكذا كشف القناع عمن يقترف المجازر الشنيعة في حق الأبرياء"، وهذا كما يضيف البيان لفسح المجال لما أسماه "حلاً شرعياً"، وأضاف: "إن هذا لا يعني تخلينا عن مبادئنا أو تنازلنا عن أهدافنا".
وعلى خطى مجموعات سابقة مثل "قيادة الجيش الإسلامي للإنقاذ، بقيادة مدني مزراق، و"رابطة الدعوة والجهاد"، و"جماعة التبليغ والجهاد"، و"كتيبة الاستقامة"، و"كتيبة الهدى والنور"، و"وكتيبة أبو عبيدة بن الجراح"، أعلنت جماعتان مسلحتان أخريان تنشطان بنواحي الأخضرية (901 كلم شرق الجزائر)- وهي المنطقة الأولى التي شهدت الأعمال الإرهابية بدءا من سنة 1992م- الكف عن العمل المسلح إذ ذكر مصدر مطلع بالأخضرية أن مجموعة "كورية" التابعة للجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" المكونة من بضع عشرات من الأفراد أعلنت الهدنة منذ بداية الشهر الحالي، كما أعلنت مجموعة أخرى هي مجموعة المدعو "السفاح" التابعة للإنقاذ والمكونة هي الأخرى من بضع عشرات عن وقف نشاطها، وذكرت مصادر متطابقة أن هاتين المجموعتين على اتصال مع السلطات قصد الاستفادة من ترتيبات قانون الرحمة.
وفي سياق المساعي الهادفة إلى تطويق العنف المسلح في الجزائر كشف سفير باكستان بالجزائر أصلام عيزمي (السبت 23 مايو) أن مساعي بلاده تهدف إلى "إبرام اتفاقات مع دول شمال إفريقيا بما فيها الجزائر "لتسليم العناصر التي يثبت تورطها في أعمال إرهابية داخل بلدانهم"، وأوضح السفير الباكستاني أن "العناصر الإسلامية المتواجدة حالياً فوق التراب الباكستاني شاركوا غالبيتهم في الحرب الأفغانية، فهناك مجموعات دخلت بطريقة غير قانونية، وبجوازات سفر مزورة، واستقرت فيما بعد في باكستان وارتبطت بعلاقات مصاهرة مع عائلات باكستانية، وهو الأمر الذي يصعّب مهمة إحصائهم، كما أن هناك من استقر في أفغانستان، بينما عاد البعض الآخر إلى وطنه".
وشدد السفير الباكستاني على رفض بلاده "تواجد أي عناصر يثبت تورطها في أعمال إرهابية" مؤكداً "استعدادها للتعاون مع الدول المعنية لتسليمها هذه العناصر إذا وجدت الأدلة الكافية التي تدينهم".
ولأول مرة منذ إعلان الهدنة في الجزائر بتاريخ أول أكتوبر 1997م أعربت وكالة الأنباء الرسمية عن قناعتها بنجاح نداء الهدنة بعد أن "لوحظ أن هذا النداء الذي وجهه مدني مزراق مسؤول ما يسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ قد تلته نداءات مماثلة صادرة عن جماعات أخرى".
وقد تضمن النداء المعلن عنه التنديد "بالمجرمين الذين يرتكبون تحت غطاء الإسلام أبشع الجرائم التي لم تعرف لها البشرية مثيلا".
وبعد أن ذكرت الوكالة أن قرار الهدنة كان قراراً مسؤولاً من طرف هؤلاء الذين قرروا تحمل مسؤولياتهم أمام الله وأمام الشعب من خلال الإعلان عن استعدادهم للمساهمة بصفة فعالة في عودة الاستقرار للبلاد، أضافت: إن نداء وقف العمليات المسلحة يدين أيضاً الجرائم الإرهابية المرتكبة ضد الأمة، كما يمهد لعودة أولئك الذين وقفوا من قبل في الاتجاه المعاكس للطموحات الحقيقية للشعب الجزائري إلى حياة طبيعية، ويمكن لهذا المسعى أن يساهم في عودة الاستقرار الذي سيؤدي بالبلاد إلى التخلص نهائيا من آفة الإرهاب.
أشارت الوكالة إلى أن "هؤلاء الذين لم يكفوا منذ سنين عن إذكاء نار الفتنة والانشقاق من أجل بلوغ الهدف الوحيد الذي يطمحون لتحقيقه ألا وهو تفجير الأمة من الداخل، وتمزيق وحدة الشعب الجزائري، إن هذه النية الخبيثة تفسر لماذا شرعت الأوساط المعروفة بعدائها التقليدي للجزائر في حملة متعددة الأشكال للنيل من مسعى مسؤول لا يخدم مخططاتهم الشيطانية، إن نفس هذه الأوساط كانت ستسعد دون أدنى شك بقراءة نداء يحمل في طياته الوعيد للشعب الجزائري بمزيد من الدم والدموع والتخريب، ومن أجل كبح هذه الإرادة تصر القوى المعادية جاهدة على عرقلة هذه العملية التي تعتبر في نظرهم جد إيجابية، مستعملة كل الأساليب المبيتة والظاهرة لتحويل مجرى الأحداث وفق الوجهة التي يريدونها، ومن ثم شرعت هذه الأوساط في شن هجماتها على كل الأصعدة"، في إشارة للتيار الاستئصالي في الحكم، والذي شوه نداء الهدنة واعتبره محاولة غير بريئة من الجماعات المسلحة لإعادة تنظيم أنفسها بعد الضربات التي تلقتها من قبل قوات الأمن.
وفي رد موجه لباقي الجماعات المسلحة قالت الوكالة الرسمية التي تعبر عن وجهة نظر الحكومة: "لقد تعالت أصوات ونشرت كتابات مغرضة ترمي كلها إلى زرع الشك في مصداقية الأشخاص الذين وقعوا النداء دون محاولة التحليل الموضوعي لمبادرتهم، وفهم بعدها، واستعملت عبارة "الاستسلام" بنية مبيتة لزرع الشقاق والضغينة، وذلك بهدف إثارة وتوسيع رقعة المعارضة الداخلية لنداءات وقف العمليات المسلحة، أو الحد من صدى هذه النداءات، فسرعان ما وجهت أصابع الاتهام بالخيانة لدعاة وقف العمليات المسلحة".
وإن كانت الأحزاب الإسلامية والوطنية قد عبرت عن تفاؤلها من نداء الهدنة كشكل من أشكال الحل لهذه الأزمة الدموية فإن أحزاب التيار الديموقراطي والعلماني شددت في الفترة الأخيرة على ضرورة إقصاء كل الأحزاب الإسلامية وحلها بدعوى التخلص نهائيا من مشكلة الإرهاب في الجزائر، ودعت هذه الأحزاب في تصريحات متباينة إلى ضرورة تشكيل جبهة وطنية ضد الأحزاب الإسلامية.
وفي تعليقه على هذه الحملة قال محفوظ نحناح- رئيس حركة مجتمع السلم-: إن عودة العنف المسلح في الفترة الأخيرة بشكل دموي فاضح مرده إلى المافيا الجزائرية، التي تحركها مصالحها لإدامة هذه الأزمة بهدف الانتفاع من هذه الوضعية"، ودون غموض كشف محفوظ نحناح عن تواطؤ غير معلن بين الجماعات الإرهابية والتيار الاستئصالي المتشدد لضرب استقرار الجزائر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل