; العنوسة.. معاناة إنسانية تهدد البناء الاجتماعي | مجلة المجتمع

العنوان العنوسة.. معاناة إنسانية تهدد البناء الاجتماعي

الكاتب نهى قاطرجي

تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2007

مشاهدات 66

نشر في العدد 1758

نشر في الصفحة 56

السبت 30-يونيو-2007

 مؤسسات التأهيل الاجتماعي ورجال الأعمال مطالبون بتبني حلول واقعية للتوفيق بين طالبي العفاف

 الكتابات الحديثة عن الظاهرة حولت ملايين الفتيات إلى مجرد أرقام

كثيرًا ما كنت أشعر عند قراءتي لموضوع العنوسة، أن كل ما يكتب عنها، لا يخرج عن الإطار النظري الذي يتعرض لحجم المشكلة بالإحصاءات والدراسات محولًا بذلك ألوف بل وملايين من الفتيات إلى مجرد أرقام يستدل بها على وجود ظاهرة غريبة، تحتاج إلى تضافر الجهود من أجل إيجاد الحلول السريعة لها.

إن تفاقم مشكلة العنوسة في الدول العربية، وتجاهل الحكام -المكلفين بحماية مجتمعاتهم من الفتن والفساد والانحلال الأخلاقي والمشكلات الاجتماعية- وجود مشكلة اسمها عنوسة، يزيد من مسؤولية هؤلاء الحكام عن كل دمعة تنزل على وجه فتاة عفيفة، تشكو إلى ربها وحدتها ووحشتها وحنينها إلى أسرة تحبها وترعاها، وتمارس فيها أمومتها التي غرسها الله عز وجل في فطرتها.

هذا الحق الطبيعي الذي منحه الله -عز وجل- لكل إنسان، وربطه بغريزة من الغرائز الأساسية لاستمرار الحياة أصبح في هذا الزمن من الأحلام والأماني الصعبة المنال بسبب انتشار ظاهرة العنوسة.

الـ٢٤ ناقوس خطر

إن مما أذكره عن أيام المراهقة، أن الأهل كانوا إذا تخطت بناتهم سن الرابعة والعشرين من العمر، فمعناه أن ناقوس الخطر بدأ يدق وأن هناك مشكلة تحتاج إلى حل سريع، لذلك يبادر الأب، إذا كان متمكنًا ماديًا، إلى تأمين المسكن الجيد والمجهز بالجهاز اللائق، ويسارع إلى الإعلان أمام الأهل والأصحاب والأقارب أنه قد قدم لابنته شقة كهدية لزواجها وهكذا يبدأ «العرسان» بالتوافد حتى يأتي صاحب النصيب الذي يقال له: «اغسل رجلك وادخل» كما يقول المثل الشعبي، ولكن الأمر تبدل اليوم كثيرًا، فالفتاة أصبحت تتخطى العشرين، بل والثلاثين والأهل نائمون على وسادة أمان لا يدركون حجم المشكلة، إلا عندما يتصل بهم الشخص المناسب بمقاييسهم ومقاييس ابنتهم، ولكن للأسف تكون مقاييسه هو غير مناسبة، إذ إنه يجد أن عمر البنت لا تناسبه، فهو -مع أنه تخطى الأربعين أو حتى الخمسين من العمر- لكنه يريد أن يتزوج حتى ينجب الأولاد، واحتمال إنجاب الأولاد لدى المرأة يبدأ بالتناقص بعد الثلاثين، وهو لا يستطيع الانتظار، ويا للعجب، لقد انتظر هذا المسكين أربعين سنة حتى يفكر في الزواج، ولكنه الآن يعجز عن انتظار بضعة أشهر حتى يأتي ولي العهد!

وهكذا تتحطم أحلام الفتاة التي كانت تتمنى أن تتزوج شابًا في سن مناسب لها، تشاركه ميوله وأحلامه وحياته وتدرك الفتاة عندئذ أن الوقت بدأ يتفلت منها، وأنها إن أرادت الزواج، عليها أن تتنازل قليلًا عن معظم شروطها إذا أرادت الزواج، فلا تنظر إلى فارق العمر، ولا إلى الوضع الاجتماعي أعزب متزوج أرمل مطلق، صاحب أولاد لا يهم، المهم أن تلحق بعمرها الذي يتساقط من بين يديها، وتنجو بنفسها في هذه الدنيا بطفل صغير يحميها في شيخوختها، فإذا كانت من أصحاب الحظوظ، وفقت بالزوج الذي انتظرته طويلًا، ورضيت بالنصيب، وحمدت ربها على نعمه، أما إن لم يتم هذا الأمر، فإنها تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة التي يمكن أن تقرأ في التصرفات والكلمات والعيون التي تتخبط فيها مشاعر الألم والحزن على النفس من جهة ومشاعر الغيرة والحسد من المرأة المتزوجة من جهة أخرى.

بدائل صالحة وأخرى طالحة

ولكن لا تدل تلك النماذج على أن كل الفتيات يعانين مثل هذه المشكلات، فهناك من الفتيات من وصلن إلى مرحلة القناعة والرضا بقضاء الله تعالى، وصرفن تفكيرهن عن موضوع الزواج إلى مواضيع أخرى مثل العمل أو العلم أو الاهتمام بالشأن العام أو الاهتمام بالأهل والعناية بأبناء الأخوة والأخوات.

هذا هو حال الفتاة المسلمة الملتزمة التي تطلب العفة اليوم، أما حال الفتاة الأخرى، وقد تكون مسلمة أيضًا، فقد يختلف تمامًا عن ذلك.

إذ إن هاجس الارتباط الفطري قد يجعلها تفعل المستحيل من أجل الحصول على مبتغاها، لذلك فإنها لا تجد مانعًا من مشاركة الأصحاب والأصدقاء في حفلات الرقص والسهر بل إن هذا الأمر يصبح أمرًا مطلوبًا من أجل التعرف على الشخص المناسب، وإذا وجدت هذا الشخص وأحبته، فإنها تقدم له كل التنازلات لجذبه إليها، ودفعه إلى الزواج بها، والرجل هنا نادرًا ما يقع، لأن الرجل الشرقي يمكن أن يصاحب الفتاة، ويأتي بها إلى بيته، ويعرفها على أهله، ويكن لها كل مشاعر الود والحب ولكنه قلما يفكر في الارتباط بها، فهو يوم أن يقرر الزواج فسيتزوج من فتاة أخرى لم تصاحب أحدًا ولم تخرج مع غير ذي محرم.

عندئذ يتغير مصير هذه الفتاة عند أول صدمة تتلقاها، وتبدأ بالتنقل بعدها من شاب إلى آخر على أمل تحقيق حلمها، وعندما تصل إلى مرحلة تقتنع فيها بصعوبة تحقيق هذا الحلم، تكتفي عندئذ بالعلاقات غير الشرعية، ويتحول الزواج في نظرها إلى قيد يقيد حرية المرأة ويقف في وجه طموحاتها.

الرجل والعنوسة

نظرة الرجل إلى العنوسة تختلف عن نظرة المرأة إليها، كما أن وضع الرجل العازب يختلف عن وضع المتزوج، الرجل العازب لا يعاني من آثار العنوسة كما تعاني منها المرأة، بدليل أنه يستطيع متى شاء أن يتزوج الفتاة التي يريد وبالعمر الذي يريد، فهو الطالب وليس المطلوب، بينما الفتاة لا تستطيع ذلك، لأنها محكومة بمدة زمنية معينة تنتهي أو تقل تدريجيًا بانتهاء فترة الخصوبة، وهنا قد يقول قائل: لم يعد هناك مشكلة في الخصوبة، فالطب الذي تقدم بشكل كبير، يسمح للمرأة بالإنجاب في أي عمر شاءت؟ ووسائل الإعلام قد أتحفتنا بقصص وأخبار النساء اللواتي أنجبن فوق الخمسين بل وحتى الستين؟

وهذا أمر صحيح في بعض جوانبه، ولقد بث الأمل في قلوب كثير من الفتيات اللواتي يتأخر زواجهن، ولكن ما لا يدركه الكثيرون أن فترة التبويض لدى المرأة لها عمر معين عندها تنتهي إمكانية الإنجاب الشرعي، وعندها تأتي الخطورة من التحول إلى الجانب غير الشرعي، عن طريق استعارة بويضة من امرأة أخرى، وطبعًا من لا يملك الحصانة الشرعية يمكن أن يقع في هذا المنزلق الخطير بسهولة.

أما الرجل المتزوج، فإن البعض منهم يبادر إلى إيجاد الحلول الفردية، إما عن طريق خيانة زوجته مع إحدى هؤلاء الفتيات اللواتي يوهمهن بأنه غير سعيد مع زوجته، وأنه ينوي أن يتزوجها بعد أن يطلقها، وإما أن يبادر إلى الزواج بأخرى تحت ستار معالجة قضية العنوسة.

ونحن هنا لسنا ضد تعدد الزوجات، ولكننا ضد استغلال البعض لمشاعر الفتيات العازبات من أجل قضاء نزوة عابرة غالبًا ما تنتهي بالطلاق بعد أن يعجز المعدد عن التوفيق بين الزوجتين.

إن تعدد الزوجات وإن شكل حلًا لبعض الحالات الأسرية، إلا أن هذا لا ينفي أهمية إيجاد حلول أخرى مثل مساعدة الشباب على بناء الأسر، والتخفيف من الزواج، التقليل من المهور، وغير ذلك من الأمور التي ينبغي من أجل تحقيقها تضافر الجهود بين الحاكم والمواطن، وبين الأهل والأبناء.

هذا بالنسبة للرجل المتزوج، أما المرأة المتزوجة فإنها بمجرد أن تتزوج تنسى أنها كانت في يوم من الأيام عزباء، وأنها مرت أو كادت أن تمر بفترة العنوسة، لذلك تتغير نظرتها إلى بنات جنسها، وتصبح إما أشد حذرًا وحرصًا في تعاملها معهن، وذلك خوفًا من أن يخطفن زوجها منها، وإما تصبح أكثر نقدًا لهن بسبب عدم قدرتهن على كبت مشاعرهن، وكأن الزواج هو نهاية العالم!

الغريب في هذا الموضوع أنه على الرغم من تفاقم مشكلة العنوسة، فإن الأصوات ما زالت ترتفع في البلدان الإسلامية من أجل رفع سن الزواج أو تأخيره.

الرابط المختصر :