العنوان العوامل المؤدية لليأس - «الحلقة السادسة»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 797
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-ديسمبر-1986
الإمام البنا ربط أفراده بالله، ومضى على ظاهرة التعلق بالأفراد في مهدها.
. لا ننسى ينابيع الأمل التي تبدو ظاهرة في الكثير من المسلمين.
القفال والقروي
أنه من واجب المربين ومن هم في موضع القدوة أن يربوا أتباعهم على التعلق بالله وعدم التعلق بالأفراد، فهذا هو القاضي الحسين يروي عن مفسر الحديث الشيخ القفال، اذ يقول: «كنت عند القفال فأتاه رجل قروي وشكا إليه أن حماره أخذه بعض أصحاب السلطان فقال له القفال: أذهب فاغتسل وادخل المسجد، وصل ركعتين، واسأل الله تعالى أن يرد عليك حمارك فأعاد عليه القروى كلامه قاعاد القفال، فذهب القروى ففعل ما أمره به، وكان القفال قد بعث من يرد حماره، فلما فرغ من صلاته رد الحمار فلما رآه على باب المسجد خرج وقال: الحمد لله الذي رد علي حماري، فلما أنصرف سئل القفال عن ذلك فقال: أردت أن أحفظ دينه كي يحمد الله تعالى» (۱) فلو أنه اتى بحماره دون أن يأمره بالصلاة ودعوة الله لاعتقد ذلك القروى البسيط بأن الحول والقوة بيد القفال وليس بيد الله، والحمد القفال ولم يحمد الله فهذه لفتة طيبة وتصرف حكيم لا يفطن له إلا من هم بمستوى القدوات.
البنا يعالج التعلق:
وفي عصرنا الحديث وخاصة في بداية نشأة الحركة الإسلامية في مصر بقيادة الأمام البناء، ظهرت بعض بوادر التعلق من البعض ولكن .. الأمام البنا لم يمهلها حتى تنمو، وقضى عليها في مهدها ليعلق أفراد الحركة الجدد بالله وحده وليس بالأفراد و يروى عنه تلميذه البار الأخ الفاضل عباس السيسي موقفين في ذلك الأول كان في مؤتمر الطلاب للإخوان المسلمين والذي العقد بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام ۱۹۳۸ يقول الأخ السيسي «وقف حسن البنا يخطب إذ تحمس أحد الأخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا - ومع انه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف إلا أن فضيلته وقف صامتًا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع ... ثم بدأ حديثه في غضب فقال: أيها الإخوان إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدا أن دعوتنا إسلامية قامت على عقيدة التوحيد فلن تحيد عنها .
أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس الأصول التي آمنا وهتفنا بها «الرسول قدوتنا » ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (۲).
والموقف الثاني حدث في مدينة رشيد حين أقام الإخوان حفلًا بإحدى المناسبات الدينية - يقول الأخ السيسي «وحين جاء أحد المتكلمين في الحفل، وقد كان من المتحمسين لنشر دعوة الإخوان - قام متحدثًا إلى الناس فقال: مثلنا الآن من فضيلة الأستاذ المرشد، وهو يشير إليه، كمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وما كاد الأستاذ المتحدث ينتهي . من هذه العبارة حتى قفز الامام الشهيد إلى المنصة ثم أتجه إلى الناس قائلًا: أيها الأخوة معذرة إذا كان الأستاذ المتحدث قد خانه التعبير فاين نحن من تلامذة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل إلى مكانه ولم يستطع الأستاذ المتحدث اكمال الحديث كما بدأ» (۳)
هذه هي المواقف الرجولية التي تقضي على مثل هذه الآفة. وليس الركون والاستمتاع بكلمات الإطراء، فإذا لم ير التابع ردة فعل لتصرفه الخاطئ زاد تعلقه بالمتبوع حتى إذا سقط ذلك المتبوع يوما من الأيام سقط ذلك التابع معه، أو أصابه اليأس من انتصار هذه الدعوة، وكلا النتيجتين خطر على مسيرة الدعوة.
٣- استمرار المحنة:
وهو عامل من العوامل المهمة لنشوء اليأس عند البعض، وينشأ عادة من ضعف اليقين بالنصر وهزيمة الباطل (٤).
٤ - قلة الأتباع وكثرة الخصوم (٥):
وهذا العامل ناشئ من عدم تصور واضح الطبيعة الطريق، مما يجعله يتسوحش قلة الأتباع وكثرة الخصوم.
التجمد والنشاط:
أن المحرك الرئيسي لنشاط أفراد الحركة الإسلامية هو الأمل بالعون من الله، والنصر وسيطرة الإسلام على باقي الاديان والافكار وحينما يستولي اليأس، أو يتسرب إلى النفوس فإن النشاط والحركة والهمة تكون في خطر التجمد الكامل، لأنه سيشعر بأنه يتحرك دون فائدة، يقول الدكتور خالص جلبي «إن الدعوات حين يستولى على عناصرها اليأس من دوى الانتشار فان نشاطها يتوقف، وعلى قدر الأمل في جدوى انتشار الدعوة تتحرك ناصرها، ولكن مجرد هذا الشعور أيضًا خطر، من اليقين بأن الدعوة تنتشر أي أن تكون مفعمين ومترحين بالأمل فقط لن يكون كافيًا ما لم يختلط بشعور آخر واضح محدد، وهو مثلا الخوف من التفريط في الأمانة ... أو الخوف من الزوال. والقرآن قد أشار إلى هذه الفكرة حديها، فمن جهة عزى رسول الله حتى لا مزن فييأس من عدم قبول الدعوة فقال تعالى﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ أن اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة فاطر-8) وقال ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ أن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سورة الكهف-6) ومن جهة اخرى شدد في تبليغ قائلا﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ أن اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾(سورة المائدة 67) (٦).
اليأس وأخلاق المسلمين -
المشكلة التي يقع فيها البعض، والتي تصاحب مع استمرار المحنة، وشدتها، أعراض الكثير عنها هي اليأس من صلاح أمة، وعودتها إلى ربها، وينسى في خضم هذه الفتن ينابيع الامل والتي تبدو ظاهرة في الكثير من المسلمين، وينسى وعد الله بالنصر، شراءه مجهم الوجه عاقد الحاجبين، قد استولى عليه اليأس حتى بدى واضحًا في قسمات وجهه، وفي ثنايا كلامه، رافعا راية «لو أسلم عمار بن الخطاب لما أسلم عمر». إلى أمثال هؤلاء يقول الإمام البنا لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس واحلام اليوم حقائق الغد. وما زال في الوقت متسع، وما زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغیان مظاهر الفساد والضعيف لا يظل ضعيفًا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الابدين ﴿ وَنُرِيدُ أن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ( سورة القصص -5) (۷).
فليمدد بسبب -
إنها النصيحة التي نصح بها يعقوب بنيه ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾(سورة يوسف-87)(۸) فالقنوط صفة من صفات الكفر والعياذ بالله، والكفر هو التغطية، فالكافر من تغطت فطرته فما اصبح يرى الأمور كما هي، بل يراها مقلوبة لانتكاس فطرته، فالخالق الذي من صفاته العدل لا يمكن أن يرضى ببقاء الظلم دون أن يأذن بذهابه بمن شاء وكيفما شاء ويأخذ الحق لأصحاب الحق وأن من سنن الله في کونه بأن يعقب الظلمة النور، فمن ظن غير ذلك، ويئس من انجلاء الظلام فكأنه اتصف
بصفات الكفر والعياذ بالله. يقول تعالى ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (سورة الحج-15) (1)
يقول ابن كثير «من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه أن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة» (۱۰) فهو تحد من الله لكل عدو لهذه الدعوة، ولكل متردد، ومشكك ومثبط، ولكل يائس. يقول سيد رحمه الله «والذي ييأس في الفر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة وكل نسمة رخية، وكل رجاء في الفرج ويستبد به الضيق ويشقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء. فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق. ثم ليقطع الحبل فيسقط او ليقطع النفس فيختنق.. ثم لينظر هل ينقذه تدبيره ذاك مما يغيظه !
إلا أنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله. وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ومضاعفة الشعور به، والعجز عن دفعه بغير عون الله فليستبق المكروب تلك النافذة المضيئة التي تنسم عليه من روح الله » (١٠)
(۱) طبقات الشافعية ١٩٩/١
(۲) حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص ۸۱
(۳) حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص ٨١ ۸۲
(٤) راجع فصل - وعورة الطريق - كما سنفصل في هذا الأمر في فصل هزيمة الباطل.
(٥) راجع فصل - قلة السالكين.
(٦) ظاهرة المحنة ص ٣٣
(۷) الرسائل ١٥٢ ط / المؤسسة الإسلامية.
(۸) یوسف ۸۷
(1) - الحج ١٥
(۱۰) تفسیر ابن کثیر (۲۱۰/۳
(۱۰) الظلال ٢٤١٣/٤، ٢٤١٤
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل