العنوان الأخيرة: العودة التي تتكرر دائما
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009
مشاهدات 59
نشر في العدد 1866
نشر في الصفحة 66
السبت 22-أغسطس-2009
(*)
باحث وأكاديمي عراقي
في كتاب الباحث المسيحي اللبناني المعروف نصري سلهب»: «لقاء المسيحية
والإسلام» «ص۲۲» ترد عبارة يؤكد فيها المؤلف على اعتبار الزواج ضرورة من ضرورات الحياة
البشرية. وهو بهذا يرد على طوائف من المسيحيين أنفسهم ترفض فكرة الزواج، وتعتبره
دنسا لا يليق برجل الدين، فيما يذكرنا ولكن في اتجاه مضاد آخر-بدعوى الماركسية أن
الزواج ظاهرة «بورجوازية» موقوتة، وأنها ستزول بالضرورة بزوال هذه الطبقة المتحكمة وتسنم
«البروليتاريا» مقاليد الحكم والسلطان. وأنه-أي الزواج والارتباط الأسري -قد يعيق
الطبقة العمالية عن الانصراف الكلي للإنتاج الذي هو مهمتها المقدسة.
وقد حاول الشيوعيون في السنين الأولى لقيام دولتهم «الاتحاد السوفيتي» أن يستعيضوا عن الزواج بالعلاقات الجنسية العابرة، وبما
نظر له عالم النفس الماركسي «ولهلم رايخ» فيما سماه نظرية «كأس الماء» التي تقول: إن على الإنسان
الكادح أن يطفئ عطشه الجنسي بلقاء عابر مع أية فتاة. ثم يمضي إلى عمله.
وبعد أقل من سنتين وجد لينين» زعيم الدولة أن الجيل الجديد سيكون معظمه من «أولاد الحرام»، فأصدر بيانه المعروف بضرورة الزواج،
واحترام تقاليد الأسرة، باعتبارها المحضن الطبيعي لتنشئة الأجيال الصالحة. وبذلك
نقض إحدى عرى الماركسية نفسها التي كانت ترى الزواج شأنًا «بورجوازيًا» مرذولًا وزائلًا.
ها هما الطرفان المسيحي والشيوعي، يجدان أنفسهما مرغمين على العودة إلى
فطرة الله، وأن كل ما قالاه، ومارساه ونظرا له، لا يعدو أن يكون مروقًا عن مطالب
الفطرة، وارتطامًا مؤلمًا بإنسانية الإنسان: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(سورة الروم: أيه رقم30)
هذه عينة واحدة فحسب من بين عشرات بل مئات الخبرات التي تمرد فيها الإنسان
على الفطرة، واصطرع معها بتعبير الناقد الإنجليزي «روبرت كونكويست»، ثم وجد نفسه
مرغما، بعد سلسلة من الإخفاقات والمرارات، على أن يفيء إليها مرة أخرى، رغم أن
العديد من عمليات الخروج تلك حاول أصحابها أن يلبسوها رداء التنظيرات الفلسفية
حينا، والدينية حينًا آخر.
لكن ضغط الفطرة نفسها، ومطالبها الملحة. الفطرة في سويتها المعتدلة كما
خلقها الله سبحانه، كانت أقوى بكثير من كل التنظيرات والتحريمات التي ما أنزل الله
بها من سلطان. وما زلت أذكر-في هذا السياق -ما حدث في ستينيات القرن الماضي عندما
احتدمت المعركة في مجلس النواب الإيطالي، وهو على بعد خطوات من الفاتيكان، عاصمة
الكاثوليكية في العالم حول إباحة الطلاق التي وقف إلى جانبها النواب التقدميون
واليساريون والشيوعيون، وانتهى التصويت بفوز ساحق لهؤلاء ضد الداعين إلى تحريم
الطلاق. وخرجت الصحف الإيطالية الاشتراكية والشيوعية في اليوم التالي تهلل لهذا
الإنجاز التقدمي بإباحة الطلاق. وكسر قيد «التأبيد» الذي فرض على بعض المسيحيين فرضا.
ها هي ذي حلقة أخرى من حلقات العودة إلى فطرة الله. وهناك غيرها الكثير.
ودائما كانت الدعاوى البشرية الوضعية أقصر قامة، وأقل نفاذًا إلى المطلوب. من
مبادئ الدين.
فتلك من معطيات الإنسان النسبية المحدودة والعاجزة. وهذه من تعاليم الله سبحانه. وشتان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل