العنوان العولمة والشركات متعددة الجنسيات
الكاتب باهر السعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1403
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 06-يونيو-2000
* في ظل النظام العالمي الجديد برزت عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية كأدوات رئيسة في الصراع الدولي
* الدول الصغيرة تشهد مزيدًا من الأزمات مع سياسات الإصلاح الاقتصادي وتبني الاقتصاد الحر
تتعدد الرؤى للدور الذي تلعبه الشركات العالمية منذ بداية الكشف عن هذا الدور في السبعينيات، وأكثر هذه الرؤى شيوعًا كان إصرار بعض التيارات على أن لهذه الشركات دورًا مكملًا للقوى الاستعمارية التقليدية، وكان السر وراء هذا الربط من جانب هذه التيارات اليسارية بين الشركات متعددة الجنسيات والاستعمار اعتماد أنصار هذه التحليلات على مفهوم مفاده أن الاقتصاد وحده هو العامل المؤثر والوحيد في التطورات الإنسانية ومن بينها السياسة.
وقد كثر الجدل منذ بداية السبعينيات حول بروز هذه الشركات خاصة مع بروز شركات ضخمة تتخطى موازنتها موازنات عشرات من الدول الصغيرة، وتتبع سياسات قد تتنافى مع سياسات الدول التي تستضيف مقر هذه الشركات، وأوضح هذه النماذج كان تدخل شركة إيه تي اند تي(ATT) في شيلي عام ۱۹۷۲م لتمويل الانقلاب ضد حكومة شيلي بزعامة سلفادور الليندي التيوصلت للحكم من خلال انتخابات ديمقراطية.
فشركات بمثل هذا الحجم وذات مصالح في جميع أنحاء العالم وذات قدرات عملاقة يمكنها بلا شك أن تفرض في النهاية ما تريد إملاءه على الدول الضعيفة، بل وبإمكانها تغيير حكومات والتآمر لخلع من يقفون في طريقها وتشكيل اقتصاديات دول بأكملها وقطاعات اقتصادية كاملة وفقا لأهواء هذه الشركات، فقد أصبحت هذه الشركات ظاهرة ضخمة في العلاقات الدولية يصعب تجاهل دورها وآثارها.
القوة الاقتصادية والقوة السياسية: كانت بداية الحديث عن القوة السياسية والقوة الاقتصادية في الخلاف الشهير بين نابليون والاقتصادي الفرنسي المعروف جان بالتيسة ساي، ومنذ ذلك الخلاف والقيادة السياسية تسعى للتحكم في القيادة الاقتصادية من خلال العديد من الاستراتيجيات التي تحتوي على خليط من القوة ومحاولات الإغراء والتعاون، بهدف السيطرة عليها وتسييرها وفقًا لإرادة القيادة السياسية.
وإذا كانت الطبيعة المعقدة للظاهرة السياسية نفسها تجعل قطع الروابط بين مصادر القوة السياسية ومصادر القوة الاقتصادية بمثابة انتحار سياسي للطرفين، فإن عديدًا من القادة السياسيين في الوقت الحالي يسعون للتودد لأصحاب الأعمال الكبرى لجمع تبرعات لحملاتهم الانتخابية والارتكان لقوتهم الاقتصادية في صراعهم للوصول للسلطة، ومن الأمثلة الواضحة في هذا السياق حملات تمويل انتخابات الرئاسة الأمريكية إذ يتنافس المرشحون في تقديم خدماتهم الأصحاب الأعمال وجماعات الضغط التي تتبنى حملاتهم الانتخابية.
ورغم التداخل الشديد في العلاقة بين القوة السياسية والقوة الاقتصادية إلا أن احتياج الاثنتين للتكامل أمر بات مفهومًا في العلاقات سواء داخل النظام السياسي الواحد أو بين أكثر من نظام سياسي معًا، فالقوة السياسية قد تتحول إلى قوة اقتصادية كما أن القوة الاقتصادية قد تتحول إلى قوة سياسية والاثنتان متلازمتان، والصراع والتعاون بينهما هو الذي يفرز نمط العلاقات داخل الدول أو بين الدول وبعضها البعض.
وقد طور علماء السياسة والاجتماع السياسي أشكالًا من أنماط هذه العلاقات تراوحت بين العمالة والإخضاع والتطويع إلى شراء دول بأكملها، وفي بعض الأحيان إشعال نار الفتن بين بعض الدول مثل طلب حق التنقيب عن النفط في مناطق عليها خلافات حدودية أو ضخ بترول دولة من خلال مضخات موجودة في أراضي دولة أخرى وغيرها من وسائل التلاعب بمقدرات وثروات شعوب وأهم بأكملها.
ما الشركات متعددة الجنسيات؟
تتكون الشركات المتعددة الجنسيات من مجموعة من الشركات الفرعية وهي لا تتخصص في إنتاج سلعة معينة بل تتنوع منتجاتها وتختلف، وأحيانًا تحتوي منتجاتها على أكثر من مرحلة من مراحل إنتاج السلعة الواحدة، هذه الشركات بات لها دورها المؤثر ليس فقط في مجال الاقتصاد الدولي وإنما في المجالات السياسية أيضًا كما ذكرنا أنفا، ولعل الأمثلة الواضحة من شيلي في أمريكا الجنوبية إلى المنازعات الحدودية في العالم العربي تبرز بوضوح حجم الدور الذي تلعبه هذه الشركات وحدها، أو بمساعدة دول بعينها أو مؤسسة دولية مثل منظمة التجارة العالمية أو مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى.
إن لدى الشركات متعددة الجنسيات المئات من الحيل والوسائل للتكيف مع الأوضاع الدولية أو لتطويع هذه الأوضاع لخدمة أغراضها التي عادة ما تكون تحقيق أرباح تجارية وعائدات مادية، والدلائل تشير إلى أن بعض -إن لم يكن أغلب- هذه الشركات العملاقة لديها القدرة على اتباع السياسات التي تحقق مصالحها على الساحة الدولية، وأن حدود الخوض في غمار هذه اللعبة الدولية تحده فقط قدرات هذه الشركة على القيام بأدوار مختلفة وقدرتها على تمويل مثل هذه الأدوار.
ولعل من أبرز الأسئلة على تملك الشركات المتعددة الجنسيات لهذه القدرات العملاقة للتصارع مع السلطة السياسية، هو الخلاف بين حكومة مصدق في إيران وشركات النفط التي عرفت في ذلك الوقت باسم الأخوات الست الكبرى، فالقوة الاقتصادية ممثلة في هذه الشركات لم تكن سهلة الانقياد بين أصابع مصدق، والقوة السياسية التي حاول مصدق أن يوجه بها سياسات هذه الشركات لصالح إيران في ذلك الوقت لم تسعفه كثيرًا في إطالة عمره السياسي.
وقد كان ارتفاع أسعار النفط بعد حظر تصديره للدول التي ساعدت إسرائيل في عام ۱۹۷۳م من التحديات الكبرى التي عرفها العالم المعاصر والتي مازالت تداعياتها تدرس حتى الآن، فاستخدام سلاح النفط كأداة للضغط السياسي كان فعالًا للغاية في تلبية مطالب سياسية محددة آنذاك، وكان أكثر فاعلية من الحصول على الدعم من الاتحاد السوفييتي مثلًا لفرض هذه المطالب.
تصاعد دور الشركات عابرة القارات:
وقد تزايد هذا الجدل مع تزايد عدد الدول التي حصلت على استقلالها بعد انهيار كل من يوغوسلافيا والاتحاد السوفييتي السابق، وما نتج عن انهيارهما من بروز كيانات شديدة الصغر في مقابل استفحال أمر الشركات الدولية وتحكمها في الأسواق وحتى في أسعار العملات الكبرى ومسارات الأمور المختلفة في هذه الأسواق، مثلما كان الحال عندما قامت شركات إنتاج السيارات الأمريكية بتوجيه السوق عام ١٩٩٤م نحو تخفيض سعر الدولار إلى أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، في حين كانت الشركات اليابانية ورجال الأعمال اليابانيين وراء عمليات الشراء المكثفة للعملة الأمريكية للحيلولة دون انهيارها للإبقاء على أسعارها المرتفعة في الأسواق، مما يجعل المنتجات اليابانية أرخص سعرًا مقارنة بنظيراتها الأمريكية.
ولا يقتصر دور الشركات متعددة الجنسيات على الأنشطة في قطاعات النفط والاتصالات أو التعامل في البورصات الكبرى بل أحيانَا تقوم هذه الشركات بأدوار مؤقتة وإن كانت خطيرة للغاية، فوفقاً للتقرير السنوي لمعهد ستوكهولم لدراسات السلام المعروف اختصارًا باسم SIPRIY سيبري استضافت إسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية شركات قامت ببيع أسلحة من أطراف ثالثة لكل من العراق وإيران فيما يعرف باسم السوق الرمادية للسلاح، وهكذا كانت بداية فضيحة إيران كونترا التي بدأت بسقوط طائرة أرجنتينية تحمل أسلحة أمريكية في طريقها لإيران مصدرة عن طريق إسرائيل، مثل هذه العمليات استنزفت أموال البلدين وجنت من ورائها العديد من الأطراف الدولية أرباحًا طائلة طوال فترة الحرب.
الشركات الكبرى والعولمة: في القرن الحالي ومع التطورات التكنولوجية المتلاحقة ومع التوسع في استثمار رؤوس الأموال دوليًا وانهيار الحدود السياسية أمام حركة رؤوس الأموال، انتقلت رؤوس الأموال إلى المناطق ذات عناصر الإنتاجالأقل تكلفة وذات الأخطار الأقل، وكانت المستعمرة البريطانية السابقة هونج كونج هي الرائدة في هذا المجال، ثم بدأت المصانع الغربية في تايوان وباقي الدول التي عرفت باسم النمور الأسيوية تبرز ولكن مع بداية التسعينيات حدث تطوران غاية في الخطورة وبالتالي انعكسا على حركة رؤوس الأموال، هذان التطوران هما:
الأول كان مؤتمر قمة الأرض الذي انعقد في البرازيل عام ١٩٩٢م وما صاحبه من تقارير شديدة التشاؤم عن نتائج تلوث الأرض وآثارها المستقبلية نتيجة المخلفات الصناعية وما ينتج عنها من أضرار كبرى للإنسان والأرض.
الثاني إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش: «أننا نعيش الآن في نظام عالمي جديد»، ورغم أن النظام العالمي الجديد لا يعنينا في هذا التحليل إلا أن من بين تداعياته الاقتصادية المتوقعة إعادة تقسيم العمل الدولي وما لها من آثار على استثمارات الشركات المتعددة الجنسيات في الجنوب، وذلك عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وما صاحب هذا التطور من بروز عناصر القوة الاقتصادية والتكنولوجية كأدوات رئيسة في الصراع الدولي، وتراجع القوة العسكرية كأداة كبرى في هذا الصراع، كذلك فقد صاحب هذا التطور تلاشي انقسام العالم بين شرق وغرب وبالتالي أصبح العالم مقسمًا فقط بين الشمال الغني والجنوب المغلوب على أمره.
هذان التطوران فرضا ما أطلق عليه فيما بعد إعادة تقسيم العمل الدولي، وهي ضرورة حتمتها عمليات التلوث الضخمة التي أصابت العالم الصناعي المتقدم في الشمال، والمجاعات والفقر التي شهدتها العديد من الدول الأقل نموًا في الجنوب، وهو ما جعل عديدًا من دول الجنوب تتخوف من العولمة الاقتصادية نظرًا للتشابه الكبير بين إعادة تقسيم العمل الدولي الحالي وما شهده العالم من عمليات إعادة لتقسيم العمل الدوليخلال الفترات الاستعمارية، والتشابه الشديد في مسألة بروز دور كبير للشركات المتعددة الجنسيات في كل من هاتين الفترتين.
وقد أكد جميع التحليلات رغبة الدول الصناعية والشركات الدولية الكبرى في تفادي المشكلات البيئية الناجمة عن التصنيع خاصة مع نشاط جماعات البيئة والغرامات المالية الباهظة على التلوث والكلفة العالية لدفن النفايات أو التخلص منها، لذا قامت هذه الشركات بنقل الصناعات ذات الربحية القليلة والمعدلات العالية للتلوث إلى دول الجنوب حيث العمالة الرخيصة وقوانين البيئة غير المقيدة للحركة.
كما أن دول الجنوب التي شهدت حركة تصنيع مثل ماليزيا وإندونيسيا وجدت عقبات وعراقيل ضخمة في طريق تطويرها لصناعات وبورصات نشيطة، حيث شهدت تلاعبات وأنشطة مريبة، وإن كانت لم ترق إلى مستوى التدخل السياسي المباشر أو الفج في شؤون هذه الدول.
مستقبل الشركات متعددة الجنسيات:لقد دخل العالم القرن الحادي والعشرين والعولمة مستمرة على كافة الأصعدة، والشركات متعددة الجنسيات قوية ومتماسكة عبر عشرات السنين ومئات الأزمات، وأصبحت العولمة أمرًا واقعًا، كما باتت الشركات الكبرى أكثر قوة مما كانت عليه من قبل في ظل النظام الدولي السابق، وظهرت المؤسسات والقوى الدولية التي تحمي هذه المؤسسات ومصالحها سواء بشكل مستقر أم بشكل علني، ويبدو أن الدول الصغيرة في طريقها لمزيد من الأزمات مع سياسات بيع القطاع العام وتبني الاقتصاد الحر بالرغم مما قد يتسبب فيه من أزمات واضطرابات في دول الجنوب مثلما حدث لدول جنوب إفريقيا.
ولعل المنطقة العربية من أكثر المناطق استقرارًا في تعاملها مع الشركات الدولية، ففي ظل استمرار النفط كمصدر أساسي للدخل لأغلب دول المنطقة، وفي ظل تنامي علاقات العمل المؤسسية بين دول هذه المنطقة والشركات العملاقة يصبح لا مجال للشك في أن هناك مستقبلًا أفضل للتعامل بين هذه الشركات والدول، وإن كان المتوقع أن تشهد هذه العلاقات الشركات بعض المناوشات خاصة في ظل سعي متعددة الجنسيات لتعظيم منافعها.
إن من الصعب في الوقت الحالي استقراء مسار واحد لما ستؤول إليه العلاقات في المنطقة سواء في المستقبل المنظور أم على المدى الطويل، فالعلاقات قد تبدو مستقرة على السطح ولكن غالبًا ما يكون هناك مجال لتفجير أزمة بين لحظة وأخرى قد يكون للشركات متعددة الجنسيات ضلع فيها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لتحديد الأطر العامة لهذه العلاقات هو: ما الشكل الذي ستتحول إليه العلاقات بين الدول وهذه الشركات؟ وما هي الأساليب والوسائل التي سيستخدمها كلمنهم لتعظيم مكاسبه؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل