العنوان الغذاء والحرية والأمن في برنامج الاتحاد الإسلامي
الكاتب أوات الكردي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1398
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 02-مايو-2000
■ الحزب يرسخ في برنامجه مفهومي توفير الغذاء بما يعني تحقيق العدالة الاجتماعية وحفظ الحريات العامة.
■ الشورى تحقق العدل في الحكم وتضمن الحرية.. وانتشار الأمن موقوف على توفير الغذاء.. وتلك مفاهيم واضحة في كتاب الله.
هناك جملة من المفاهيم والقيم العليا أكد الإسلام على ضرورتها وحفظها، وجعل بعضًا منها أهدافًا وغاية، وجعل السعي لتحقيقها واجبًا شرعيًا على المسلمين، ومن جملة هذه المفاهيم «الغذاء، ونعني به الرخاء في العيش والأمن الغذائي وقلع جذور الفقر والحرية، وإذا سننا لماذا الغذاء والحرية كان الجواب: إن الإنسان الذي هو أعظم وأكرم خلق الله عندما يصاب بالجوع. عدم توفير الغذاء - أو الخوف. عدم توفير الجو للحرية - أو الاثنان معًا تضيق عليه الدنيا بما رحبت وتصاب أعماله بالشلل، ويصاب باليأس والقنوط والكسل، بل يفقد اللذة في كل أعماله، لذلك نجد أن الخوف والجوع قد استعملا في القرآن كبلاء بل عدا من أكبر البلايا، يقول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} (البقرة: 155)
وعند النظر والتمعن في مصير الأمم السابقة التي لم تنقاد لشرع الله ورموا دينه وراء ظهورهم أصابهم الخوف والجوع يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل: 112).
والنصوص المعصومة من الكتاب والسنة تحث المسلمين على البذل والإنفاق في سبيل قلع جذور الجوع في المجتمع ويبين القرآن نوع الإنفاق بدقة حيث يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة:19).
يقول ابن عباس والحسن البصري وقتادة في تفسير كلمة «العفو» في الآية أنفقوا ما فضل من حوائجكم ويقابل الإنفاق الشح، واحتكار الأشياء ويقول الرسول ﷺ: «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأي أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى» رواه أحمد.
والسبب في ذلك كله أن المال أو الاقتصاد كله لله، والإنسان مستخلف فيه، ومسخر له ما في السموات والأرض، لكي يستثمر فيها، حسب مراعاة الأولويات، ويعلم بأن للآخرين حق في هذا المال الذي عنده، وقد ذكر المال في في القرآن في (٥٤) موضعًا، فجاء في (٤٧) آية مضافًا إلى ضمير الجمع المتصل مثل «أموالكم» و«أموالهم»، بينما نجد آيات فقط جاءت بعدها ضمير المفرد، مثل «ماله»، و«مالية»، يقول الإمام محمد عبده إتيان ضمير الجمع في القرآن بعد كلمة «مال»، كلأن الله يقول: إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم.
أما الحرية فهي التي جعلها الله ركنًا ضروريًا الحياة الإنسان، فآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (لبَقَرَةِ : 356)، تعني في مضمونها الحرية، فالمؤمن حر لأنه اختار الإيمان برغبته وحريته، وأن الكافر رغم أنه أيضًا حر في اختياره، ولكن ستره وجحوده للحقيقة جعله عبدًا لأشياء أخرى، فيعده جملة الأموات، يقول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام:122)
والكفر يعني العبودية والموت
والرقيق ميت لأنه لا يملك زمام أموره، فقد جعل الله عتق رقبته وإحيائه واجبًا على من قتل مسلمًا خطأ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (النساء: 92).
يقول الإمام النسفي في تفسير هذه الآية قيل لما أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا ﵟ {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام:122) ولهذا منع من تصرف الأحرار النسفي أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي. مدارك التنزيل وحقائق التأويل مج ١، ص ٣٤٥).
يتضح لنا مما قلناه انفًا أن القرآن قد أعطى مساحة كبيرة لمفهومي الغذاء والحرية، وأحكم الشرائع عديدة في سبيل تنشئة المفهومين، وتذكر من هذه الشرائع:
1- كفارة قتل الخطأ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (النساء: 92).
2- كفارة من حلف ولم يفِ بحلفه يكون إما بإطعام أو تحرير رقبة: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (المائدة: 89).
3- وقد جاء في تعريف «البر» في القرآن: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (البقرة: 177).
4- وتصرف الزكاة المفروضة على كلا الجماعتين:
أ- الزكاة للفقراء والمساكين (الفقراء – المساكين - العاملين عليها - المؤلفة قلوبهم - الغارمين – ابن سبيل).
ب - وصرف الزكاة لتحرير الإنسان من رق العبودية «الموت» ويدل عليه قوله تعالى {وَفِي ٱلرِّقَابِ} {وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}٠ أما الثانية رغم سعة معناها وحدودها. إلا أن الفقهاء وفسروها بالجهاد ويشرع الجهاد التحرير الأرض والإنسان من رق العبودية لغير الله يقول الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} (التوبة: 60).
5- وفي كفارة الظهار شرع تحرير الرقبة أو إطعام المسكين أو الصيام، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} (المجادلة: 3- 4).
6- ولأهمية الغذاء والحرية في حياة الإنسان يعطي الله هوية المقتحم للطريق الصعب والعقبة.
للذين يطبقون هاتين الصفتين: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)} (البلد: 11- 14).
مما سبق يتضح لنا مدى اهتمام القرآن بمفهومي (الغذاء والحرية).. لأنهما عمود مستقبل مضيء، وباب للحياة السعيدة للبشرية. وبهذا الشكل استطاع الإسلام. عن طريق مجموعة عوامل تربوية واجتماعية - أن يوفر الغذاء للفقراء، والحرية للعبيد.
وهذان المفهومان أصبحا في يومنا شعارًا لكثير من الحركات التحريرية في العالم، لأن الغذاء، والحرية، قد أخذا في عصرنا الحاضر معاني جديدة وواسعة، وأصبحا ركنين مهمين في الاقتصاد، والسياسة.
ونقصد بالغذاء في يومنا العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات ونقصد بالحرية حفظ الحريات العامة.
ومن هذا المنطلق فإن حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني، الذي هو حزب إسلامي إصلاحي، قد رسخ هذين المفهومين في برنامجه بدقة، وذلك في المواد الآتية:
1- الاسم والتعريف (به کگرتوو) حزب سياسي إصلاحي يجاهد لحل جميع القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية من منظور إسلامي، بما يحقق الحريات العامة والعدالة الاجتماعية لشعب كردستان.
وفي المادة الثالثة نرى كلمات الشعار لــ (يه كگرتوو).
الأخوة الحرية العدالة
وفي النقطة الثالثة بالمادة الرابعة التي هي: «المبادئ العامة لـ (يه كگرتوو). يؤكد (يه كگرتوو) على أن الشورى تحقق العدل في الحكم وتضمن الحريات العامة.
ونجد في المادة نفسها النقطة الثامنة «أن حرية الاعتقاد في الإسلام تقتضي التعددية السياسية والفكرية في إطار القيم العليا» ... وفي النقطة التاسعة من المادة الخامسة الأهداف لـ (يه ككرتوو) (العمل على تنمية اقتصاد کردستان وفق الخطط العلمية المناسبة).
وهناك آيات تشير إلى ثنائية (الغذاء) و(الأمن)، وانتشار الأمن موقوف على توفير الغذاء في المجتمع.
ويمن الله على قريش ويأمرهم بعبادته ويذكرهم بأنه قد أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} (قريش: 3- 4).
ويدعو إبراهيم ربه ويناجيه بأن تكون مكة كثيرة الغذاء، والأمن، يقول الله:
{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} (البقرة: 126).
واستجاب الله دعاء إبراهيم، ويذكر أهل مكة بهاتين النعمتين الغذاء والأمن يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص: 57).
وقال الله في عاقبة الذين لا يعرفون قيمة هاتين النعمتين:
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (النحل: 113).
ولأهمية الأمن، ودوره الرئيس في تقدم المجتمع اتخذ (يه كگرتوو) وسائل عديدة في سبيل هذا المشروع منها:
1- وضع (يه كگرتوو) ثلاثة مبادئ الأخوة الحرية العدالة، وجعل أولها الأخوة ويقصد الأخوة بشتى أنواعها من الأخوة الإيمانية، والأخوة القومية، والأخوة الإنسانية، بين كل شرائح المجتمع.
2 - وثبت في النقطة السابعة من المادة الرابعة المبادئ العامة لـ (يه ككرتوو) نبذ كافة أشكال العنف والإرهاب.
3-وحول تحقيق الأمن للأفراد يرى (يه ككرتوو) بأن الإيمان من أهم عوامل تحقيق الأمن للفرد والمجتمع، يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: 72). وجعلها من ضمن أهدافه في مادتين السادسة والسابعة، أما المادة السادسة دعوة الناس للتمسك بالتعاليم الإسلامية الحنيفية والأخلاق الفاضلة بالحكمة والموعظة الحسنة للفوز بسعادة الدارين.
4- وفي النقطة الثالثة عشرة من أهدافه يؤكد (یه كگرتوو) على تحقيق الأمن العالمي ويبين موقفه من أسلحة الدمار الشامل، فجاء فيه العمل على منع واستعمال أسلحة الإبادة الجماعية.
5- ويتبنى الحوار سبيلًا لتحقيق أهدافه ونبذ الخلافات والمشكلات، ويرى أن الحوار نقطة مهمة لتحقيق الأمن في المجتمع.
وفي الختام نصل إلى أن (يه ككرتوو) في برنامج عمله يؤكد على توفير وتحقيق الغذاء. والحرية والأمن كأسس مهمة لتحقيق السعادة الحقيقية في ظل الدين الإسلامي.
وعند التمعن من دعاء سيدنا إبراهيم – عليه السلام - نراه لا يتجاوز هذه المفاهيم الثلاث، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)} (إبراهيم: 35- 37).
{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا} إشارة إلى مفهوم الأمن.
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} إشارة إلى مفهوم الحرية.
{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} إشارة - إلى مفهوم الغذاء..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل