العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار حول الغزو الفكري الماركسي (الحلقة التاسعة عشرة)
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1986
مشاهدات 47
نشر في العدد 758
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 11-مارس-1986
- الشيوعيون اعترفوا صراحة في صحفهم أنهم يمارسون الطقوس الدينية لغزو المؤمنين والسيطرة على معاقلهم الدينية.
- رسالة الإسلام إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- لم تكن وليدة انفعال بين النبي والمجتمع.
- الماركسية تستمد وجودها في العالم الإسلامي من جهل الطبقة المثقفة بحقيقة الشيوعية.
- الفلسفة الأوروبية الخاطئة لأحداث التاريخ لم تكن وحدها المؤثر على كتابة التاريخ الإسلامي وعلى تفسير أحداثه.
لقد ظهرت الماركسية كحركة سياسية معادية للغرب، ودعوة مادية ترفض الأديان ومذهب عالمي لا يعترف بالحدود ولا بالقوميات.
ولهذا قد يجد بعض الناس أنه من الغرابة أن تقع الماركسية في خندق واحد مع الاستعمار الغربي باتخاذهما معًا أساليب الغزو الفكري؛ لأن هذا الغزو هو سلاح فكري يحل محل السلاح العسكري وسلاح العداوة والبغضاء، وهنا يكون التناقض من جانب مذهب مفكر الأديان وينادي أن الدين خرافة وحليف للإقطاع والرأسمالية ضد العمال والمستضعفين، فكيف يمكن لمنكري الأديان أن يؤمنوا بها وينضموا إلى المؤمنين تمهيدًا للتأثير على أفكارهم ليؤمنوا بالماركسية؟
لقد اعترف الشيوعيون صراحة في صحفهم أنهم يمارسون الطقوس الدينية، لغزو المؤمنين والسيطرة على معاقلهم الدينية.
لقد كتب هؤلاء: «في بعض النظم الماركسية الجديدة نجد جماعات من أصحاب المسؤوليات وهم ماركسيون فكرًا ، يمارسون الفروض الدينية علانية ويشجعونها، ولكنهم يفعلون ذلك للسيطرة على زمام المعاقل الدينية، ونحن في الاتحاد السوفييتي لجأنا إلى هذا الأسلوب أيضًا في مناطقنا الإسلامية، كما يلجأ إليه بعض أقطاب الحزب الشيوعي في إيطاليا».[1]
الإسلام والتفسير المادي للتاريخ
إن الفلسفة الأوروبية الخاطئة لأحداث التاريخ، لم تكن وحدها المؤثر على كتابة التاريخ الإسلامي وعلى تفسير أحداثه.
فالمادية الجدلية التي ابتدعها كارل ماركس قد أثرت في تفكير بعض الكتاب؛ فحاول أن يفسر انتصار الإسلام وأحداثه التاريخية تفسيرًا ماديًّا، لقد تبنى ذلك مونتجمري وات في كتابه محمد في مكة، ومحمد في المدينة، بل لقد افترى أيضًا على الإسلام والتاريخ الإسلامي في عدة أمور منها:
أ- زعم أن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان لديهم سبع زوجات أو أكثر فلا يوجد حد أقصى لعدد الزوجات، وادعى أن القرآن لم يضع حدًّا لذلك. وهو لا يجهل أن القرآن قد وضع حدًّا أقصى لتعدد الزوجات في قول الله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: 3) كما أنه لا يجهل أنه لا يوجد في أي مصدر تاريخي أن صحابة رسول الله قد خالفوا هذا النص القرآني الكريم.
ب- وزعم أن أحداث التاريخ والسير في عصر النبي-صلى الله عليه وسلم- تكشف عن أن النساء كان لهن أكثر من زوج، وهذا لم يقله أحد في القديم أو الحديث حتى ولم يقله أشهر الناس كذبًا وافتراء.
جـ- وزعم أن النبي-صلى الله عليه وسلم- كان له علاقة بنساء أخريات غير أزواجه، وحسب كل إنسان شريف أن يجيب على هذا بقول الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).
د- وزعم أن البخاري في الصفحة السابعة والستين قد روى إباحة النبي لزواج الشغار . وحسب كل باحث شريف أن هذه الصفحة فيها: لقد نهى النبي عن الشغار وهو أن يزوج لرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق.
هـ - وأخيرًا فإن هذا الكتاب قد ابتدع تفسيرًا جديدًا لرسالة النبي-صلى الله عليه وسلم- فزعم أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي الدافع إلى هذه الحركة الدينية، وهي الدافع إلى استجابة الجماهير لها.
إن هذا التفسير المادي لرسالة الإسلام وللتاريخ الإسلامي والذي ابتدعه مونتجمري وات، قد تبناه بعض الكتاب العرب، أولهم طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى الذي ظهر في الخمسينيات، ثم تأثر به عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه محمد رسول الحرية الذي ظهر في الستينيات، ثم ظهر أحمد عباس صالح في مقالات له بمجلة الكاتب في يناير سنة ١٩٦٥ بالقاهرة، وزعم أن صراعًا نشب بين ما أسماه اليمين واليسار في صدر الإسلام.
لقد تجاهل هؤلاء جميعًا أن تفسير الوقائع التاريخية إن جاء مخالفًا لهذه الوقائع ومتعارضًا معها خرج عن كونه تفسيرًا لها، وأصبح افتراء عليها وكذبًا صريحًا يستطيع كل إنسان أن يكشفه ويعلم زيفه وبطلانه.
إن أصدق المصادر التاريخية تثبت أن رسالة الإسلام إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- لم تكن وليدة انفعال بين النبي والمجتمع؛ لأنها وحي من الله بدأ بقوله- عز وجل- لنبيه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: 1-5). إن المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية لم يكن رد فعل لعوامل اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، بل كان وحيًا من الله يخضع لتشريعه الغني والفقير والحاكم والمحكوم والأبيض والأسود والعربي والعجمي. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: 49) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36). وقال تعالى عن حقيقة هذا المنهج: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15-16).
فرسالة الإسلام إلى الناس وحي من الله إلى نبيه، والقول بأنها تأثرت بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كرد فعل لها ينطوي على خبث والتواء، يوحي بأن هذا الدين ليس وحيًا من الله، بل هو مجرد محاولة إصلاحية من محمد كبشر مصلح وليس كرسول من الله.
وهذا القول بهذه الصورة ليس تفسيرًا لمصادر تاريخية؛ لأن أشرف المصادر وأصدقها هو القرآن الذي أخبر عن الوقائع الحقيقية وهي قول الله تعالى عن القرآن والرسالة والرسول: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52).
إن التفسير الصحيح للأسباب والدوافع التي كانت تحرك الذين بايعوا النبي واتبعوا النور الذي أنزل معه، هو ما أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي عن جابر بن عبد الله، قال في وصف بيعة العقبة الكبرى: «رحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا يا رسول الله: علام نبايعك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «تبايعون على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعونني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم ولكم الجنة».
لقد كان رواد هذا الدين والراغبون فيه على علم تام بتكاليف هذه الرسالة، فهم لا يطمعون في تحسين أوضاع لهم، أو يسعون إلى مغنم مادي، ولقد عبر عن هذا أسعد بن زرارة وهو أصغر المبايعين في العقبة فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف».
هذا ما كان يحرك أنبل الدوافع لدى أشرف الناس الذين تجمعوا حول رسول رب العالمين.
الماركسية وأمية المثقفين
تستمد الماركسية وجودها في العالم الإسلامي، من جهل الطبقة المثقفة بحقيقة الشيوعية.[2]
لقد قال لينين بعد توليته السلطة في روسيا «لم نجد في الماركسية ما يساعد على حل المشكلة العلمية الاقتصادية».[3]
كما أن المدرسة الماركسية الحديثة وأبرز رجالها برونشتين يقولون: «لقد وجدنا أن أنجلز صديق ماركس قد حاول أن يصحح هذه النظرية أثناء حياة ماركس وبالاتفاق معه،[4] وقال جيلاسي أحد زعماء الشيوعية سابقًا: «إن الشيوعية آخذة في الانطفاء كمذهب فكري.. لذلك ترى الشيوعية أن من الأمور الضرورية أن تحتفظ بالسلطة كوسيلة للسيطرة على الشعب» «والتنبؤات التي قال بها ماركس باسم الحتمية التاريخية قد كذبها التاريخ فلم تظهر الماركسية في البلاد الرأسمالية، ولم تكن إنجلترا مركز هذه الثورة كما قال ماركس».[5]
[1]عن الإسلام والشيوعية للإمام الدكتور عبد الحليم محمود ص ۲۹، والغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام للدكتور عبد الحميد متولي ص ٣٢.
(2) الغزو الفكري للدكتور عبد الحميد متولي ص ٤٨٢.
[3]المرجع السابق وكتاب حياتي لتروتسكي ص۳۳۷.
(4) الإسلام ومبادئ الحكم في الماركسية والديمقراطيات العربية للدكتور عبد الحميد متولي.
(5) الإسلام ومبادئ الحكم في الماركسية والديمقراطيات العربية للدكتور عبد الحميد متولي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل