; الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار (الحلقة العشرون) | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار (الحلقة العشرون)

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 759

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 18-مارس-1986

جاهر السادات في آخر حُكمه بأن الجماعات الإسلامية قد انحرفت عن الصراط المستقيم لأنهم يريدون أن يتدخل الدين في أمور الدولة والسياسة، وابتدع شيئًا يريد أن يعطيه شرعية ودستورية وهو أن من أراد الدين فأمامه المسجد للصلاة فقط، وبشرط ألا يتكلم عن الدولة والحكم في شيء، ومن أراد السياسة فأمامه الأحزاب التي أقرتها الحكومة ليعمل من خلالها، ثم عاد وزعم أن هذه الجماعات تضلل الشباب لأنهم يطالبون بالحُكم بالقرآن، وقد تناسى هذا الحاكم وسدنته في الماضي والحاضر ما يأتي: 

أولًا: ارتباط الدين بالحُكم والسياسة.

لا يستطيع أي شخص يدعي أنه مسلم أن ينكر أن الإسلام دين ودنيا أو دين ودولة. 

فالحكم جزء من العقيدة في الإسلام، ولهذا عندما حاول الغرب إضعاف الأمة الإسلامية وتقسيم أوطانها عن طريق هدم الخلافة الإسلامية استخدموا في ذلك كمال أتاتورك الذي جعلوا منه بطلًا في الحروب وانسحبت بريطانيا أمامه لتعطيه الزعامة التي يستطيع بها أن يعزل الدين الإسلامي عن الحياة ويلغي الخلافة الإسلامية. 

 

ولقد استطاع كمال أتاتورك وأعوانه وسادته أن يسخروا الشيخ علي عبد الرازق لهذه اللعبة فأخرج كتابًا باسم «الإسلام وأصول الحكم» زعم فيه أن الإسلام قد خلت نصوصه من أحكام الدولة ونظام الحُكم، وأنه لا ينبغي أن يتدخل الدين في نظام الحكم. 

عندئذ قامت هيئة كبار العلماء بمصر بعقد جلسة محاكمة طبقًا للمادة ١٠١ من قانون الأزهر ونشرت جريدة السياسة اليومية تفاصيل هذه المحاكمة في عددها رقم ٨٦٥ في ١٣/٨/١٩٢٥، وكان قرار هيئة كبار العلماء هو طرده من زمرة العلماء. 

وقد تصدى العلماء لهذه البدعة، وفندوا المزاعم التي تعلل بها الشيخ الذي سخرته الأهواء لخدمة أعداء الإسلام، فصدر كتاب الشيخ محمد الطاهر عاشور باسم «نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحُكم»، وصدر كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد بخيت المطيعي باسم «حقيقة الإسلام وأصول الحُكم».

كما صدر كتاب الشيخ مصطفى صبري عن موقف العقل والعِلم والعالم. وقد استند هؤلاء جميعًا بمن فيهم هيئة كبار العلماء إلى أن إجماع المسلمين قد انعقد على أن الإسلام لا يفصل بين الدين والحكم والسياسة، ومن الأدلة على ذلك:

أ- من القرآن الكريم: قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة النساء:٦٥). ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى:١٠) . ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء:١٠٥). 

﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة:48). ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾(المائدة:44) 

ب- من السُنة النبوية قول النبي صلى الله عليه وسلم:

 (1) «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه.

 (۲) «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمد.

 (۳) «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم .

(4) وإذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» رواه مسلم. 

(٥) عقد النبي مع يهود المدينة اتفاقًا دوليًا جاء فيه «وأنه ما كان بين أهل هذه

الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله».

ومن السُنة النبوية:

(1) روى الشيخان عن جرير بن عبدالله قال «بايعت رسول الله صلی الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم».

 (۲) «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.

 (۳) سئل النبي أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر» رواه النسائي. 

(٤) «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًلتقصرتم ولتأطرنه على الحق أطراًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم» رواه أبو داود والترمذي. 

من هذا يتضح أن المسلم إنما يمارس رسالة الإسلام في نُصح الحاكم امتثالًا لأمر الله، وإن الحاكم الذي يريد حصر الدين في المسجد، إنما يريد إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويحكم بما يشاء فلا معقب لحُكمه. 

وإن السادات لجأ إلى هذه المزاعم ليحول دون نُصحه في أمره مع إسرائيل التي فرضت عليه ترك مساحات من أرض سيناء لدولة العدوان، وفرضت عليه إدخال المنتجات الإسرائيلية إلى مصر وبيعها للشعب المغلوب على أمرها وفرضت عليه التبادل الثقافي، مع علم الجاهل قبل المتعلم أن الإسلام جاء يصحح انحراف اليهود.. فكيف نستورد منهم هذا الانحراف والتحريف ونفرضه على المسلمين.. كما يتضح أن المطالبة بالحُكم بالقرآن والسُنة جزء لا يتجزأ من عقيدة كل مسلم، وأن الطاعة في ذلك حدد الإسلام نطاقها، فلا طاعة في معصية. 

ثم كيف تبيح حكومة ما لجميع أفراد الشعب الحديث في أمور الحُكم والسياسة ولكنها تحرم ذلك على من يصلون؟! السبب أن المُصلي يعطي ولاءه لنظام الإسلام، فلا طاعة في معصية أما غيره فلا يهمه إلا ما يحصل عليه من المنافع، فإن أغراه الحاكم بالمنافع أطاعه وصفق له ولو على حساب الوطن الإسلامي والأجيال، ولهذا فهو عند السادات وحده المؤهل لتعاطي السياسة.

ثانيًا: حصر الدين في المسجد 

إن دعوى حصر الدين في المسجد فلا يُباح للمسلم أن يتعرض لأمور الحكم، أمر ابتدعه اليهود والنصارى وجاء الإسلام ليصحح ذلك فقال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة: 78-79)

﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165)

ولقد حاول هؤلاء رد السُنة في الحدود وشئون الاقتصاد والسياسة، وهذا ما فصلنا

عليه الرد في هذا الفصل وغيره (1).

 

(1) انظر كتاب السُنة المفترى عليها للمؤلف الفصل الرابع.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

110

الثلاثاء 26-مايو-1970

ندوة الأسرة الأسبوعية - العدد 11

نشر في العدد 19

106

الثلاثاء 21-يوليو-1970

أفعى خيبر (قصة تاريخية قصيرة)

نشر في العدد 1270

901

الثلاثاء 07-أكتوبر-1997

المجتمع التربوي (1270)