العنوان الفاشيستيون العرب ماذا يريدون؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
مشاهدات 56
نشر في العدد 747
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
- السلم والسلام لا يتأتيان إلا باحترام الحقوق وإطلاق الحريات والاحتكام إلى الدستور والقانون.
- إننا ندعو إلى إطلاق حرية الكلمة من أقفاص الدساتير المؤقتة والأحكام العرفية.
● كلما أصيب فرسان الهزيمة بمصيبة عادوا إلى تفثهم الأول بعد فترة من النحيب والبكاء.
● فرسان الهزيمة دعاة فكر الخطيئة النافخون في كير المذهبية الحزبية!
من المعروف أن عقيدة الفاشيست تقوم على أساس حصر السلطة بيد الدولة، والقضاء على التركيبة الديمقراطية للمجتمع، كما عبر عنها موسوليني -هيمنة الدولة- وهذا يعني السيطرة المطلقة بواسطة قيادات مركزية قوية وحزب شعبي، واحد مهذب ومدرب وتوجهات أيديولوجية مركزة وزعيم منظر ومخطط.. كل هذا لا يتأتى إلا بـ:
- السيطرة المطلقة على وسائل الإعلام «صحافة، إذاعة تليفزيون».
- السيطرة المطلقة على التربية والتعليم والثقافة.
- استخدام جهاز قمعي قوي ومنظم «بوليس- مخابرات».
- تقويض القيم الاجتماعية «البالية» وإقامة دعائم المجتمع على أسس من قيم جديدة خلاقة.
- حزب وحيد يقوده زعيم «موهوب» يوجه أجهزة الدولة ويخطط لها توجهاتها السياسية. فلو «عربنا» هذه الأفكار التي كانت سبة في حياة الشعوب زمن الحرب العالمية الثانية، وعارًا ما زال الناس يتبرؤون منه ويتهربون، لوجدنا أن دعاة «التقدمية» اليوم به موصومون وعلى نهجه سائرون.. ومصيرهم كما كان مصير إسلامهم، فهم وجدوهم كذلك يفعلون.
فرسان الهزيمة... وفكر الخطيئة:
العجيب أن فرسان الهزيمة كلما أصابتهم مصيبة عادوا إلى تفثهم الأول بعد فترة من النحيب والانكفاء، ولكنهم لا يعودون عودة التائب وسلوك البديل، بل عودة موصود البصيرة مسور الفؤاد لا يعرف طريقًا غير الذي وجد عليه آباءه يفعلون.
ولو نقبنا عن فرسان الهزيمة هؤلاء لوجدناهم جميعًا وقلوبهم شتى.. اختلفت مشاربهم وولاءاتهم وتوحدت صفوفهم أمام دعاة الإسلام والوطنية.
هم كلهم، يطلون علينا من كل شرخ ويقتحمون علينا أبوابنا بماركس ولينين والأرسوزي أحيانًا، وبالماسونية والروتاري والليونز أحيانًا أخرى. ثم النعرات القومية الفرعونية والبربرية والسورية، وأخيرًا جاءونا بكامب ديفيد وكامب مورفي...
والذي يبحث عن ملخص لفكر هؤلاء جميعًا عن فكر الخطيئة هذا، يراه في أجلى صوره فيما كتبه غسان الإمام في «مجلة الوطن العربي» الذي جمع فيه فكر من قبله وقول من حوله ليطلع علينا ببكائيته الشهيرة تحت عنوان «رهائن المسجد والجامعة»، إذ جعل من كلمة السلفية حصان طروادة للإغارة على البقية الباقية من تجمع المسلمين والقضاء على ما بقي بينهم من سلام وتعايش ومحبة.
ولست أدري أي فكرة يحمل هؤلاء عن السلفية ورجالها، وهل هم إلا دعاة العودة إلى الأصول دون القشور وإلى ترك الناس يجتهدون فيما لا نص فيه، وإلى بلورة القواعد الإسلامية في العقائد والعبادات.. لم يزاحموهم على منصب، ولم يقاتلوهم على درهم ولا دينار.. أم إنهم أخذوا ممن شط في الممارسة الفكرية وخلطوا الأوراق جميعًا فخرجوا بتشخيص الداء فأسموه «مرض السلفية».. ولكن وراء الأكمة ما وراءها، فهي ليست غيرة على الإسلام، بل غارة عليه.. إنهم يدعون صراحة إلى تهيئة الجو الذي يعيشون به لا يحيون بدونه، إنهم يدعون كما كانوا بالأمس إلى:
- اغتيال حرية الصحافة وخطف دور النشر ووضع الإعلام في ركاب السلطة.
- إلى حبس الديمقراطية في أقفاص الحزب الواحد ووراء جدران الهيمنة السياسية والنفعية والوصولية.
- إلى تحريك القوى البوليسية لخنق الأنفاس ومنع الناس من حق التعبير، والمشاركة، وتشجيع التجسس والخيانة.
- إلى استعداء الحكام -كل الحكام- مهما كانت اتجاهاتهم السياسية وأنظمتهم وممارساتهم على الشعوب والعلماء والمفكرين، إنهم ضد الانتخابات الحرة، وضد محاربة الطغيان، وضد التنظيمات الديمقراطية الخارجة عن قبضة الحاكم أو الحزب المتسلط.
- أنهم يدعون إلى ديكتاتورية الحكم واختزال التمثيل الشعبي على فئات النفاق السياسي، وإلى منع الناس من الحياة النقابية ودخول الجامعات واعتلاء المنابر إلا وفق مواصفات معينة تخدم أهدافهم وأغراضهم هؤلاء هم فرسان الهزيمة.. ودعاة فكر الخطيئة، دعاة الفئوية والعنصرية السياسية، النافخون في كير المذهبية والحزبية.. هم الذين ينعون لنا اليوم صولة «السلفية في المسجد والجامعة»، وحسب السلفية شرفًا أن يكون المسجد والجامعة ميدانًا للنزال، بالقلم واللسان.. وحسب غيرهم أن تكون ميادينهم سراديب بعيدة تشق أنفاقها إلى ثكنات الجيش وأرشيف المخابرات.
رمتني بدائها وانسلت...
هذه العبارة ما زالت كتب الأدب تنقلها منذ مئات السنين، وما زالت تلك الواقعة مسبة في جبين كل من ينهج هذا النهج في تعامله مع الناس، مسبة للذين يفهمون ويستحون وإذا عقلوا يرجعون.
فيقول أحدهم:
«إنهم شباب (يعني الإسلاميين) لا يهتمون بمبادئ والتزامات ومعتقدات الآخرين، وهم بحماسهم واندفاعهم يبلغون حد الهوس في العمل من أجل فرض ما يؤمنون به على الآخرين».
ثم يستشهد بعبارة لزكي نجيب محمود فيقول: إن الجيل الحالي أقل من الجيل الماضي انفتاحًا وأشد انغلاقًا والتزامات بالرأي الواحد...
ونحن نتساءل من هم الذين لا يهتمون بمبادئ والتزامات ومعتقدات الآخرين، أهم أولئك الذين علقوا على المشانق وعاشوا عمرهم في السجون ومنعت عن عوائلهم معونات القريب والبعيد، أم هم أولئك الذين تآمروا مع الأجنبي لإخراج الإسلام من أرضه، وامتطوا الدبابات لقمع المظاهرات السلمية وهدموا المدن والمساجد والمدارس، أم هم الذين يستقدمون جيوش الأجنبي لحماية عروشهم من شعوبهم ويتبادلون معه التقارير عن حركات التحرر فوق أرضهم، ثم يتسابقون لعقد معاهدات «الصداقة والدفاع المشترك» لتخويف جيرانهم من أبناء جلدتهم وقومهم.
من هم أصحاب الرأي الواحد؟ أهم الذين يربحون الانتخابات بـ ٩٩.٩٩% أم هم الذين يكافحون سنين لانتزاع حق التنظيم الديمقراطي من يد الحاكم الظالم.
من هم المعتدون على حريات الآخرين؟ أهم الذين يدعون الناس بالكلمة الطيبة إلى احترام عقيدة الأمة بالمظهر والمخبر.. أم هؤلاء الذين يعتدون على الحرية الشخصية في الهيئة واللباس، ويمنعون الطالبات من دخول الجامعات لباس العفاف ويغضون الطرف عن لباس الغانيات؟..
وأخيرًا، أهم الذين وصفتهم منظمة العفو الدولية بقولها: «الدول الثورية هي أكثر دول العالم انتهاكًا لحقوق الإنسان»، أم أولئك المشردون الهائمون في تيه العنجهية العربية والعمى العربي والواقع العربي، يتلمسون الخلاص لهم ولغيرهم؟..
بكائيات ونواح:
هؤلاء الذين أوردوا قومهم دار البوار، يبكون اليوم ويدعون أولياءهم أن يخففوا عنهم العذاب، وما هو بمزحزحهم عن النار.. يندبون حظهم وخسرانهم بقولهم في «الوطن العربي»:
- الجامعة لا الجيش هي الموقع المميز للمد السلفي..
- الإسلاميون تسلطوا على الجامعات في مصر وتونس وليبيا والسودان والكويت والسعودية عبر الانتخابات الطلابية…
- ٥٥% من طلبة الكويت الإسلاميين هم من البنات..
- السلفيون في تونس يزحفون تدريجيًا داخل الاتحاد العام التونسي للشغل...
- معظم الذين يمسكون اليوم بزمام هذه «الكتلة البشرية المجهولة المسيسة» هم من المدرسة السلفية ذاتها.
- هل فرغت جعبة نجيب محفوظ ولطفي الخولي وهيكل من الحلول السياسية لمجتمعاتهم لتصبح «الوصفة» وقفًا على السلفيين.
- من أسباب «خطف» شباب الجيل: التجارب السلطوية الخاطئة وغياب الديمقراطية والنزاعات والخصومات والتصفيات الدموية بين التنظيمات القومية.. وهزيمة فلسطين…
إننا نحمد الله أن أجرى الحق على ألسنتكم.. نحمده أن كانت الجامعة عرين الشباب هي الموقع المميز للإسلاميين، لا الخمارات والنوادي أو الأوكار، وأن هذا الوصول كان بالانتخابات الطلابية الحرة، لا بالقوائم المعدة قبل الانتخابات، ولا يسوق الناس رغمًا للتصويت أمام الأعين المفتوحة والنظرات الرادعة...
وإذا أراد الله نشر فضيلة *** طويت أتاح لها لسان حسود
أما أن تكون المرأة هي التي شاركت بنجاح القوائم الإسلامية فهذا هو مقتلكم ومطعنكم... فكم حاولتم إفسادها وجرها إلى مواقع الرذيلة والفساد، عبر أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، وعبر الحفلات والسهرات الماجنة.. فنحمد الله أن شفى قلوب قوم مؤمنين...
أما أن النقابات لفظتكم، فذاك لأنها كشفتكم وعرف الفقراء أنكم تتاجرون بهم وتستخدمونهم للتصفيق والتهليل وتأكلون أموالهم بالباطل وهم ينظرون.. كم من فلاح حملتموه في الشاحنات إلى المدن ليصفق لكم، وكم من عامل أكلتم حقه فلم يجد له من ملجأ إلا الله.. حتى هذه النقابات التي دعمتموها لتعزيز الطبقية في المجتمع لن تتركها لكم، فهم أبناؤنا وإخواننا ونحن أحق بالمؤمنين منكم.
وأخيرًا إذا كان السؤال المحير لكم هو فراغ جعبة نجيب محفوظ ولطفي الخولي وهيكل... ونحن نتساءل بدورنا، متى كانت جعبتهم مليئة بغير الحق وكراهية الإسلام والمسلمين؟... أليس هو نجيب «دافيد» وشاعره المفوه؟ أین وطنيتكم وأين فلسطينكم؟
النفاثون في العقد...
الاستعداء حيلة المفلس فكرًا، الضعيف ذكاء وفطنة.. ألم تر إلى المنافقين في المدينة حينما قعدت بهم الحيلة، لجأوا إلى شر ما يلجأ إليه شريف القوم على لسان عبد الله بن أُبي زعيم المنافقين ﴿ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (المنافقون:8).
هذا الاستعداء وهذا التخبط هو صفة الذي يتخبطه الشيطان من المس، يضرب يمنة ويسرة فانظر ماذا يقولون:
«قراءة متأنية في البيان الذي تركه الفاعلون يوحي من خلال أسلوبه ومضمونه بأنه من صياغة المجموعات الدينية المتطرفة أو الجهات الليبية المختصة».. ثم يقول: «إذا ثبت أن للجماعات الدينية المتطرفة علاقة بالحادث فهذا فأل سيئ لمصر... إلخ» - الوطن العربي عدد 446/30/8 – 4/9/1985
«وبعد ذلك كله تشكو الأنظمة السياسية من المد السلفي وإغراقه في تطرفه، ومع الشكوى لا يحدث إجراء واحد لتعديل الكفة، الصحافة مفتوحة أيضًا للسلفيين لينقلوا الشروح القديمة للإسلام وليتجنبوا أي حديث عن القيم الاجتماعية والسياسية الثورية في الإسلام» - الوطن العربي-.
«ثم جاء السادات ليفتح الجامعات المصرية أمام السلفيين». -الوطن العربي- من مقال «رهائن المسجد والجامعة».
»الرئيس بورقيبة صريح وجريء في نقده للسلفيين، وهو ما زال يرفض منحهم ترخيصًا بإنشاء حزب سياسي» -نفس المقال-
»ولكن يبدو أن المهاودة -يقصدون مبارك- فسرت على أنها صادرة من موقع ضعف»- نفس المقال-
لا أجد لهذا تعقيبًا سوى ما أوردت سابقًا.. وللقارئ أن يزن أن هؤلاء يحالفون أي جهة تحارب الإسلام، حتى وإن لم تتفق معهم... ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله... فسينفقونها، ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون... ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (النساء:51).
تلك آية من سورة النساء تصف سلوك يهود مع عرب مكة، إذ هم يشجعون الأعراب على التمسك بطغاة قريش وأصنامها دون محمد -صلى الله عليه وسلم- وربه..
ولا نورد هذه الآية إلا لتبيان سبيل يهود في الخداع والمخادعة، لا لنكفر مسلمًا ولا لننال من أحد نيلًا.. وإليكم الأمثلة كما جاءت على لسان «شاعرهم» «الإمام»:
- «تجربة العنف السورية مع السلفيين ربما أجلت المأزق الطائفي والديني، ولكن لم تحله».. يسمي ما حدث تجربة، فهي إذا قابلة للتطبيق مرة أخرى.. قتل ٣٠ ألف عربي مسلم «يا دعي العروبة» هي تجربة، والطائفية هي التي قاتل ضدها هؤلاء وليس العكس.. ولكن طالما أن الذين قاموا بها من المسلمين فالأمر مختلف جدًا.. أما جنوب السودان فهو انتفاضة.. سبحان مغير الأحوال.
محمود طه.. ذلك الشهيد؟؟
أنا لا أعلم منذ متى لانت قلوب هؤلاء على الناس، أين كانوا حين علق العلماء على المشانق؟.. وأين كانوا حين أعدم ألف رجل في سجن تدمر في ليلة واحدة، وأين كانوا حين هدمت مخيمات الفلسطينيين بأيد عربية؟؟ ويوم حماة وطرابلس.. إلى آخر القائمة السوداء في التاريخ العربي.. قد أفهم مقاصدهم الخفية من وراء هجومهم على السلفية وتسميتها «ردة العقل العربي والإسلامي»، وكذلك هجومهم على الشيخ الطنطاوي «الذي يكتب في الصحف بلا رقيب أو حسيب ليزيد تطرفه وزلات لسانه وقلمه في الفرقة بين المذاهب والطوائف عبر ما يقوله عن المسيحيين والدروز».. فلو عرفوا هذا الشيخ، بل لو كان عندهم من يصلح أن يكون تلميذًا له لهجوه، فالشيخ أكبر من أن أدافع عنه أنا أو غيري... وقد أفهم سكوتهم عن ذاك الشعوبي الحاقد «كاتب ياسين» الداعي للبربرية في الجزائر، القائل بأن الإسلام كان استعمارًا للجزائر في حديثه للتلفزة الفرنسية والذي كتب كتابه الشهير «محمد.. احمل حقيبتك وامشِ»..
كل هذا قد أفهم دوافعه، أما الدفاع عن هذا المشعوذ الدجال فلم أجد له تبريرًا ولا تفسيرًا.. فإن كان هؤلاء هم شهداؤكم.. فقد سبقكم «بالشهادة» أبو جهل وأمية بن خلف.
هذه هويتنا..
نحن يا إخوة «العروبة»، ندعوكم لأن نشترك جميعًا في حل المعضلة العربية على أساس من الحق والعدل والساحة لنا ولكم بلا انتقاص ولا استعداء.
ونحن ندعو إلى الحق والعدل.. انطلاقًا من ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ (المائدة:8).
نحن ندعو إلى إطلاق الحريات بكل أشكالها ولكل الناس ولا نوقفها على فئة دون فئة ولا على حزب دون آخر.
ندعو إلى تكافؤ الفرص كل حسب جهده وعمله.
وإلى «توأمة العالم والحاكم، والروح والجسد والعلم والفقه»..
نحن ندعو إلى إعادة السلطة لممثلي الشعب الحقيقيين، وحق كل فرد في ممارسة واجبه الوطني من خلال التركيبة الدستورية للبلد.
وإلى الانطلاق من الواقع.. كما قال-صلى الله عليه وسلم- لعائشة: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم».
وندعو إلى تحويل وجهة السلاح بين دعاة العروبة ودعاة الإسلام إلى وجهته الصحيحة ونبذ هذا الخلاف المصطنع المستورد.
فإن اتفقنا على هذه الأولويات، فتعالوا نتعاهد على القليل، معاهدة «حلف الفضول»، لا معاهدة «كامب ديفيد».. وإن شئتم إلى نداء -صلى الله عليه وسلم- لقريش في مكة قبل الهجرة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾) الأنعام :151)..
هناك على جبل عرفات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحقن الأنفس البشرية، ويلقح المجتمع ليرتفع بمستوى تفكيره وعقله إلى إدراك حقائق الأشياء والانعتاق من سلاسل الفكر المتعنت، نادى ضمائر الناس وقلوبهم إلى عقد صلح اجتماعي وسلام حقيقي بين شرائح المجتمع كافة، على أساس من الحق والعدل لا على أساس من المتاجرة، والنفاق السياسي، واقتسام الأموال، والأملاك.. ناداهم إلى حلف حضاري، نواته احترام آدمية الإنسان كإنسان، دونما اعتبار القومية أو حزب أو لون.. ناداهم وفيهم المؤمن والكافر، الغني والفقير، العابد والعاصي، سيد القوم ولفيف البلد.
ينادي على أسس دستورية، لا أقوال صحفية، مكتوبة غير منقوصة، لا مجال فيها للتلاعب، والتفسير، والتحريف، والترجمة.. ناداهم والقرآن عندهم والقول قول الله تعالى قبل أن يهاجر إلى البلد الوديع.. قبل أن تغادر قدماه ثرى مكة.. بلده التي عاش فيها وتربى وفي كل ركن منها له فيه تاريخ وأحداث.. هو ابنها البار وصاحبها وأحق الناس فيها، هو الذي بناها وشرفها وحماها.. يوم بناء الكعبة ويوم حلف الفضول ويوم تلقى فيها رسالة ربه.. ومع كل هذا لا ينكر حقوق الآخرين فيها ويدعوهم إلى الصفح على أساس من الكرامة والأدعية كما علمه ربه في سورة الأنعام:
- ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾
- ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
- ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
- ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
- ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
- ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
- ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ﴾
- ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾
- ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
- ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:151- 153).
قول لا لبس فيه ولا غموض، ولا دعوة لاقتسام الحكم والسلطان، لا تمرد ولا تطرف، ولا تهافت على مال أو صولجان.. كلام كله خير، ودعوة كلها فلاح. إلى الشعب المقهور والأمة المرتكسة في حماة الظلم والظلام، وسلطان متغطرس ينفخ حوله الدجالون والكهنة والسيئة، وحزب تحزب للنفعية والسلطة. ومؤسسات اجتماعية وحكومية فاسدة مفسدة. تجمع الناس وتحشدهم لقتال القريب والبعيد، على فرس يتطاحنون وعلى تجارة يتقاتلون، يحرثون أبناء شعوبهم، بعضًا على بعض والحرب بينهم سجال، والعدو يسحقهم جميعًا، والكل يسأل أين القضية؟
وقف فيهم صالحهم يدعوهم لإصلاح ذات البين، يبصرهم بحالهم ويحذرهم من واقعهم، ويقف معه ثلة الأخيار فينادي: يا قوم: أليس فيكم رجل رشيد؟
تأخذهم الحمية الجاهلية، يدعون إلى قمة الأشرار فتجتمع كلمتهم ويصدر بيانهم ردًا على دعوة الإصلاح، يرسلونها مع العلوج، لونها أحمر كدماء الضحايا، ورائحتها نتنة كرائحة الموت.. والحكم.. يا للحكم؟ النفي والطرد والتقتيل.. والجرم..
﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82).
هناك على قبعة النور دعاهم الرسول r وصحبه إلى السلم والسلام، وهم في وهاد مكة ومن مواخيرها حكموا عليه:
بالخبل حينًا، والسحر حينًا آخر..
بالمسكنة والجنة، ثم بالشِعر والكذب..
قايضوه بالمال والنساء والسلطان، وهو ثالوثهم، ثم حكموا عليه بالرجعية.. والتطلع للحكم.. والتطرف والتمرد والعصيان.
أذاقوه العذاب والهجر والمقاطعة، ثم القتل والتشريد والملاحقة.. وهو يقول لهم:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ﴾ (سورة غافر: 44)
• منعوه أن يتعبد خلسة.. فلا حرية شخصية ضمن ديكتاتورية الطبقة.
● وأن يجلس إلى مجالس العلم والأدب.. فلا حق في التعلم والتعليم لمن لا يؤمن بالقيم الجاهلية.
● وأوصدوا أمامه المنابر الإعلامية.. فحرية الكلمة للمنافق والمداح.. ومعلقات الكعبة لشِعر المجون دون آيات الله.
● أقفلوا أمامه سلم الترقي الاجتماعي في وطن هو لجميع خلق الله.. إلا لثلة الأخيار
ترتقيه كل راقصة ولص ومنافق.. فالأصل بالأشياء التسبيح باسم السلطان، كل على
طريقته والسيد السلطان لا يقنن طرق التسبيح.
● استَعْدَوا عليه القبائل وأغروا به الولدان.. وسام لكل من يؤذيه، وجائزة لمن يأتي منه قتيلًا.
● حتى لباس العفاف حرام عليه لبسه، فالحرية الشخصية تموت أمام مطالب السلطة لأن الأجساد كما هي العفة والأخلاق ملك لهم.
● وأخيرًا حق الاجتماع والدفاع عن النفس فهي مؤامرة ضد الأمن والاستقرار.. العساكر لها والرماح والعيون وخبرة الغرباء واليهود لازمة لحفظ التوازن السياسي والاجتماعي، وإن دفع ثمنها من ثروات الشعب وأراضيه وسيادته..
ومكروا مكرًا كبارًا، فأخذهم الله نكال الآخرة والأولى.. وجعلهم عبرة لمن يخشى.
صورة الأمس كما هي اليوم:
أمتنا اليوم لا يخفى حالها على أحد، فما أحوجها إلى وثيقة مبادئ كتلك التي أعلنها لهم رسول الله r فهذا التشتت والتمزق والتهتك لا يعالج بالحديد والنار.. ولا بالملاحقة والتشريد.. ولا بالاتهام والاستهتار.. حالنا هذه تستدعي أن نفتح لها العيون، ونشنف لها الآذان، وأن نتقدم خطوة نحو الإصلاح.. أن يتزحزح كل منا عن موقعه لصالح واقع الحال.. الطغيان يولد الثورة، والاتهام بالتطرف والسلفية لتغطية العورات والتفرد بالناس مهزلة، واستعداء الناس بعضها على بعض مهلكة للأمة جمعاء.. أليس فيكم رجل رشيد؟
السلم والسلام لا يتأتيان إلا باحترام الحقوق وإطلاق الحريات والاحتكام إلى الدستور والقانون.. السلم والسلام يقتضيان بالضرورة تقييد السلطة بقوانين الحق، والعدل وصون السيادة والكرامة..
أما حرمان الشعوب من حقها في الحرية وفرض قوانين الجور حتى في حرية اختيار اللباس.. فهو ظلم وطغيان.. وحرمان الناس من المعاهد والجامعات باسم السوابق السياسية أو الظنون الحزبية أو اللباس الموحد.. فهو تعنت وتحزب وتجير..
فدعوا الناس تصل إلى مراميها وِفق مؤهلاتها ومكاسبها.. فهذه هي لغة المساواة
والحرية وتكافؤ الفرص.
أما أن تحتكر الصحافة والإذاعة والإعلام عصابة النفعيين واللصوص والمنافقين.. فإننا نقابلها بالدعوة لإطلاق حرية الكلمة من إنقاص الدساتير المؤقتة والأحكام العرفية.. وهذه هي لغة العقل والمدنية.
أما أن يمسك بالسلطة من أطرافها ويحتكر حق التنظيم والتمثيل.. فإنها ديكتاتورية ورجعية، بينما ندعو الآخرين إلى العودة إلى الأصول الدستورية في التعامل بين الناس وهذه هي لغة الديمقراطية.
أما أن تشركوا خبيرًا أمريكيًا وآخر روسيًا وصهيونيًا لدراسة ظاهرة هذا «التطرف الديني» ضد أبنائكم وشعبكم فإنها خيانة وانتقاص من سيادة الشعب والدولة وإهانة لكرامة الوطن.. وهذه لغة لا نعرف غيرها، ونسمي الأشياء بأسمائها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل