; الفتوى بغير دليل شرعي | مجلة المجتمع

العنوان الفتوى بغير دليل شرعي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-ديسمبر-2014

مشاهدات 62

نشر في العدد 2078

نشر في الصفحة 68

الاثنين 01-ديسمبر-2014

الفتوى بغير دليل شرعي 

الفتوى من الأمور الخطيرة والتي لها منزلة عظيمة في الدين، قال تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن...). (النساء:127)، وقال تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...) (النساء:176)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا الأمر في حياته، وكان ذلك من مقتضى رسالته، وكلفه ربه بذلك قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (النحل:44). 

والمفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، والمفتي موقع عن الله تعالى، قال ابن المنكدر: "العالم موقع بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم".

ولقد عمت البلوى فوجدنا من يفتي الناس بغير دليل شرعي، ومخالفة لهدي رسولنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ القائل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا [1]".

فخطر الفتوى بغير دليل شرعي على من أفتى أكثر من غيره فإن من ابتدع بدعة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، فهو مسؤول عن كل ما يفتي به؛ لأن في ذلك ضلالاً له وإضلالاً لغيره وسيجازيه الله على ذلك, لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من أفتى فتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه». 

والأدلة على تحريم الإفتاء بغير علم كثيرة، منها:

قول الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)؛ أي لا تقُل ما ليس لك به علم فتحاسب على ذلك. 

ولقد كان السلف الصالح قدوة في كل خير وأهل للفتيا، ومع ذلك كانوا حريصين على أنفسهم.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما أبردها على الكبد، ما أبردها على الكبد» فقيل له: وما ذاك؟ قال: «أن تقول للشيء لا تعلمه: الله أعلم».

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "يا أيها الناس، من عَلِمَ شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللّه أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم اللّه أعلم". 

وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، فكثيراً ما كان يُسأل فيقول: «لا أدري»، ثم يلتفت إليَّ فيقول: «تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً لهم إلى جهنم». 

وقال الإمام مالك: "ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري؛ فإنه عسى أن يهيأ له خير".

الإفتاء بغير دليل

فالمفتي بغير دليل شرعي يقع في أخطار عظيمة، منها:

1- أنه يُشَاقِقِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115).

2- أنه محدث في الدين ما ليس منه: لحديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

3- أنه من الذين يسنون في الإسلام سُنة سيئة: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".

4- أنه سيحمل وزره وأوزار الذين يعملون بفتواه: قال الله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (النحل:25)، قال الإمام الشنقيطي يرحمه الله في أضواء البيان: المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم. اهـ. 

5- أنه من الذين يكذبون على الله وعلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: قال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام:21)، وقال الله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود:18).

خطر عظيم

اعلم أخي المسلم الكريم، أنه يجب على المسلم ألا يأخذ الفتوى إلا من أهلها؛ وهم العلماء المعروفين بالاستقامة على الكتاب والسُّنة، لا علماء البدع الذين ضلوا وأضلوا، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل:43) و[الأنبياء:7].

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله: فالواجب على طالب العلم وعلى كل مسلم أشكل عليه أمر من أمور دينه أن يسأل عنه ذوي الاختصاص من أهل العلم، وأن يتبصر، وألا يقدم على أي عمل بجهل يقوده إلى الضلال.[13].اهـ. 

ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله:

أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للخلق إلا الله، ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله، فهو الذي يوجب الشيء ويحرمه، وهو الذي يندب إليه ويحلله، ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (يونس: 59-60)، ويقول تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُون * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النحل:116-117).. أيها الناس، إن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء: إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه حرام وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه واجب وهو لا يدري إن الله أوجبه، أو يقول عن الشيء: إنه غير واجب وهو لا يدري أن الله لم يوجبهن إن هذا جناية وسوء أدب مع الله عز وجل، كيف تعلم أيها الإنسان أن الحكم لله ثم تتقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم، أما علمت أيها الجاهل أن الله قد قرن القول عليه بلا علم بالشرك به فقال جل ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف:33 ).

ضوابط الفتوى

ويقول د. صبري محمد خليل، أستاذ فلسفة القيم الإسلامية بجامعه الخرطوم:

من ضوابط الإفتاء: العلم.. فهو من أهم شروطها، يقول ابن القيم: قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه له": لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله بناسخه ومنسوخة ومحكمه ومتشابهه وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة بصيراً بالشعر وما يحتاج إليه للسُّنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي. (إعلام الموقعين عن رب العالمين، المجلد الأول)، لذا يحرم الإفتاء بغير علم.

وأساس الإفتاء هو الدليل الشرعي وليس الآراء الذاتية، ورد في "صفه الفتوى والمستفتى" لابن حمدان في تعريف الإفتاء أنه: "إخبار بحكم الله تعالى عن الوقائع بدليل شرعي" (ص4).

ويقول الباحث الشرعي اليمني فؤاد محمد عبدالكريم الجرافي، في بحث له حول "ضوابط الفتوى الشرعية ومظاهر الإخلال بها وأثره على الناس": 

من أهم النتائج التي خلصت إليها حول هذا الموضوع: 

1- الفتوى لابد أن تصدر من عالم متخصص بالعلوم الشرعية مشهود له بذلك يمتلك الجرأة والدربة.

2- المفتي مسؤول أمام الله عما يفتي به, وأجره مترتب على قدر ما يبذله في تقصي الحقيقة.

3- الفتوى لابد من مطابقتها لموضوع الاستفتاء, وأن يكون صاحبها واضح التجرد من الأهواء.

4- الفتوى إما أن تكون مشافهة, وفي هذه الحالة لابد من سؤال المستفتي عن جميع الملابسات, ومن خلال النظر في حال المستفتي يتبين إن كان محقاً, أو باحثاً عن حيلة, وإما أن تكون الفتوى كتابية فيراعي المفتي قواعد الكتابة لحفظها من التغيير, ولئلا ينسب إليه ما لم يقله.

5- اعتماد الفتوى على الدليل الشرعي, ومراعاة مقاصد الشريعة وقواعدها العامة.

6- المفتي كغيره من البشر ليس له العصمة, فهو يخطئ, ويصيب, ويراجَع, ويصوَّب فإذا أخطأ فليرجع عن خطئه.

7- الإسلام, والتكليف، والعدالة, ووجود القريحة من أهم ضوابط المفتي, فمن لم تكتمل لديه الضوابط لا يقلد منصب الإفتاء.

8- المفتي مخير وليس مجبراً والفتوى غير ملزمة.

9- السلف رضوان الله عليهم, مع ما هم عليه من العلم, والمعرفة كانوا يتورعون عن الفتيا خشية أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. 

10- الإخلال بالفتوى يكون من جهتين, من جهة مفتٍ تسرع ولم يتثبت, ولم يُعمل النظر, ومن جهة من يتصدر وليس أهلاً لهذا المنصب.

11- قلة العلم, وتصدر الجهال وأنصاف الفقهاء, ومسابقتهم على الإفتاء, وعدم معرفة مكر الناس وكيدهم, وما يهدفون إليه, والخضوع للأهواء؛ من أهم ما يسبب الإخلال بالفتوى.

12- مخالفة الفتوى لدليل صحيح صريح, وظهور الاختلاف, والتباين بين مقدمات الفتوى, ونتائجها وكثرة ردود العلماء المعتبرين, وإجمالها فيما يقتضي التفصيل, وفرح الظلمة بالفتوى واستنادهم عليها في ظلمهم وتعنتهم من أهم مظاهر الإخلال بالفتوى.

13- ترتب الإثم, وإضلال الناس, وظهور مبدأ التكفير, وعدم الثقة بقول العلماء من آثار الإخلال بالفتوى.

14- رقابة الدولة والحجر علي المفتي الماجن خطوتان مهمتان لعلاج الإخلال بالفتوى.

15- إعداد المفتين, وعمل اجتماعات دورية لمن يتقلد منصب الإفتاء للمراجعة وتوضيح ما يستجد, من مهمات العلماء, والمؤسسات العلمية الدينية للحد من الإخلال بالفتوى.

الرابط المختصر :