العنوان الفقه والمجتمع: الجوانب العملية في نشر السنة النبوية
الكاتب صالح النهام
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
مشاهدات 88
نشر في العدد 1015
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 08-سبتمبر-1992
النظرية التربوية في
طرق تدريس وحفظ الحديث النبوي
الحمد لله رب العالمين، بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. والصلاة والسلام
على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم
الدين. وبعد، فالقرآن والسنة هما أساس الدين والنور الهادي إلى الصراط المستقيم.
مكانة السنة النبوية
وجهود حفظها
لما كانت للسنة النبوية هذه المكانة العظمى، عرف السلف الصالح قدرها
ومكانتها، فرعوها حق رعايتها، وحفظوها في الصدور، وكانوا بها مستمسكين، وعلى نهجها
سائرين.
وقد لازم الصحابة رضي الله عنهم النبي عليه الصلاة والسلام سنوات حياته،
كانوا يتلقون الحديث عنه إما بطريقة المشافهة، وإما بطريق المشاهدة لأفعاله
وتقريراته، وإما بطريق السماع. فمن سمع منه صلى الله عليه وسلم أو شاهد أفعاله
وتقريراته (لأنهم لم يكونوا جميعًا يحضرون مجالسه صلى الله عليه وسلم، بل كان منهم
من يتخلف لبعض حاجاته).
ولم تكن مجالسه -صلى الله عليه وسلم- قاصرة على الرجال، بل كان كثير من
النساء يحضرن المسجد أيضاً ويستمعن إلى حديثه الشريف. وفي المناسبات العامة مثل
صلاة العيد، كن يخرجن جميعاً إلى المصلى لاستماع موعظة النبي عليه الصلاة والسلام،
وكان بعد أن يلقي خطبة العيد في صفوف الرجال ينتقل إلى صفوف النساء يتحدث إليهن
ويعلمهن.
انتشار الحديث وتخصيص
تدريسه
بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، انتشر الحديث النبوي عن طريق الصحابة
ومن ثم التابعون وهكذا، وأصبح له مدارس متخصصة وطرق متعددة لشرحه وفهم
معانيه واستنباط الأحكام منه.
وقد صدر حديثاً كتاب «النظرية التربوية في طرق تدريس الحديث النبوي»
للأستاذ محمد صديق أستاذ الحديث بكلية التربية للبنات بمكة المكرمة.
وقد بيَّن المؤلف عدة طرق وقواعد لتدريس الحديث النبوي الشريف، ونسوق لكم
بعض ما جاء فيه بلسان المؤلف.
قواعد وطرق تدريس الحديث
النبوي
1. قراءة
الحديث الشريف
تتطلب قراءة الحديث الشريف من المعلم الالتزام بالآتي:
1. التأني في القراءة.
2. النطق السليم الواضح للحروف والكلمات.
3. تكرار الحديث بكامله إن كانت مفرداته صعبة وغريبة على
الطلاب، وإلا اكتفى بتكرار الكلمات النادرة والغريبة.
4. حسن الوقف والوصل والاستفهام والتعجب، مع رفع الصوت
تارة، وخفضه أخرى وتغييره، مما يساعد على إثارة انتباه الطالب وجذبه للسماع
والتأثر.
5. شرح المفردات والتراكيب الغامضة والاستعانة بكل
وسيلة نافعة في تثبيت ذلك في أذهان الدارسين.
2. دور
المعلم في تقويم قراءة الطلاب
يطلب المعلم من الطلاب النابهين قراءة الحديث قراءة خاشعة متأنية، ولا
يتساهل في تقويم اعوجاجهم. ويصبر على قراءة الأول أكثر من غيره، ويلزمهم بجودة
النطق، ويكرر النطق السليم لمن غلط، ويتحاشى ما غلط فيه الطالب فلا يعيده فيثبت
الخطأ في أذهان الغير.
كما يطالب طلابه بتمثل المعنى وإخراج الحروف من مخارجها، ويستمر في نقل
القراءة من طالب لآخر حتى يطمئن لصواب القراءة.
3. آداب
افتتاح الدرس
يحافظ معلم الحديث على حسن الافتتاح لدرسه، وذلك بالثناء على الله
سبحانه وتعالى وتقديسه وتنزيهه في كل درس، ويختار أجمل وأحسن الألفاظ المشروعة.
كما يحافظ على الصلاة والسلام على خير الأنام، ويواظب على ذلك ويداوم عليه
مع التغيير في صيغ الصلاة والتسليم، ولا يخرج من المشروع إلى الابتداع.
الأسباب المعينة على حفظ
الحديث
ذكر المؤلف عدة أسباب يُستعان بها على حفظ الحديث، منها:
1. إخلاص النية
ينبغي أن يكون قصد الطالب بالحفظ ابتغاء وجه الله تعالى والنصيحة
للمسلمين في الإيضاح والتبيين.
عن ابن عباس قال: «إنما يحفظ الرجل على قدر نيته». وقال علي بن المديني لما
ودّع سفيان: «أما إنك ستبتلي بهذا الأمر، وإن الناس سيحتاجون إليك، فاتق الله
ولتحسن نيتك فيه».
2. اجتناب المحرمات
والمعاصي
ليجتنب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات. سأل رجل مالك بن أنس: يا أبا عبد
الله هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: «إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي».
3. المأكولات التي تساعد
أو تضر بالحفظ
أشار السلف إلى بعض المأكولات التي تؤثر على الذاكرة:
- المأكولات المستحب تناولها:
- قال الزهري:
«عليكَ بالعسل فإنه جيد للحفظ».
- وقال الهاشمي:
«من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب».
- وقال علي رضي
الله عنه: «عليكم بالرمان الحلو فإنه نَصُوحُ المعدة».
- وجاء رجل إلى
علي بن أبي طالب رضي الله عنه فشكا إليه النسيان. فقال: «عليك بألبان
البقر فإنه يشجع القلب ويذهب بالنسيان».
- المأكولات المأمور باجتنابها:
- ما قاله ابن
شهاب: «التفاح يورث النسيان»، وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأر
ويقول: إنه ينسي.
4. وظيفة
الطالب الليلية والنهارية
ما ينبغي للطالب أن يوظفه على نفسه من مطالعة الحديث في الليل وإدامة
درسه.
قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري عندنا ليلة، قال: وسمعته يقرأ القرآن من
الليل وهو نائم ثم قام يصلي فقضى جزأه من الصلاة، ثم قعد، فجعل يقول: الأعمش
والأعمش والأعمش، ومنصور ومنصور ومنصور، ومغيرة ومغيرة ومغيرة. قال: فقلت له يا
أبا عبد الله ما هذا؟ قال: هذا جزئي من الصلاة وهذا جزئي من الحديث.
وقال أبو بكر: إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه
يسرع إليه الحفظ ولهذا قيل لحماد ابن الزيد: ما أعون الأشياء على الحفظ؟ قال: قلة
الغم.
تقنيات تثبيت الحديث
والمذاكرة
1. الجهر
بالقراءة والمطالعة
ينبغي لمن طالع في كتابه أن يجهر بقراءته قدر ما يسمعه.
يقول ابن بكار: دخل عليَّ أبي وأنا أروي دفتراً ولا أجهر، أروي فيما بيني
وبين نفسي. فقال لي: إنما لك من روايتك هذه ما أدَّى بصرك إلى قلبك، فإذا أردت
الرواية فانظر إليها واجهر بها، فإنه يكون لك ما أدَّى بصرك إلى قلبك، وما
أدَّى سمعك إلى قلبك.
2. تكرير المحفوظ على
القلب
يقول علقمة: أطيلوا كَرَّ الحديث لا يدرس، أي أكثروا من تكراره
ومذاكرته لكيلا يُنسى من صدوركم. ويقول سفيان: اجعلوا الحديث حديث أنفسكم وفكر
قلوبكم تحفظوه.
3. مذاكرة الحديث مع عامة
الناس
يقول إبراهيم النخعي: من سرَّه أن يحفظ الحديث فليحدث به ولو أن يُحدِّث
به من لا يشتهيه، فإنه إذا فعل ذلك كان كالكتاب في صدره.
وكان ابن شهاب يسمع العلم من عروة وغيره فيأتي إلى جارية له وهي نائمة
فيوقظها فيقول: اسمعي، حدثني فلان كذا وفلان كذا. فتقول: ما لي وما لهذا الحديث!
فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن فأردت أن أستذكره.
4.
المذاكرة مع الأتباع والأصحاب
كان ابن عباس يقول لسعيد بن جبير: اخرج بنا إلى النخل، ويقول: يا سعيد حَدِّث، قلت: أُحدِّث وأنت شاهد؟ قال: إن أخطأت فتحت عليك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل