العنوان المجتمع الثقافي العدد 1716
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006
مشاهدات 66
نشر في العدد 1716
نشر في الصفحة 48
السبت 26-أغسطس-2006
الفكر الماضي.. هل نقرؤه بعين زمانه أم بعين حاضرنا؟
محمد أركون في ميزان النقد
أركون يعتبر النصوص القرآنية متناقضة ولا تصلح أن تكون مصدرًا للتشريع الإسلامي إلا إذا تيسر لها تفسير جديد يأخذ بعين الاعتبار المرجعية النقدية الغربية المعاصرة!
محمد أركون مفكر جزائري أثارت أفكاره جدلًا واسعًا، وقد احتار كثيرون في أية خانة يصنفونه، أهو مع الفكر الإسلامي أم ضده؟ أيدعو إلى تفعيل الفكر الإسلامي أم إلى نسفه من أساسه؟ أهو عربي وإسلامي الهوية أم لا يختلف عن المستشرقين الذين تعاملوا مع الفكر الإسلامي من منطلق الانقضاض عليه؟ وهل أصاب عندما حلل مفردات الثقافة الإسلامية بأدوات غربية؟ عشرات الأسئلة تجمعت وتراكمت جراء التعامل مع هذا المفكر الذي ما زالت آراؤه تثير الجدل في عالمنا العربي والإسلامي.
التجديد عند أركون: يوهمنا محمد كثير من كتبه أنه في رده على مفردات الفكر الإسلامي لا يسفه مرتكزات الشريعة الإسلامية، بل يعمل جاهداً على تصحيح الفهم الإسلامي، دون أن ينقد مصادر التشريع.
ومثل هذه الدعوة سليمة في حد ذاتها، إلا أن أركون يخرج من سياق البحث إلى سياق الرد على مرتكزات التشريع الإسلامي، وكثير من البديهيات والمسلمات التي لها أصولها الضاربة في عمق الشرع الإسلامي.
إن أركون يدعو إلى تجديد الفكر العربي والإسلامي، ولكن دون تقديم البديل. المتكامل، فما جدوى النسف دون تقديم البديل الذي تنطلق منه لبناء النهضة؟ ويرى الدكتور محمد أركون أن علماء الاجتهاد في الإسلام قد جنوا على الاجتهاد عندما فرضوا مجموعة من الشروط والمقاييس لا يصح الاجتهاد بدونها.
وفي ذلك يقول في كتابه: «من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي» ص11: «نقصد بذلك مؤسسي المذاهب الكبرى اللاهوتية - القانونية الذين ثبتوا للقرون التالية المدونات القانونية والعقائد الإيمانية الأرثوذكسية، وعلم أصول الفقه أي المعيارية الضرورية من أجل استنباط الأحكام بشكل صحيح من النصوص المقدسة القرآن والسنة، وهكذا نجد أمامنا في بضع كلمات فقط كل شروط ومحدودية ممارسة الاجتهاد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي» ....
ويؤخذ على أركون أنه غير مطلع على آلية الاجتهاد في المدارس الإسلامية كافة، فالاجتهاد الذي يعني بذل الجهد لاستنباط الحكم الشرعي لا يعني مطلقًا مجموعة من الشروط يضعها الفقهاء ومن يجتهدون التفعيل الشرع. وجعله مواكبا لصيرورة حركة التاريخ والواقع.
وليس الاجتهاد شروطًا يضعها ويتوصل إليها عقل المجتهد، إن الاجتهاد - من وجهة نظره - هو التحرك في منطلقات رسمها المشرع، ودور المجتهد هو رد الفروع إلى أصولها، دون التدخل في وضع هذه الأصول التي وضعها المشرع الإسلامي، وهنا الفرق الكبير بين المدرسة الإسلامية والمدرسة العلمانية الوضعية.
وفي سياق رده على محمد عبده ودعوته إلى فتح باب الاجتهاد فإنّ محمد أركون يتهم عبده بأن مفهومه لفتح باب الاجتهاد هو عبارة عن شرعنة البدعة كانت فيما مضى غير محسوبة على التراث الإسلامي، ويحاول أركون أن يقول عبده ما لم يقله، وربما إلمامه المتأخر بلغة العرب جعله يسيء فهم بعض المفكرين المسلمين.
إشكالات النهج الأركوني
في مجال نقد الأفكار والمناهج المعرفية يلجأ بعض المفكرين إلى استخدام الأدوات المعرفية التي توصل إليها العقل المعاصر لدى قراءة الأفكار التي أُنتجت في حقبة زمنية هي في حكم العدم الآن، ففي مجال قراءة الفكر الماضي.. هل نقرؤه بعين زمانه أم بعين الحاضر؟
فلدى تقييمنا لفكر أرسطو على سبيل المثال: هل نقرؤه بعقلية كارل ماركس وجون بول سارتر أم بعقلية أفلاطون؟ بمعنى هل نجعل أنفسنا جزءًا من الحقبة التاريخية التي عاشها أرسطو وبناء عليه نتعامل مع فكره؟
ومحمد أركون من الصنف الذي يتعامل مع الموروث الإسلامي بآخر ما توصلت إليه المدرسة الغربية النقدية من نظریات ووسائل للتعامل مع النص، ويسقط هذه الأدوات في التعامل مع النص الإسلامي الذي هو مختلف جغرافيا وصياغة ولغة ونفسية عن البيئة الغربية التي يستعين أركون بأدوات مفكريها النقدية.
فمحمد أركون يقول: إن المصدر الأساس للفقه، وبالتالي القضاء ليس هو القرآن بقدر ما هو التفسير، ونقصد بذلك أن الفقهاء قد قرؤوا القرآن وفسروه بطريقة معينة، واتخذوا بعدئذ قراراتهم وقد استخدموا في تفسيرهم المعارف اللغوية والإخبارية السائدة في عصرهم، وكل هذه الأدبيات تتطلب اليوم مراجعة وإعادة قراءة على ضوء التاريخ النقدي الحديث.
وقد تناسى أركون أن المفسرين لا ينطلقون من أهوائهم بل يفسرون القرآن بالقرآن أو بالسنة النبوية الصحيحة أو بالشروط الشرعية المنصوص عليها.
وإذا سلمنا جدلًا بما ذهب إليه اركون وأعلنا عن حاجتنا إلى مرجعية نقدية جديدة تخولنا إعادة قراءة الموروث الإسلامي قراءة جديدة بعين العصر وعين الواقع والتحديات المعاصرة، فمن أين تستقي المنهج النقدي الحديث لنسقطه على الموروث الإسلامي؟
فيما يتعلق بمحمد أركون فقد اختار بوضوح المنهج الغربي وآخر إفرازاته، فهو كثيرًا ما ينقل آراء جورج غرفيتش وجوزيف شاخت وماكس فيبر وبورز دافيد وغولد زيهر وجاك عودي وعشرات آخرين والسؤال: هؤلاء الذين تعاملوا مع التراث الإسلامي على أي أساس تعاملوا معه!
لقد كان الإسلام في نظرهم وحركته أيضًا لا يختلف عن الحركات الدينية في الغرب، كالحركة الأرثوذكسية وغيرها، وهذا التداخل والجمع بين أفكار متناقضة وبيئات متناقضة أيضًا أوقع الكثيرين في فقدان نتائجهم النظرية لأطرافها، ويبدو أن أركون كان أحد الذين انطلى عليهم هذا الخلط، فهو كثيرًا ما يستخدم مصطلحاتهم مثل: العقائد الإيمانية الأرثوذكسية - التراث الإسلامي السكولاستيكي - بمعنى المدرسي أو الرأي الذي يعتمده الطالب في المدارس وهذه المصطلحات نفسها استخدمها المفكرون المذكورون في تحليل مفردات الحركات الدينية في أقطار عدة من العالم. وإذا كان أركون يستند في مرجعيته النقدية إلى إنتاجات من ذكرنا من المفكرين الغربيين، فإن المنطق العلمي والتحليل الفينومولوجي يفرضان علينا أن تكون أدوات النقد من نسيج الفكر الذي تريد تحليله وتشريحه، كما أن التعامل مع الفكر الإسلامي لا يمكن أن يكون انطلاقًا من مصادر ومرتكزات غير متعارف عليها في هذا الفكر، وكذلك لا يمكننا أن نعالج فرضيات لم ترد في هذا الفكر نفسه، وإلا نكون بذلك قد حملنا هذا الفكر أكثر مما يحتمل، فنخرجه من سياقه المعرفي بفرض فهم له لا يقر هو به. ولهذا فإن أركون يرى أن بعض آيات القرآن الكريم متناقضة ينطح بعضها بعضًا. في حين أن القرآن يعلن جهارًا نهارًا أن لا اختلاف فيه ولا تبديل يقول أركون في المصدر السابق نفسه: ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الجاثية 29)، وأما المعنى الثالث لكلمة النسخ (ويعني استبدال نص بنص، أو نص لاحق بنص سابق) فهو ناتج عن مناقشة الأصوليين، أي علماء الأصول الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نصوص متناقضة، وبالتالي فقد اضطروا لاختيار النص الذي يتناسب أكثر مع التوفيق وتحقيق الانسجام بين الأحكام الشرعية التي كانت قد حظيت بإجماع الفقهاء الأوائل.
نسف مبدأ الإجماع
تتفق كافة المدارس الإسلامية على أن الإجماع يشكل مصدرًا من مصادر التشريع، ومنذ ١٥ قرنًا والمسلمون يلجؤون إلى الإجماع، إما لسد الفراغ في دائرة الفتوى وإما لجعل الشريعة الإسلامية تتواصل مع ا الحاضر ومستجداته الكثيرة. أما الدكتور محمد أركون فله رأيه في الإجماع، فهو يقول في المصدر السابق ص ۷۷: «يعرف الإجماع عمومًا من قبل المسلمين الذين يمشي على آثارهم المستشرقون بأنه أحد أصول القانون الديني، فإجماع المسلمين على مسألة من مسائل العقيدة والقانون يؤدي في آن واحد إلى ضرورة الانصياع له، كما انه يشكل علامة من علامات الأرثوذكسية التي ترسخ وحدة الأمة وتراص صفوفها، ولكن السؤال المطروح: إجماع من؟ وما هو عددهم؟
ومن خلال إسقاطات عدة، من قبيل الحديث عن عدم التجانس بين المسلمين والخلافات الضارية بينهم وهشاشة مجتمعاتهم.. يخلص أركون إلى استحالة الإجماع.
ويعكس تعريف أركون للإجماع بانه يفتقد إلى فهم كلي للشريعة الإسلامية ومصطلحاتها، فالإجماع لا يعني توافق المسلمين رغم ما فيهم من ضعف، بل هو توافق أهل العلم المشهود لهم بالعلم والتقوى أيضًا.
ويمكن القول، من خلال تتبع إنتاج محمد أركون انه يعتبر أن النصوص القرآنية متناقضة، وبالتالي لا تصلح أن تكون مصدرًا للتشريع الإسلامي، وقد تكون كذلك عندما يتيسر لنا تفسير جديد لها، يأخذ بعين الاعتبار المرجعية النقدية والمعرفية المعاصرة - الغربية طبعًا.
ويعتبر أركون أن السنة النبوية هي الأخرى ليست أفضل حالًا من القرآن الكريم، وأن وضع المجتمعات الإسلامية في الماضي والحاضر دليل على أن السنة شكلت انعكاساً للتخلف والتقهقر اللذين سادا المجتمعات الإسلامية.
والإجماع لا يمكن تحقيقه والعقل الإسلامي في عطلة إلى إشعار آخر، إذن - وحسب رأي أركون - فمصادر التشريع الإسلامي في حاجة إلى إعادة سبك وصياغة وقولبة، ولذلك فهو يدعو إلى الثورة على ما يظنه مليار وربع المليار مسلم، صحيحًا وسليمًا.
لكن وبعد الثورة على مرتكزات التشريع الإسلامي ماذا عسانا نفعل؟! إلى هنا ينتهي دور محمد أركون لتبدأ الحضارة الغربية، وأركون أحد المدرسين في قلعة من قلاعها «السوربون» ببث فيضها إلى العالم العربي والإسلامي.
إنها المغالطة الكبرى!