العنوان الفكر والسلطة
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1982
مشاهدات 64
نشر في العدد 585
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 31-أغسطس-1982
قصة استشهاد المفكر الإسلامي سيد قطب - رحمه الله - تطرح بإلحاح حاد قضية صمود الفكر الحر الأعزل أمام إرهاب السلطة المستبدة وإغرائها على حد سواء، كما تطرح قضية انتصار الفكر الإسلامي، وتعاليه وتساميه على وضاعة المغريات المادية إذا كان ذلك على حساب العقيدة والأمة معا، فمن أول نقطة في خط الإغراءات المتوالية، التي سقط في أحبولتها «رجال كبار»، صاروا وزراء ومستشارين ونوابًا وحكامًا عند السلطة إلى آخر نقطة في خط الإرهاب والاستبداد والتعذيب، التي سقط تحت وطأتها رجال آخرون، كانوا صلابًا، بين هذين القطبين المتنافرين وقف سيد قطب - رحمه الله - علمًا نبيلًا في ساحة الجهاد الإسلامي المتصلة، وأمثولة حية معاصرة على شرف الرسالة، ونبل حامليها المخلصين، وصمود أبنائها المتجردين لله أمام الطاغوت الأكبر، الذي تزلزلت أمام جبروته وسلطانه قلوب بعض الرجال الكبار.
إنها قصة فرعون وموسى، يكررها التاريخ كل فترة؛ لتذكر ناسيًا، وتعظ غافلًا، وتثبت مؤمنًا، بأن قدر الله لا يغالب، وأنه ناصر دينه ومعز أولياءه ما أخلصوا له النية وصدقوه الجهاد والملاحظة.
رحم الله سيدًا، فقد كان قطبًا في فكره وجهاده وصموده، ولعن قاتليه إلى يوم الدين، وعوض المسلمين غيره..آمين.
في ذكرى الشهادة والرجولة
آيا رب يقضي سيد ورجاله ويعثو فسادًا في كنانتك الذئب!!
أمن نوّر الدنيا علومًا مجندل ومن عاف دين الله يُجلى به الكرب!!
أمن كان للرحمن قلب يجنبه كمن منه «للسوفييت» ما ضمه الجنب؟
فيستورد الإلحاد ذو الكفر جاهدًا ويسعى بتكفير وإن كره الشعب
تظاهر بالإسلام وهو دعيه وحارب.. لكن ضده كانت الحرب
فليس بعاصي «الحمر» أسياد عزه ولا «الشقر» من قالوا له إنك الرب!!
وأغرب من ذا أنه خير صالح لنصرة هذا الدين خاب لهم حسب
نعم إنه والله أعظم فارس ولكن على الإسلام قاتله الرب
** ** ** **
نعاك أحبائي فيا هول مهجتي دموع عزيرات تبين ولا نحب
وقلت وفي قلبي رجاء وحسرة لمن خالفوا الإسلام يا أخوتي الندب
تخيره رب العباد لقربه وأغلى به ثأرًا وطاب له القرب
فإن بك ولى عن حمانا بجسمه فما زال حيًّا والقلوب له القرب
بأجفاننا مثواه، والروح دونه وليس لنا إلا معالمه درب!!
قصة رمزية
من يقتل الغول؟
للأخت: أم عبد الرحمن / المهجر
سألتني صغيرتي: لماذا لا يتكلم الناس مثلنًا؟!
قلت لها: نحن الذين لا نتكلم مثل الناس يا ابنتي.
قالت: لماذا؟
قلت لأننا غرباء، ليس هذا وطننا!!
بكت صغيرتي كثيرًا، وقالت: -
أريد وطنًا!!
وكانت تلك غلطة كبيرة مني، أن أحمل آلام الجيل والتاريخ إلى عقول هؤلاء الأبرياء.
ولكن!! هؤلاء الاطفال، هم الذين سيعيدون الوطن، وهم أمانة في أعناقنا كتب الله علينا أن ينصرهم بالطريق، وكتب عليهم أن يحيوا رجالًا وهم في سن الطفولة!».
***
ذات ليلة، نام الناس في وطننا، ناموا وعلا شخيرهم وعلا جدًّا، وعند الصباح صاح الديك، صاح كثيرًا، لكنهم لم يستيقظوا، وبح صوت الديك، ولكنه ما توقف عن الصياح، وبعد قليل صعد المؤذن، وأذن للفجر، هل تعرفين المؤذن يا ابنتي؟، وهل تعلمين ما المدينة والأذان؟!، إنهما حدود وطنك وأشجاره، التي تموت واقفة، وياسمين دوره، وأذن المؤذن أذن كثيرًا لكنهم ما استفاقوا، وتعب المؤذن، لكنه رغم تعبه بقي واقفًا في مكانه.
ثم أشرقت الشمس رويدًا رويدًا، وصارت تداعب وجوه الناس بدفء أشعتها ورغم ذلك، لم يستفيقوا!!.
وبقي الناس سادرين، ليلة وراء ليلة، الشخير يعلو!!
وكان في وطننا غول صغير، لما نام الناس صار يكبر، هم يشخرون وهو يكبر!!؛ حتى صار مخيفًا جدًّا!! ومنتفخًا!!، وفي إحدى الليالي جاء الغول الذي كبر وانتفخ إلى بيوت الناس، وفتحها وسرق كل ما فيها من طعام، ثم حمله وذهب إلى ساحة الوطن، وهناك وجد كرسيًّا فارغًا، فجلس عليه، وحمل بيده سكينًا!!
ولم يستيقظ من الناس أحد، وفي الليلة التالية ذهب إلى بيوتهم، فسرق الماء، وعاد فجلس على الكرسي، وحمل السكين، وما استفاق الناس!!.
وفي الليلة الثالثة، دخل بيوتهم بعنف، فاستيقظ بعضهم، وسألوه عما يريد، لكن نوم الباقين جعله يذبح الذين استفاقوا ويسرق كتبهم وأقلامهم، ثم عاد إلى الكرسي فجلس عليه.
وفي الليلة الرابعة، صاح بالناس أريد أسرتكم!!، فتململ النائمون، وقالوا: وأين سننام؟؟، فرفع السكين في وجوهم، فعلم الناس أنهم ليسوا في حلم، وخافوا خوفًا شديدًا وأعطوه الأسرة!!.
وفي الليلة الخامسة، ناداهم هاتوا ملابسكم، فدهشوا، وقالوا: وكيف سنعيش عراة، فرفع السكين في وجوههم، فارتعدوا وخلعوا ملابسهم وأعطوه إياها!!.
وفي الليلة السادسة، جاءهم، وقال: أعطوني كل أثاث بيوتكم، فأخذه ومضى.
وفي الليلة السابعة، جمعهم تحت قدميه، وقال لهم: هاتوا ألسنتكم!، فبكى الناس وصاحوا، وكيف سنتكلم؟، فقهقه الغول، وقال: لا تخافوا أنا سأتكلم عنكم!!، ثم أخرج سكينه وقطع ألسنة الناس الذين ناموا ذات ليلة!!.
وفي الليلة الثامنة، جاءهم، وقال: أريد الآن عقول أطفالكم وشبابكم، ولم يستطع الناس الكلام، فألسنتهم مقطوعة!!، فجمع العقول وأخذها معه.
وفي الليلة التاسعة، جرهم إليه، وصاح فيهم، أقلعوا عيونكم وآذانكم وضعوها ها هنا أمامي!!. ولم يستطع الناس أن يفعلوا!، فنادى على غيلان قزمة كثيرة، تسلقت أجساد الناس، ونفذت أمر الغول الكبير!.
***
ومضى الناس إلى بيوتهم، بلا عيون، ولا آذان، ولا ألسنة، عراة من كل شيء، وبيوتهم مقفرة، وعقول أطفالهم مسروقة!!. ولم يكن للناس عيون يبكون بها، فصاروا يحسون خفقانًا شديدًا في الصدور، وعلموا عندها أن القلوب تبكي.
***
وعند الصباح، لم يكن في الناس نائم!!، فلما صاح الديك، سمعوه بقلوبهم فقاموا، وعندما أذن المؤذن أجابوه بقلوبهم فصلوا، ولما أشرقت الشمس رأوها بقلوبهم، وخرجوا لاستقبالها، وصافحوها بوجوههم، فأحسوا أن عيونًا جديدة، وآذانًا جديدة، وألسنة جديدة تنبت في وجوههم، فسجدوا شكرًا لله، وأحسوا بلباس التقوى، يكسو جلودهم، فالتفتوا إلى بعضهم، وقالوا: أيها الناس لقد استفقنا، فهيا قوموا إلى الغول، نقتله ونخلص وطننا منه، ونحرر عقول أولادنا ونسترجعها!!.
وقبل أن يتموا قولهم، انتشرت الغيلان القزمة كالقمل تحت جلودهم، وفي شعورهم، وأقدامهم، وحتى بين خلاياهم!!، فمنهم من مات، ومنهم من أغمى عليه، ومنهم من هرب إلى وطن آخر!!.
ومنهم من تغلب على الغيلان، وصار يقتلها، وبقي صامدًا كالجبل في وجهها،
وهناك في ساحة المعركة، وهناك في حقائب السفر!!.
بكى الناس.. دون أن ينبسوا ببنت شفة! لقد علموا أنهم أخطؤوا كثيرًا، ونسوا كثيرًا، وأبغضوا بعضهم كثيرًا، ولولا ذاك ما استطاع الغول أن ينتفخ ويكبر وينتزع منهم الوطن.
***
يا ابنتي، هذه هي قصة وطنك، فإن لم تفهمي منها شيئًا، فاحفظيها كما هي، للتاريخ!!.
من الشعر الحديث
إليها... من بعيد!!
تسحقني المأساة يا حبيبة الثوار.....
توج في فؤادي الشجي ثورة عنيفة الأوار....
تحرقني.. تمحقني.. تقذف بي في مهمة ليس له قرار....
أبحث عن عينيك يا حبيبتي من خلل الرماد.....
أهكذا، حبيبتي، تموت ومضة الرجاء في عينيك...؟!
أهكذا يا طفلتي الوجيعة الجراح....؟!
أهكذا يشيخ عنك البليل العبران آسيا ملتاح....؟!
وتستحيل الشمس، ويلي، قطعة من نار...
فيصطلي بها الأطفال... والشيوخ... والنساء....
يا ويح قلبي الجريح كم يئن... كم ينوح..
حزنًا على المساجد التي تهدمت واحترقت... واجتاحها الغزاه....
غدًا تهل الشمس نشوى تنشر الضياء.
وترفلين يا عيني في غلالة من ياسمين...
طرزها الأحرار ممن يرفضون الذل والهوان....
ويقسمون في غد سيثارون... يثأرون....
يعانق السلاح منهم كل قلب عامر بالحب والإيمان...
يرتلون يا حبيبتي، بروح الاستشهاد، آيات من القرآن...
ويوقنون أن الله ناصر جنوده المجاهدين....
ولو طغى الأشرار والعبدان بدان من صهيون....
فاستبشري يا منية الفؤاد والوجدان....
وعانقي الضياء يا أغرودة على فم الزمان....
يا حلوتي... ويا نجية الوجدان... يا بيروت....!
على عمر فريج
جدة