; الفلبين.. ما مصير ثورة المسلمين بعد سقوط ماركوس؟ | مجلة المجتمع

العنوان الفلبين.. ما مصير ثورة المسلمين بعد سقوط ماركوس؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1986

مشاهدات 63

نشر في العدد 759

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 18-مارس-1986

● استراتيجية الشيوعيين تقوم على أساس إدخال مورو تحت مظلة النظام الشيوعي.

● المسلمون ينظرون إلى أحداث الفلبين الأخيرة نظرة حذر وترقب. 

● النظام الجديد في الفيلبين لم يتعرض نهائيًا لقضية المسلمين في مورو.

خلال الأشهر القليلة الماضية كانت الفلبين موضع اهتمام العالم بأسره نظرًا للأحداث التي جرت هناك والتي أدت في النهاية إلى خروج دكتاتور الفلبين فردیناند ماركوس وحلول السيدة كرازون أكينو محله على كرسي الرئاسة الفلبينية، ورغم أن هذه النهاية كانت متوقعة لماركوس منذ وقت طويل بسبب طبيعة حكمه الفردي إلا أن سير الأحداث في الفترة الأخيرة من حكمه تميزت بالتسارع شبه المنظم نحو الوصول إلى إنهاء حكم ماركوس، والدلالات العديدة التي لوحظ وجودها على مسرح الأحداث تؤكد على أن هناك قوى عديدة شاركت بشكل أو بآخر في سبيل الوصول إلى إسقاط مارکوس.

القوى التي أسقطت ماركوس

من المعروف أن معركة انتخابية جرت في الفلبين قبل سقوط ماركوس فازت فيها مرشحة المعارضة السيدة كورازون أكينو بمنصب الرئاسة ولكن هذا الفوز لا يعني أنه السبب في وصولها إلى الرئاسة من حيث إن حقائق الصراع السياسي في الفلبين تؤكد لنا وجود عناصر عديدة ساهمت في دفع أكينو إلى كرسي الرئاسة، وأهم هذه العناصر هي: 

أ- أن الانتفاضة الشعبية العامة ضد نظام ماركوس الفاسد. 

ب- قوة الكنيسة الكاثوليكية في الفلبين وإعلانها الوقوف إلى جانب المعارضة. 

جـ- القيادات العسكرية الفلبينية التي كانت أداة لحكم ماركوس، وانقلبت عليه.

د- ضغط الولايات المتحدة.

ه- تحرك الأحزاب المعارضة.

ومما لا شك فيه أن أهم تلك العناصر يمكن تحديده بالكنيسة والولايات المتحدة والقيادات العسكرية، أما العوامل الأخرى فهي عوامل مساندة ومحرضة فرغم اعترافنا بأهمية التحرك الشعبي الذي تمثل بالمظاهرات التي وصلت في المرحلة الأخيرة إلى ما يشبه العصيان المدني، إلا أننا يجب ألا نغفل طبيعة النظام الدكتاتوري التسلطي الذي لا يعير اهتمامًا للتحركات الشعبية، بل ويذهب إلى حد استعمال أقسى وأشد أنواع المجابهة لإيقاف هذا التحرك، وخاصة أن مثل تلك الأنظمة تعتمد اعتمادًا كليًا على المؤسسة العسكرية.

ولذلك فإنه يمكننا القول إن الكنيسة الفلبينية والولايات المتحدة هما القوتان الرئيسيتان اللتان أسقطتا ماركوس وأخرجتاه من الفلبين، أما بالنسبة للقيادات العسكرية فإنه رغم دورها في إسقاط ماركوس إلا أن هذا الدور لم يكن دورًا وطنيًا بل كان دورًا مرسومًا من قِبَل الولايات المتحدة.

إن القيادات العسكرية في الفلبين ما هي إلا أدوات صنعتها الولايات المتحدة ووضعتها في خدمة نظام الرئيس السابق ماركوس، وحين أشارت إليها الولايات المتحدة بالتخلي عن تأييده أعلنت على الفور سحب تأييدها لماركوس ومنح هذا التأييد للسيدة إكينو.

الكنيسة والولايات المتحدة

أما بالنسبة لموقف الكنيسة والولايات المتحدة فهو موقف متشابه إلى حد كبير، وهذا التشابه يكمن في طبيعة نظرتهما للأحداث التي كانت تجري في الفلبين قبل سقوط ماركوس، لا في طبيعة الأهداف، وهذه النظرة المتشابهة تدور حول شعور هاتين القوتين بأن نظام حكم ماركوس قد أصبح فاسدًا إلى الحد الذي بات يؤثر في حال استمراره على مصالحهما في الفلبين.. فمن المعروف أن الكنيسة الكاثوليكية حققت خلال عهد ماركوس الطويل مكاسب كبيرة مكنتها من تكوين قوة ضاغطة ذات أثر كبير على الساحة الفلبينية، وتأكد النفوذ الكبير للكنيسة الكاثوليكية في الدعوة التي وجهت لبابا الفاتيكان لزيارة الفلبين حيث استقبل هناك استقبالًا كبيرًا، على الصعيدين الرسمي والشعبي، وخلال هذه الزيارة منح البابا تأييده لماركوس الذي كان يشن حملة عسكرية على المسلمين في جنوب الفلبين.

إن الكنيسة الكاثوليكية في الفلبين أيقنت أن خروج ماركوس أصبح مؤكدًا بسبب الرفض الجماهيري المتزايد، وفي نفس الوقت فإن خروجه يضمن لها استمرار مصالحها ومكاسبها.. 

أما بالنسبة للولايات المتحدة: فنعتقد أن موقفها كان يتفق تمامًا مع موقف الكنيسة وإن كان الاختلاف محصورًا في الأهداف والمصالح، فالولايات المتحدة وصل نفوذها في الفلبين إلى الحد الذي جعل اللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة وإلى الحد الذي جعل أسلوب الحياة الأمريكية هو الأسلوب المفضل لدى الشعب الفلبيني، إن الفلبين تعودت على الأسلوب الأمريكي السياسي والثقافي والاجتماعي.. إن جميع القيادات السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية والاجتماعية هي صناعة أمريكية بحتة سواء تلك القيادات التي كانت تعبث داخل نظام ماركوس أو تلك التي ظهرت على المسرح خلال الأحداث الفلبينية الأخيرة التي أنهت سقوط ماركوس وتولي أكينو. 

ومن الطبيعي أن ينحصر اهتمام الولايات المتحدة بمصالحها الاستراتيجية التي تتحقق عبر تواجدها العسكري المتمثل في القواعد العسكرية الأمريكية، وبالتالي فإن هيمنتها على القيادات السياسية والعسكرية الفلبينية من شأنه أن يخدم مصالحها الاستراتيجية، ومن هنا فإن الولايات المتحدة حين شعرت بتزايد الرفض الجماهيري لنظام ماركوس تدخلت إلى جانب المعارضة عبر جولات فيليب حبيب المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي، والضغط على ماركوس للسفر بعيدًا عن الفلبين، وبهذه الطريقة تتمكن الولايات المتحدة من تأكيد نفوذها عبر ظهورها بمظهر المنقذ للشعب الفلبيني من فساد ماركوس.

المسلمون بين القوات الحكومية والشيوعية

والملاحظ في القضية الفلبينية عمومًا أن هناك طرفين رئيسيين في المعارضة الحقيقية للنظام الفلبيني وهما الشيوعيون والمسلمون، ورغم اتفاقهما في مبدأ معارضة النظام الفلبيني بشكل عام سواء كان على رأس النظام ماركوس أَم أکينو، إلا أن الأهداف التي تقف وراء هذه المعارضة تختلف اختلافًا جذريًا، فالشيوعيون يرفضون قبول أي نظام سياسي يتناقض مع أيديولوجيتهم الماركسية، ويصرون على إقامة النظام الشيوعي في الفلبين، ومن هنا فإن المعتقد أنه لن تكون هناك أرضية يمكن أن يلتقي عليها النظام الجديد مع المعارضة الشيوعية التي تتحرك عسكريًا من خلال المليشيات الشيوعية المسلحة والمدربة على حرب العصابات، والتي تمكنت من السيطرة على أجزاء كبيرة من الريف الفلبيني، ولذلك فهم يشكلون عثرة كبيرة أمام استقرار النظام الجديد، ورغم الدعوة التي وجهتها أكينو للشيوعيين لإجراء حوار سياسي حول مستقبل الأوضاع الفلبينية، ورغم قيامها بالإفراج عن عدد من زعمائهم المعتقلين منذ عهد ماركوس إلا أن الشيوعيين يرفضون إجراء مثل هذا الحوار طالما هو مشروط بإلقاء السلاح، ومن المرجح أنه لن يكون هناك مصالحة بين الشيوعيين والنظام الجديد في الفلبين. 

ومن ناحية أخرى فإنه رغم اتفاق المسلمين مع الشيوعيين في نظرتهم للنظام الفلبيني بشكل عام إلا أن نقطة الخلاف الرئيسية بينهما تكمن في أن الشيوعيين يقاتلون من أجل الاستيلاء على الحكم في الفلبين، ومن ثم إقامة النظام الشيوعي بينما يقاتل المسلمون من أجل إقامة دولة إسلامية على أرضهم في مورو ولا تعنيهم قضية الحُكم الفلبيني.

 إضافة إلى أن الشيوعيين ينظرون إلى أرض مورو التي تقطنها أغلبية مسلمة على أنها جزء من الفلبين، شأنهم في ذلك شأن النظام الفلبيني سواء كان على رأس هذا النظام ماركوس أًم أكينو.. وبالتالي فإن استراتيجية الشيوعيين تقوم على أساس إدخال مورو تحت مظلة النظام الشيوعي.. وعلى هذا الأساس فهم يشنون هجمات عنيفة ضد المسلمين,، وبشكل أقسى وأشد من الهجمات التي تشنها القوات الحكومية، ويعمل الشيوعيون بكل طاقاتهم من أجل التغلغل داخل المجتمع المسلم في مورو في محاولة لجذب المسلمين نحو تنظيماتهم، لذلك فإن معركتهم مع الشيوعيين تشمل النواحي العقائدية أيضًا بالإضافة إلى النواحي التحررية.. 

والمسلمون في الفلبين يحاربون حاليًا على جبهتين: 

-الجبهة الأولى وتتمثل في مواجهة القوات العسكرية الفلبينية الاستعمارية. 

-الجبهة الثانية وتتمثل في مواجهة المليشيات الشيوعية التي تحاول السيطرة أيضًا على أرض مورو المسلمة. 

ولو أنهم تمكنوا مستقبلًا من مصالحة هذا الطرف أو ذاك، وإنهاء قتالهم معه فإنهم سوف يستمرون في مقاتلة الطرف الآخر لأنهم في الأساس يقاتلون لرفع كلمة الله سواء ضد التسلط الفلبيني أو محاولة السيطرة الشيوعية. 

المسلمون والأحداث الأخيرة

بداية يمكن القول إن المسلمين ينظرون إلى تلك الأحداث نظرة حذر وترقب، وهذا ناتج عن طبيعة العلاقة التاريخية السيئة التي كانت قائمة بين المسلمين وبين النظام الفلبيني.. إضافة إلى أن قضية المسلمين تختلف عن قضية الشعب الفلبيني من حيث إن جُزر مورو هي منطقة جغرافية منفصلة عن دولة الفلبين، واحتلت من قِبَل الفلبين عام ١٩٤٦ بالتواطؤ مع الولايات المتحدة لذلك، فإن قضية المسلمين في مورو تختلف بالكلية عن القضايا الفلبينية الداخلية، فالمسلمون ينظرون إلى قضيتهم على أنها قضية تحرر وطني من الاستعمار الفلبيني ومن ثم إقامة النظام الإسلامي على أرض مورو، بينما الأحداث الفلبينية الداخلية تتعلق بصراعات سياسية بين قوى عديدة متواجدة على الساحة الفلبينية.. ورغم صراعاتها واختلافاتها إلا أن هذه القوى مجتمعة تتفق على معاداة ورفض التطلعات التحررية للمسلمين في مورو، و يرفضون التخلي عن جُزر مورو المسلمة، ولذلك فإن النظام الجديد لم يتعرض نهائيًا لمشكلة المسلمين في مورو منذ وصول السيدة أكينو إلى السلطة مع إنها اتصلت أثناء فترة انتخابات الرئاسة مع جبهة مورو في محاولة لكسب أصوات المسلمين الانتخابية فقط، وعندما شكلت أكينو حكومتها لم يكن من بين أعضائها أي وزير مسلم.. 

وحتى لو قام النظام الجديد باختيار وزير مسلم فإنه لا يهدف من وراء ذلك إلا شق الصف الإسلامي من خلال منح بعض المسلمين من ذوي النفوس الضعيفة والمستوزرين بعض المصالح الشخصية، وهذا يعني أن حكومة أكينو لا تنوي أن تتوجه نحو المسلمين وحل قضيتهم حلًا شاملًا وإنما تريد استمرار أوضاع المسلمين على النحو الذي كانوا عليه أيام ماركوس، وبخاصة أن معظم القيادات الحالية التي تقف وراء أكينو تحمل نفس الآراء والأفكار التي كان يحملها ماركوس، وعلى رأس هؤلاء يقف وزير الدفاع في حكومة أكينو «خوان بونس» الذي كان أيضًا وزير دفاع ماركوس. 

ومن هنا فإن ادعاء مصادر حكومية فلبينية بوجود مفاوضات بين ممثلين عن حكومة الفلبين وممثلين عن جبهة مورو ما هو إلا ادعاء كاذب يتناقض مع الواقع الموجود على الساحة الفلبينية. 

إن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة والجبهة ليس لها أي ممثلين يتفاوضون باسمها مع حكومة السيدة أكينو، والهدف من هذا الإعلان زرع البلبلة في صفوف المسلمين وشق وحدتهم في محاولة استراتيجية لإنهاء جهادهم، إننا لو سلمنا بإخلاص السيدة أكينو ورغبتها في الوصول إلى حل لمشكلة المسلمين إلا أنها لا تملك تنفيذ ما تراه هي شخصيًا لأن كل ما حولها يسير في الاتجاه المعادي للمسلمين وقضاياهم مثل الولايات المتحدة- الكنيسة الكاثوليكية- القوات المسلحة..

ولهذا يمكننا القول إن القضية الإسلامية هناك ما زالت على وضعها السابق، بل وأكثر تعقيدًا مما كانت عليه أيام ماركوس وعليه فالمتوقع أن تزيد حدة المعارك بين قوات الحكومة والمجاهدين المسلمين.. ولهذا فينبغي على المسلمين في العالم ألا يبنوا آمالًا على تغيير النظام الفلبيني في إمكانية تحقيق مطالب المسلمين في مورو لأن الواضح حتى الآن أن النظام الجديد ما هو إلا استمرار للنظام السابق من حيث نظرته إلى قضية المسلمين في مورو.. والرئيسة الجديدة للفلبين كورازون أکینو لیست في الحقيقة سوى واجهة جميلة لنظام بَشِع. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 113

160

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

حوار مع أسرة مسلمة

نشر في العدد 128

102

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

النساء والدعوة