; الفلسفة والنهضة في الغرب | مجلة المجتمع

العنوان الفلسفة والنهضة في الغرب

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1998

مشاهدات 83

نشر في العدد 1297

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 28-أبريل-1998

عندما يتناول بعض المثقفين عندنا مسألة النهضة في الغرب يركزون على إنجازات الفلاسفة ورجال الفكر، حتى تظن أن النهضة كانت نتاجًا مباشرًا لنظريات الفلاسفة ورجال الفكر، أما إذا تحفظوا قليلًا فهم يعطون الأولوية في النهضة إلى تلك النظريات لكن لا يهمشون العوامل الأخرى، وإنما يبرزونها بما حملته من تأثر بالإنجازات الفلسفية والفكرية.
هؤلاء لا يلحظون -كما تشير الوقائع التاريخية- أن أول الإنجازات التي وضعت أوروبا على طريق النهضة هو اكتشاف الأمريكتين وطريق رأس الرجاء الصالح، حيث أدى ذلك إلى نشاط محموم للسيطرة على الجزر والمناطق المكتشفة وتجارة العبيد، فضلًا عن التجارة الدولية مع الشرق الأقصى والسعي للسيطرة عليه عسكريًّا.
لا يستطيع أحد أن يتبين كيف كان الفلاسفة والمفكرون الجدد وراء ذلك؟ بل يمكن أن يلحظ بسهولة أن الفلاسفة والمفكرين الجدد هم الذين لحقوا بتلك المتغيرات التي حدثت للثروة الداخلية، ولما نشأ من حاجات جديدة للطبقات التي تكونت عبر العوامل المذكورة أعلاه، وليس عبر الدراسة في مدارس الفلسفة والفكر، بل يمكن القول إن هؤلاء الفلاسفة والمفكرين من الناحية التاريخية جاؤوا بعد سلسلة من إنجازات حدثت على أرض الواقع، بل ربما جاؤوا ليعبروا عنها ويعطوها دفعًا إلى الأمام، حيثما تواكبوا وإياها.
وبالرغم من ذلك فما من أحد يستطيع أن يبين لنا كيف حمل السياسيون والتجار والصناعيون والمغامرون وحتى العلماء في مختبراتهم أو مراكز بحوثهم أفكار هذا الفيلسوف أو ذاك، أو كان لتلك النظريات تأثير مباشر فيهم وفي إبداعاتهم، فإن كل ما يقال في هذا المجال يقع في دائرة الفرضية من جهة، وليس له من جهة أخرى مسوغ حتى يشدد عليه في بلادنا، غير الترويج لهذه الفلسفة أو تلك.
وإن الأفكار التي حملها السياسيون من أهل الحكم أو رجال الأعمال من الصناعيين والتجار والمغامرين هي أفكار امتلاك القوة العسكرية والغزو والاستعمار، وأفكار المصالح والأطماع وجمع الثروات، وأفكار أو سياسات الحث على البحوث العلمية والتقنية لخدمة كل ذلك.
لم تكن الأفكار التي تحملها الفلسفة والعقل النظري المجرد، وهي إن لم تنظر لما سبق ما كانت لتجد لها مكانًا غير الهوامش والزوايا المعزولة، أما الفلاسفة والمنظرون الذين خدموا ما يريده قادة الجيش والحكم والسياسة والصناعيون والتجار والمغامرون فهم الذين تربعوا على الصدارة من جهة التأثير العملي في النهضة.
ولو نظرنا إلى ما يجري الآن من اتجاه نحو العولمة ومن إسقاط حتى للقيم التي سادت النهضة الغربية لمئات من السنين، فسنجد منبعها عند القادة السياسيين وهيئات أركان الجيش، وهيئات الأركان في عالم البورصات والشركات متعدية الجنسية وفي عالم الإعلام والسينما، ثم ها نحن أولاء نشهد ولادة لفلسفات وتنظيرات تخدم ذلك كله، وبعضها أخذ يطلق على نفسه ما فوق الحداثة، وإذا حمل هؤلاء وجهًا نقديًّا وآخر يروج لنظرة إلى القيم تقول باللا تعميم، وتدعو إلى تجزيئية تجعل كل جزء في حياة الناس عالمًا قائمًا بذاته يحمل قيمه التي لا تناقش على أساس الصواب والخطأ، والضار والمفيد، أو على أساس أخلاق قيم محددة تدخل في الثوابت ولو النسبية، فإن الوجه النقدي لفلسفة ما فوق الحداثة يتم تجاهله وتهميشه لحساب الوجه الآخر الذي يصبح رسميًّا فلسفة ما فوق الحداثة.
 

نهوض.. لا نهضة
أما في المقابل فإن من أبرز الأمثلة المعاكسة التي يمكن أن تساق حول تأثر السياسي أو العالم، أو المهندس، أو هيئة أركان الجيش، ناهيك عن العمال والجماهير العريضة، بالفلسفة والفكر النظري باعتبارهما هاديين مباشرين للتغيير أو النهضة في بلادهم، نجده في التجربة البلشفية وإلى حد أقل في التجربتين النازية والفاشية.
فإذا كانت التجربة البلشفية قامت على أساس تبني نظرية ماركس وفلسفته تحت شعار أن «الفلاسفة كانوا يفسرون التاريخ وقد جاء الأوان ليصنعوا التاريخ»، فتجربة صناعة التاريخ بالاعتماد على الفلسفة لم تصنع نهضة بالمعنى الواسع للكلمة، كما دلت التجربة السوفييتية، وإن صنعت نهوضًا ما، وبعض التقدم هنا وهناك ثم ترنحت لتسقط أرضًا، وهي تحاول مرة أخرى الوقوف لكن بقليل جدًا من الفلسفة والفكر النظري.
أما التجربتان النازية والفاشية واعتمادهما على فلسفة عنصرية، فإن ذلك لا يشكل إلا جزءً في التقدم التقني والصناعي الذي أحدثتاه، ومع ذلك كانت تلك الفلسفة عاملًا رئيسيًّا في سقوط التجربتين.
التركيز على مجموعة العوامل التي صنعت النهضة وبالتحديد النهضة الغربية، مع التقليل من أهمية الدور الواقعي أو العملي الذي لعبته الفلسفة والنظريات الاجتماعية لا يقصد به التقليل من أهمية الفكر والنظرية من حيث أتى، ولا يقصد منه التعامل مع الدور الذي لعبته عقائد أو فلسفات أو نظريات في نهضات أخرى على المستوى نفسه الذي كان للفلسفة والفكر في النهضة الأوروبية، فهذه المسألة تختلف من تجربة إلى أخرى أولًا.
ثم يجب أن تعامل في كل تجربة على ضوء خصوصية تلك التجربة بالذات، أي لا يقصد التعميم هنا حين توضع الفلسفة والأفكار النظرية، في تجربة النهضة الأوروبية المعاصرة في مرتبة ثانية أو ثالثة، أي عكس ما يحاول أن يفعله الذين يعممون خصوصية التجربة الغربية على العالم وجعلها المقياس عند القياس.
فإذا كان الطرح الذي يعزو النهضة الأوروبية إلى أفكار الفلاسفة والمفكرين ليس دقيقًا بسبب عدم مطابقته للتجربة التاريخية، وهو ما يمكن أن تحسم به دراسة التاريخ وليس الجدل النظري، فيما له الأولوية في التأثير على الآخر، فإن جعل الأفكار التي يراد الترويج لها هنا سببًا في نهضتنا إذا ما تبنيناها وجعلنا منها هاديًّا لعملنا يكون عملية وهمية تزيد حالنا سوءً وتدهورًا.
إن الإشكال في نهج الحداثيين عند تقديم الغرب أو الحداثة الغربية لبلادنا أن هذا النهج يفتقر إلى الدقة التاريخية والفهم الصحيح للغرب نفسه، وما تقدم بشكل مثلًا على ذلك حين تعتبر الفلسفة والفكر النظري الغربيان أساس النهضة، ووالديها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 55

107

الثلاثاء 13-أبريل-1971

حوار مفتوح.. أزمة المثقفين

نشر في العدد 196

194

الثلاثاء 16-أبريل-1974

التعليق الأسبوعي (196)