; القابضون علي الجمر - الحلقة العاشرة - | مجلة المجتمع

العنوان القابضون علي الجمر - الحلقة العاشرة -

الكاتب محمد أنور رياض

تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

مشاهدات 67

نشر في العدد 228

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

القابضون علي الجمر • الحلقة العاشرة • قال له «حماده» مازحًا - اين انت يا «اخ»؟!! ظننا أنهم قد اشتاقوا لك ثانية..!! إلى السجن ثانية؟؟ .. أعوذ بالله صورتك وانت صغير لا تريد أن تفارق خيالي یا حماده .. وأحيانًا يكون مزاج الأطفال غير محتمل. - فال الله .. ولا فالك!! - اجلس فإن والدي سيحضر بعد قليل ويريد أن يراك .. ثم .. هذه فرصة لـ ترى «الريس» في التلفزيون .. سيلقي خطابًا هامًا بعد قليل . أضاف «حماده» في مكر . أظن إنك في شوق .. إلى رؤيته ؟؟ الحقيقة أن «علي» لم يكن يرى «عبد الناصر» في التليفزيون .. فقد كان التلفزيون ما زال حديثًا بالنسبة لمصر ... انشغاله بالمذاكرة و ... هذا- فضلًا عن الدوافع الأخرى!! .. قال في لا مبالاة لا بأس..! بدا الحديث «لحماده»، وكأنه على حديقة للملاهي.. الاستمتاع بالتسلية .. ورغبة «الطفل» في فك آلة معقدة لكشف أسرارها..!! قال ما رأيك في «عبد الناصر»..؟! هل تتصور نفسك صحفيًا في مجلة الكتكوت يا حمادة؟؟ .. ما رأيي؟؟!!.. وهل أنت في حاجة إلى معرفة رأيي «يا حماده»؟!.. قال «علي» كمن يداعب طفلًا.. - وما رأيك أنت؟؟ قال «حماده» في حماس الطالب المستذكر دروسه جيدًا.. وكما في الكتاب.. «بالنص».. - يكفي أن «عبد الناصر» أول زعيم مصري حكم مصر منذ عهد الفراعنة!! «کلیشیه» ممتاز يا «حماده».. نعرة الوطنية منذ عهد الاستعمار الإنجليزي و.. هل هذا هو ما نقشوه في ذهنك؟.. قال بنفس الاستخفاف - هل معنى ذلك.. أن مصر كانت مستعمرة في كل العصور الإسلامية؟؟.. هل عمرو بن العاص.. مثل نابليون.. مثلًا؟؟ احمر وجه «حماده».. قفز إلى حوض السباحة في حركة رياضية رشيقة.. اكتشف عندما ارتطم بالقاع.. أن الماء كان ضحلًا!! أصر على تكملة المناقشة.. المسألة أصبحت مسألة كرامة.. مهزوم و.. منتصر.. لست أكثر مني ثقافة يا «علي».. لا تظن أن فارق السن له أهمية عندي.. إنك تمثل الماضي.. والماضي كله خطأ!.. كله خطأ.. ورجعية أيضًا.. لقد تناقشت مع من هم أكبر منك.. مراكز عالية.. في اجتماعات الاتحاد.. وفي الندوات السياسية.. وفي الدورات الدراسية للشباب.. وأيضًا في معسكرات العمل.. إنني شخصية يا«علي».. إنني أشعر بأنك تنظر إلي كما لو كنت لا زلت طفلًا يتمسح في ثيابك.. لا.. لا يا «علي».. لا بد أن تحسب، حسابي فأنا صعب.. صعب.. هذه الجولة لك.. ولكن يجب الخروج من هذه الزاوية.. حتى ولو بدون منطق.. قال «حماده» بعد أن اعتدل في كرسيه استعدادًا للمعركة..!! - لا يجب أن تنظر إلى المسألة من هذه الزاوية.. الذين حكموا مصر لم يكن منهم مصري واحد.. وحتى بعد الفتح الإسلامي حكمها خليط من الحكام.. الأجانب.. قال «علي» باسمًا.. وفي هدوء.. مدركًا الظرف الذي يمر به «حماده».. - وهل أنت مصري؟؟.. يعني جدنا المرحوم الشيخ عبد الله.. من سلالة أي فرعون؟؟ فكرة لم تخطر على بالك يا «حماده».. ولكنها على كل حال فكرة ظريفة!! - لسوء حظ اسرتنا أنها لم تحتفظ بشجرة للنسب.. كشجرة الملك فاروق التي اخترعها له شيخ الصوفية!!.. لكن من الواضح أن المصريين يغلب عليهم العنصر العربي.. ومن هنا كان انتماؤنا إلى القومية العربية!! كطفل لقيط.. يبحث له عن أهل!!.. نحن لسنا بلا انتماء يا «حماده» حتی نخترع كل هذه المصطلحات!!.. المفهوم يتغير من مكان إلى مكان.. ومن زمان إلى زمان.. الشيوعيون قالوا إن القومية تخلف.. و.. رجعية .. والأمريكان يعتبرون المصلحة.. وطنية.. والهندوس يذبحون الهنود المسلمين في الهند.. الانتماء الحقيقي الذي لا يتغير.. هو الانتماء إلى الله.. الأرض لله يا «حماده». والعقيدة هي الوطن.. وعربي.. ولكني قبل ذلك مسلم.. قال- علي- في شيء من السأم - الوطنية.. والقومية.. فيهما كلام كثير.. وموضوع مناقشات قديمة..!! استغل حماده فتوره.. ظنه تراجعًا من- علي-.. أنت تنهزم الآن يا- علي-.. الهجوم الكاسح لا بد أن يبدأ.. الآن - لم يستطع أحد قبل عبد الناصر أن يجسد الفكرة.. كل الذين سبقوه.. كانوا يتكلمون فقط.. وهو الوحيد الذي حقق الوحدة.. لا زال- علي- فاترًا .. مناقشة في فراغ.. الباحث عن الحقيقة يسلك طرقًا آخرى.. قال راغبًا في مجاملته اكثر من حماسه لاستمرار المناقشة!! - ولكن الوحدة فشلت.. - الوحدة لم تفشل.. الرجعية والاستعمار تربصوا بها.. وربما كان ذلك خيرًا للوحدة الكبرى.. فالانفصال اعطى عمقًا جديدًا لمعنى الوحدة.. يجب أن تقوم الوحدة على مفهوم الثورة الاجتماعية.. تغيير جذري للمجتمع.. إقامة الاشتراكية أولًا.. الثورة الجديدة التي بدأها عبد الناصر. نظر «علي» حوله ليرى أثر الاشتراكية.. والمفهوم الجديد للثورة الاجتماعية..! حقًا يا امرأة عمي.. لقد قام المجتمع الاشتراكي!! .. هل يتنازل ابنك المشتعل حماسة للاشتراكية.. وأيضًا للاسكواش.. هل يتنازل عن مصروفه، ليعطيه لفلاح غذاؤه الدائم.. الخبز.. والبصل..؟! كنا نصوم.. ونسير على الأقدام.. واحيانًا نصلح قمصانا ممزقة.. لنوفر قروشًا کي ننفقها في سبيل الله.. أوشك ألا يرد.. إلا أن الكلمات تساقطت من فمه. يملأونهم بالكلام فقط!! نظر «حماده» إلى والده في سخط - مع احترامي لحضرتك.. إنما لا يمكن للجيل القديم أن يرضى عن الجيل الجديد.. لا بد من وجود صراع بينهما..! ضرب الأب كفا بكف.. ونظر إلى «علي» في أسى. -شوف الكلام الفارغ.. لم يكتفوا بتمزيق البلد بين رجعي وتقدمي، وعميل.. وإنما يريدون تحطيم الأسرة أيضًا..!! قال صراع أجيال.. قال.. والله عال.. هذا آخر الزمن..!! لم يبال «حماده» بثورة أبيه، فقد تعود على النقاش معه كثيرًا،.. والأب على غير ما يبدو يحب ابنه.. وفخور به.. فهو طالب في الهندسة.. وهي كلية لا يحظى بدخولها إلا قلة من المتفوقين!! وفي هـذا ما يكفي.. وهو يفهم أن الشباب دائمًا في أزمة.. فهذه هي طبيعة الشباب..!! بل وأحيانًا كثيرة يجد المتعة في اثارة النقاش معه.. فهو كرئيس لمجلس إدارة.. يصطدم يوميًا بمظاهر الإهمال و.. التراخي.. - أنت تستخدم ألفاظًا أكبر حجمًا.. يا حماده..! قال «حماده» وهو يعلوه بكلماته.. لقد ظفرت بك أخيرًا يا- علي-- ألا توافق على الاشتراكية؟.. أليست الاشتراكية من الإسلام؟؟ - ولماذا لا تقولون الإسلام؟ ما دام الأصل هو الإسلام! الآن حانت لحظة الاجهاز عليك يا «علي». - يا أستاذ صح النوم.. لكل عصر لغته وأسلوبه.. هل تريد بنا أن نعود إلى عصر الجمل.. نحن في عصر الصواريخ.. لا بد أن نعيش عصرنا.. أصبحت الألفاظ «کالأتوبيسات».. يحملونها فوق طاقتها.. العصر له لغة.. ونعيش عصرنا.. لغة العصر مثل بيت جحا لقد أدخلوك المتاهة يا «حماده».. يصبح الإسلام.. تقدميًا حين يتحدثون عــــن الاشتراكية.. ويصبح رجعيًا.. إذا تجرأ أحدهم وقال أن الاسلام كل لا يتجزأ..! دخل العم.. قبل أن یبدأ «حماده» جولة آخرى من النقاش. - أین کنت يا «علي»؟.. منذ أن ظهرت النتيجة وأنت مختف.. ما أخبــارك؟ وأخبار العمل؟ - تقدمت إلى الجهات التي ذكرتها لك من قبل.. وأديت الامتحانات المطلوبة، وقدمت توصياتك.. و.. لا شيء بعد.. نحن في الانتظار. - لا تبال.. كل شيء بأوان.. الاجراءات تأخذ بعض الوقت، المشاكل كثيرة أنتم لا تشعرون بها.. تأمیم.. تأميم.. وانفصال.. واليمن ومشاكل التموين.. والعملة الصعبة و.. البلد مرتبكة. نظر إلى التلفزيون وقال لحماده في استخفاف - ألم يبدأ صاحبك.. بعد؟ قال حماده في فتور - أنه على وشك قال العم مخاطبًا «علي» - حماده ناصري.. أكثر من جمال نفسه! قال «على» ضاحكًا. - هذا أسوأ ما فيه!! نظر العم إلى «علي» معزيًا و.. مازحًا - على كل حال.. أنه طريق لا يؤدي إلى السجن.. الشباب دائمًا يبحث عـــن اهتمامات تلهيه.. غدًا عندما يصير عجوزًا مثلي.. ويرى المساخر التي أراها.. سيخلع حذاءه ليضرب نفسه على الأيـــام التي أضاعها في هذا الكلام الفارغ.. إنهم ویری يوميًا موكب النفاق- كما يسميه- يشمل كبار المسئولين.. فرئيس المؤسسة،.. ووكيل الوزارة كانوا ضباطًا.. من رجال عبد الناصر.. بل والوزير أيضًا.. وجميعهم يحبون تنفيذ التعليمات بلا نقاش.. حتى ولو كانت خاطئة!! - تمام یا افندم..!! وهو كرئيس مجلس إدارة ومحترم.. ويريد المحافظة على احترامه!!.. فإن عليه أن ينضم إلى الموكب اياه.. وهو أيضًا كفلاح.. رضع أصالة الريف.. وجذور تمتد هناك.. داخل التربة التي تسيل بالخصوبة.. كان يحس دائمًا بشيء داخله يؤنبه.. ويزجره.. و.. لكن.. أذل الحرص أعناق الرجال..!! كان هناك دائمًا شخصان بداخله.. والذي كان ينتصر.. هو رئيس مجلس الإدارة.. ودائمًا كان انتصارًا هزيلًا.. لا يقنعه.. ولا يرضيه.. وكان لا بد من التنفيس.. لا بد مــن ارضاء الفلاح الأصيل في نفسه.. أحيانًا كان يتكلم همسًا مع من يثق فيهم.. وأحيانًا أخرى يجد متعة في النقاش مع أبنه.. النقاش فقط!! بدأت أم كلثوم غنوة تقول أن الشعـــب الذي أعطى الراية لصلاح الدين.. سلمها ليمين «عبد الناصر».. لم يستطع «علي» على زهده في المناقشة.. لم يستطع أن تفوته القفشة.. سأل «حماده». - هل كان صلاح الدين مصريًا؟ قال– حماده - - بل عربي.. والمصري والعربي واحد!! قال العم ساخرًا - كان يجب أن تقول أنه كان عضوًا في الاتحاد الاشتراكي!.. صلاح الدين كان كرديًــا یا مغفل!! سکت «حماده» منكبسا في غيظ.. قال «على» موجها كلامه إلى عمه. - أصبح تزييف التاريخ احترافًا.. يكفي أن يقال نصف الحقيقة!.. الذي يخدم الهدف فقط.. أما أن صلاح الدين كــان امتدادًا للأمير الصالح نور الدين زنكي وهزم الصليبيين باسم الإسلام.. فهذا كلام لا يصلح للأغاني..!! قطع المذيع الغنوة في صوت متهدج.. ثم صعد صوته في نبرات حماسية.. ليعلن أن الإذاعة لا بد أن تهرول إلى مكان الاحتفال..الآن.. وحالًا.. وهناك.. كان مذيع أخر جاهزًا بمجموعة منتقاة من «الكليشيهات».. الزعيم.. القدر.. الانجازات الثورية.. الثورة العملاقة التي صرعت الرجعيــــة، والامبريالية.. المتحالفة مع القوى المضادة.. الـ.. الـ و... لماذا لا يستخدمون هذه الأساليب إلا في بلادنا.. تصور «علي» هذا المذيع يتكلم من إذاعة سويسرا مثلًا.. ماذا سيقـــول الناس عنه، وهو يضغط علــى أمعائه في تشنج.. وقد بدت عليه أعراض الحماسة؟! لماذا لا يخاطبون العقول.. بالمنطق.. وبلا ضجيج؟!.. أم أن الإنسان الذي تهوى على رأسه المطارق بانتظام.. لا يستطيع تمييز الحقيقة؟؟! و.. أخيرًا.. ظهر «عبد الناصر» يسد الشاشة الصغيرة.. رافعًا يده بالتحية في عظمة.. الجماهير ليس لها آخر.. وقفت تصفق في جنون.. وتلوح في هياج!! نظر إليهما «حماده».. وقال - ما رأيكم الآن.. أليس هذا هــــو الشعب؟؟ رد العم في لا مبالاة - أنهم يصفقون «لأم كلثوم» بأكثر من هذا الحماس!!
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1164

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

77

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

74

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع