; القادة والمصلحون.. والمواقف الفاصلة | مجلة المجتمع

العنوان القادة والمصلحون.. والمواقف الفاصلة

الكاتب ناصر دسوقي رمضان

تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2008

مشاهدات 140

نشر في العدد 1796

نشر في الصفحة 54

السبت 05-أبريل-2008

 كثير من القادة والمصلحين في تاريخنا الإسلامي تحولوا من حياة اللهو إلى الجد والصلاح بسبب كلمة مخلصة.

ما أعجب هذه القلوب التي أودعها الله أجساد عباده وما أعجب قدرة الله  على تقليبها كيف يشاء! نعم، فـ (قلوب العباد بين أصعبين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ومن ثم كان دعاء النبي: اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك، فيا سعد من ثبته الله على دينه حتى توفاه على الإسلام ويا سعد من أدركته عناية الله فغير مسار حياته من ابتعاد عن الله إلى قرب منه، ومن سير في طريق الضلال إلى السير في طريق الهدى والسعادة.

ومن فضل الله على خلقه أنه سبحانه قد يمن على بعض عباده بسبب كلمة مخلصة من أحد الخلق سواء أكان قريبًا أم بعيدًا معروفًا أم مجهولًا بين الناس، فتكون هذه الكلمة بمثابة نقطة التحول، والموقف الفاصل في حياة هذا الإنسان بين عهدين عهد لعب ولهو، وعهد جد وطاعة وإصلاح في دنيا الناس.

 وحينما تنظر في حياة كثير من القادة والمصلحين الذين ظهروا في تاريخنا الإسلامي نجد أن تحولهم من حياة اللعب واللهو إلى حياة الجد والإصلاح كان بسب كلمة من أحد المخلصين، أو رؤيا رآها أو موقف عایشه فلفت نظره إلى ما كان خافيًا عنه.

كان التابعي الكوفي الثقة أبو عبد الله زاذان الكندي يغني ويضرب على الدف وكان له صوت حسن ولك أن تتأمل حياة من هذا القبيل ومدى ما تشتمل عليه من لهو ولعب- إن لم تشتمل على فسق وفجور- وإذا بهذا الرجل يكرمه الله بسبب كلمة مخلصة من سيدنا عبد الله بن مسعود ليقول له: ما أحسن هذا الصوت لو كان في قراءة كتاب الله.. فإذا بهذه الكلمة تعمل عملها في نفس الرجل، وتكون بمثابة نقطة التحول والفصل في حياته بين عهدين فيتوب من ضرب العود، بل ويكسر عوده ويلازم ابن مسعود حتى يصير إمامًا في العلم يرحمه الله. بل وانظر كيف تؤثر الكلمة الطيبة في كثير من الناس حتى ولو كانوا من أكثر الناس بعدًا عن الله.

ويا ترى ماذا كان يمكن أن يكون رد أبي عبدالله زاذان الكندي لو أن ابن مسعود مرة أغلظ له القول وعنفه وشتمه؟- وهذا الإمام مالك- رحمه الله- يقول: كان لي أخ في سن ابن شهاب. يقصد ابن شهاب الزهري. فألقى أبي يومًا علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم. يقصد ألهاك اللعب بالحمام عن طلب العلم، يقول الإمام مالك فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين وفي رواية ثمان فإذا وافق هذا التحول مع توجيه الأب أمًا عاقلة فإنها تكمل التوجيه والتسديد.

 يقول الإمام مالك في موقف آخر نشأت وأنا غلام فأعجبني الأخذ عن المغنين. فقالت أمي يا بني إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه فدع الغناء واطلب الفقه فتركت المغنين وتبعت الفقهاء فبلغ الله بي ما ترى. وهذه الرواية تلفت نظرنا إلى أن الإمام مالك لم يكن مقبلًا على اللعب بالحمام فحسب، بل كان يتطلع إلى أعظم من ذلك وأخطر في مجال اللهو والمجون وهو الغناء والأخذ عن المغنين فكم من الآباء والأمهات يبخلون على أبنائهم بمثل هذا التوجيه ويتركونهم وما أرادوا من حياة اللهو فيحرمونهم، بل ويحرمون أنفسهم، بل والأمة من خير كثير.

وهذا أيضًا الإمام الشافعي- يرحمه الله- فقد عاش الشافعي مع قبيلة هذيل سبع عشرة سنة يحفظ شعرهم وأدبهم. يقول: لما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب فمر بي رجل من الزبيريين من بني عمي فقال لي: يا أبا عبد الله عز على ألا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه، فتكون قد سدت أهل زمانك قلت: فمن بقي نقصده؟ فقال لي: مالك بن أنس، سيد المسلمين يومئذ فوقع في قلبي فعمدت إلى الموطأ فاستمرته من رجل بمكة فحفظته في تسع ليال ظاهرًا؟ ثم دخلت إلى والي مكة وأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، فمن يا ترى هذا الرجل الذي كان سببًا في تغيير وجهة الشافعي من منشد للأشعار إلى عالم عصره ومؤسس علم الأصول؟ نحن لا نعلم هذا الرجل الذي كانت كلمته بمثابة النقطة الفاصلة بين عهدين في حياة الشافعي، ولكن الله يعلمه وكم يا ترى ربع هذا الرجل المجهول من وراء هذه الكلمة المخلصة يا أبا عبد الله عز على ألا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك، ثم يدل الشافعي على الإمام مالك، ففي الحديث: الدال على الخير كفاعله.

وبالفعل كان الرجل ثاقب النظر والفكر فصار الشافعي إلى درجة ومكانة في دنيا الناس حتى قال عنه الإمام أحمد بن جليل كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، وهل لهذين من خلف زوالهما من عوض ويقول كذلك ما من أحد بيده مخبر إلا وللشافعي في رقبته منه...

وهذا أيضًا إبراهيم بن أدهم الذي كان أبوه ملكًا من ملوك، خراسان، وكان يحيا حياة الترف واللعب يسأله ابن بشار فيقول: سألت إبراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان قد حبب إلى الصيد فبينا أنا راكب فرسي وكلبي معي، إذ رأيت ثعلبًا أو أرنبًا، فحركت فرسي نحوه فسمعت نداء من وراثي يا إبراهيم، ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدًا فقلت لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداءً أعلى من الأول: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئًا فقلت: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قريوس سرجي اللجام يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت فوقفت وقلت هيهات جاءني النذير من رب العالمين والله هذاء لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي.

وهذا أيضًا العابد الزاهد الإمام مالك بن دينار الذي يحكي عن نفسه فيقول: لقد كنت في صدر أيامي شرطيًا. وكنت في أنفة الحداثة من قبلها أتفنى وأتشطر (أرتكب ما يوصف بالفسق) وكنت قويًا معصوبًا في مثل جبلة الجبل من غلطة وشدة، وكنت قاسيًا كان في أضلاعي جندلة (حجرًا صلدًا) لا قلبًا، فلا أتذمم ولا أتأثم وكنت مدمنًا على الحمراء إلى غير ذلك مما وصف به نفسه، ثم تكون نقطة التحول والمفاصلة بين هذا العهد وعهد الصلاح والتقوى إنها رؤيا رآها، حيث كان قد رزق بطفلة، ثم قدر الله لها الوفاة فانكب على الخمر أكثر مما كان أولًا، وبينما هو نائم في ليلة أكثر فيها من شرب الخمر إذا به يرى وكان القيامة قد قامت وكان النار أمامه وكان من خلفه تنينًا عظيمًا يريد أن يلتهمه وهو يجري ولا يستطيع أن ينجو منه، فإذا بابنته الصغيرة- التي ماتت- تأتي إليه مسرعة وترد عنه التنين وتقول له: یا أبت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ (الحديد: ١٦). فينتبه من نومه، ويعزم على التوبة ويسأل عن أهل العلم، فيدل على الحسن البصري- سيد التابعين ويقبل على العلم والصلاح حتى يصير إمامًا من أئمة الإسلام وعلمائهم.

ولا ننسى في واقعنا المعاصر أن تذكر هذا الموقف الذي حدث مع الأستاذ سيد قطب رحمه الله- لما كان في أمريكا وكان سببًا في رجوعه إلى مصر وانضمامه إلى الحركة الإسلامية، ذلك أنه كان لا يعرف شيئًا كثيرًا عن حسن البناء ولا عن جماعة الإخوان المسلمين، فإذا به في يوم من الأيام والكنائس تضرب أجراسها. في غير يوم الأحد فيلفت الأمر نظره ويتساءل: ما الذي حدث؟ فإذا بالإجابة: لقد مات اليوم أخطر رجل في الشرق إنه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر فيدرك الأستاذ سيد قطب من خلال هذا الموقف أن هذا الرجل إذًا لم يكن عاديًا حتى تضرب الكنائس فرحًا لموته فيعزم على الرجوع إلى مصر، ويتعرف على فكر الجماعة ويصبح من أبناء هذه الحركة التي أسسها حسن البنا بل قائدًا من قادتها... والنماذج في تاريخنا الإسلامي في هذا الباب كثيرة ومتنوعة وحسبي أن أشير إلى هذه النماذج الدالة على هذه المفاصلة التي حدثت في حياة هؤلاء القادة والمصلحين فكانت بمثابة نقطة التحول بين عهدين نسأل الله  أن يثبت قلوبنا على دينه إنه نعم المولى ونعم النصير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 420

74

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

قصة العدد...  أهلًا بالحاج

نشر في العدد 836

123

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

عوائق التوبة «٢»

نشر في العدد 1427

80

الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

استراحة المجتمع (عدد 1427)