العنوان القدوة الصالحة
الكاتب عبدالله محمد الجوعي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
لا ريب أن شجرة
التوحيد شجرة ضاربة بجذورها في أعماق الزمن أصلها ثابت وفرعها في السماء
تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. تربتها الدعوة إلى الله بعلم وبصيرة، وتسقى
بماء الصبر واليقين اللذين هما أصل الإمامة في الدين ودواء أدواء القلب
قاطبة.
ولما كانت تلك
الشجرة لا تتفرع ولا تزهو إلا بالدعوة إلى الإسلام قولًا وعملَا وتفكيرًا،
وكان قوام هذه الدعوة القدوة الحسنة الصالحة أحببنا إلقاء الضوء على
معالمها وأصولها وآثارها في سلوك المسلم وتفكيره ومظهره وتعبده، فالقدوة
مبنية على غريزة من غرائز الإنسان، هي غريزة التقليد والمحاكاة، ولهذه
الغريزة تأثير فعال في ميدان العمل، ولعل أول قدوة تمثلت للإنسان هو ذلك
الغراب الذي بعثه الله يبحث في الأرض ويواري أخاه في التراب ليراه ابن آدم
فيعمد بحكم الغريزة التي وضعها الله تعالى فيه إلى تقليده ويواري سوءة أخيه،
قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ
كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ
مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّادِمِينَ﴾ (المائدة:31).
وحول معنى القدوة
الصالحة نقول هي نقل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل فحسب،
وإن صاحَبَ تلك العملية قصْدٌ فهي دعوة صامتة، ولاشك أن التوجيه بالفعل
أبلغ وقعًا وأجل تأثيرًا من التوجيه بالقول، ومداه أبعد واستمراره
أحرى.. وثمة فرق كبير بين الاقتداء والتقليد، فالأول هو المحاكاة
في صائب الأعمال عن حجة وسند لا عن هوى يقبع في النفس، وأما الآخر
فهو محاكاة في غث الأعمال وسمينها دون سبر وتمحيص، ولذا فهو مذموم بخلاف
الاقتداء فإنه فضيلة يستكمل بها المرء خصال الخير ومقومات
الصلاح، قال بعضهم:
فتشبهوا إن لم
تكونوا مثلهم
إن
التشبه بالكرام فلاح
مواكب الإيمان
قال الله تعالى
بعد أن ذكر ثمانية عشر[1]
نبيًا من أصفيائه وأوليائه: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن
يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا
بِكَافِرِينَ. أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل
لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:88-90).
قال
صاحب الظلال تعليقًا على هذه الآية ما فحواه: إن الله تعالى يقرر
ثلاثة تقريرات بعد ذكر هذا الرهط الكريم من تلك الشجرة المباركة.
أولها: أن
مصدر الهدى مقصور على هدى الله ﴿قل إن هدي الله هو الهدي﴾.
ثانيها: أن
الرسل هم مبلغو هذا الهدى عن ربهم، وهم الذين أوتوا الحكمة والسلطان،
فهي دعوة واحدة حملها رسول بعد رسول في موكب موصول تماسكت حلقاته.
ثالثها: أن
هؤلاء الرسل الكرام هم قادة موكب الإيمان ومنابر هدى الله، ففيهم لرسول
الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه قدوة وأسوة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي
إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة:4) انتهى.
وقد جمع الرسول
صلى الله عليه وسلم ما تفرق في الأنبياء قبله ليكون بذلك المثل الأعلى ﴿لَّقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).
ويصعد
المسلم سلم الكمال بقدر ما يتأسى ويحذو حذو النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول محمد أمين
المصري في كتابه القيم «المسؤولية»: «لقد تم الإصلاح الذي تم ببعثة
محمد عليه الصلاة والسلام وغير صفحة التاريخ، لقد تم بمحمد عليه الصلاة
والسلام وأصحاب محمد، وكانوا العنصر العملي التنفيذي والنماذج الحقة القوية
التي حطمت الأغلال وأهابت بالناس أن يخرجوا أنفسهم من القيود الجاهلية
الجائرة، وليس لنا من سبيل إلا هذه السبيل،
طليعة تتأسى خطوات محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه شبرًا بشبر وذراعًا
بذراع في كل ظاهرة وخفية، وفي كل دقيقة وجليلة، وفي العبادة والتفكير والحرب
والتدبير والسياسة والحكمة والدعوة ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:153)
ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها كما قرر الإمام مالك
رحمه الله. انتهى.
من جوانب الاقتداء
يجب أن يستقي
المسلم ملامح القدوة من معينها الذي لا ينضب من ركب الأنبياء وأشياعهم من
الرعيل الفريد الأول الذي كان خطبًا فاعلة ومواعظ صامتة، فدخل إلى
قلوب الناس بحسن خلقه وتعامله، يجب أن يستقي من أولئك ملامح القدوة
في سلوكه وتفكيره ومظهره وتعبده.
أما السلوك فقد
قيل «الدين المعاملة» وقد ترجم ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم واقعًا عمليًا
ملموسًا، روى البيهقي وابن حبان وغيرهما أنه جاء حبر من أحبار اليهود وهو زيد
بن سعنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينًا فجبذ منكبه
وأخذ بمجامع ثوبه وأغلظ له ثم قال: إنكم بني عبدالمطلب قوم مطل، وكان
عمر رضي الله عنه حاضرًا فانتهر اليهودي وشدد عليه والنبي صلى الله عليه
وسلم يبتسم ثم قال: «يا عمر أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج، تأمرني
بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي» ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث»، وأمر عمر أن يقضيه
ماله ويزيده عشرين صاعًا مكان ما روعه، فكان سبب
إسلامه.
فانظر إلى أي مدى
بلغ حسن السلوك وما أصدق من قال:
أحسن إلى الناس
تستعبد قلوبهم
فطالما
استعبد الإنسان إحسان
وفي جانب التعبد
أيضا يتتبع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وطريقته فهو القائل: «صلُّوا
كما رأيتموني أُصلي»، والقائل أيضا: «خُذُوا عني مناسككم».
وبنظرة فاحصة
إلى الواقع الذي نعيشه نجد المصلي- مثلا– يتأخر عن
صلاته ولا يتوخى هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فهو يرسل يديه كيفما
اتفق، ويجوب ببصره ليرى القاصي والداني، ثم هو أيضا لا يحضر قلبه فهو قالب
بلا قلب، فأية صلاة هذه وأي اقتداء هذا؟ وصلاته تفتقر إلى المخبر والمظهر
وإلى الشكل والجوهر، وحالة كهذه تنبئ عن قلب يردد ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا
عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف:22).
قال سيد قطب رحمه
الله في معرض الكلام عن هذه الآية: الإسلام رسالة التحرر الفكري
والانطلاق الشعوري، لا يقر هذا التقليد المزري، ولا يقر محاكاة الآباء
والأجداد فلابد من سند ولابد من حجة ولابد من تدبر وتفكير. انتهى.
المردود التربوي للقدوة
3- الطمأنينة
النفسية ففي كل موقفي يجابهه يجد مثيلًا له في أغوار التاريخ، يعمل
على منواله وفي ضوئه، ويكون مدركًا لنتائجه سلفًا.
3- التبصر في
أمور الشريعة– المستحسن منها وغير المستحسن- وذلك لأنه لا يأخذ
أو يترك أمرًا إلا عن بيئة وبصيرة.
4- تنفيذ أمر
الله تعالى بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه.
5- جعل المسلم من
نفسه قدوة في الخير وإمامًا لأهله ﴿واجعلنا للمتقين إمامًا﴾.
وتنحصر أصول
السيرة الحسنة للقدوة الصالحة- كما قرر ذلك جملة من
المفكرين والكتاب- في الإخلاص والخلق الفاضل في التعامل وموافقة
القول العمل، ونحن نضرب مثلاً واحدًا للتأكيد على تأثير القدوة
الصالحة بمقوماتها تلك فنتساءل كيف دخل الإسلام دول جنوب شرق آسيا؟
لقد دخل الإسلام
في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ماليزيا وشواطئ مالابار وميناء ملقا
وكومانديال وغيرها بفضل الله ثم بحسن خلق تجار المسلمين وجميل
تعاملهم.. يقول المؤرخون الأوربيون: «لم تكن العلاقات
التجارية مهما كثرت لتكفي في إسلام هذه الجزائر، بل كان مع العرب قوة
أعظم.. إنها العقيدة المحمدية التي هي من الجلاء والبساطة بحيث يفهمها الخاص
والعام». انتهى.
وقد جسد هؤلاء
التجار الكرم والبذل والإيثار ونكران الذات والحلم فيما لا يمس
الدين والتواضع وغيرها، وأعرضوا عن السيادة وعروض الدنيا.. ويجدر
هنا التذكير بأن الأخطاء حينما تصدر ممن هم مظنة الاقتداء تكون أكبر والذنب
من قبلهم أعظم على حد قول من قال «حسنات الأبرار سيئات المقربين»،
وإن انتقلت أخطاؤه إلى غيره فلا يسلم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيما رواه مسلم إنه قال: «مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ
أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى
ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ
مِن آثامِهِمْ شيئًا» (مسلم:2674).
العموم والخصوص
ومن كان قدوة في
مجال ما فليس بالضرورة أن يكون قدوة في غيره، بل من كان قدوة في
حال، فليس بالضرورة أن يكون قدوة في كل حال، فإنك تجد المرء يعجبك سمته
ووقاره، فإذا ما غضب فحدث عن تشنجه وسوء تعامله ولا حرج، ونحن
نتجه بالحديث إلى الجيل الواعي المدرك بشكل خاص، فنقول: إن عليهم واجبًا
أكبر ومسؤولية أعظم، وعلى كل منهم أن يكون قدوة في جميع مجالات الخير في
سلوكه وتفكيره ومظهره وتعبده في بيته ومدرسته وسوقه ومسجده في غضبه ورضاه في
صمته وكلامه.
والمؤلم حقًا أن
طائفة من الصلحاء تسيء إلى بني جنسها شعرت أو لم تشعر؛ وذلك
لافتقارها إلى المعاني السالفة وإخفاقها في مواجهة المواقف، وسلبيتها في
حق نفسها وحق مجتمعها.
وتلك جريرة كبرى
ووصمة سوداء في جبين الصلحاء؛ لأن الأحكام تعم ولا تخص.
وأخيرًا- ونحن
نتكلم عن القدوة والاقتداء- لا يسوغ لنا أن نضرب صفحًا عن قضية أساسية ترتبط
ارتباطًا وثيقًا بعملية الاقتداء وهي الإجابة عن السؤال التالي:
محاذير في القدوة
هل تنحصر القدوة
في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وللإجابة نقول: لاشك أن
أكمل قدوة هو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو القدوة المطلقة إلا أن من
المسلّم به أن الرؤية أبلغ من السماع، فما راءٍ كمن سمعا، ولاشك أيضا
أن المرء يجد في بيئته ومحيطه من في أعمالهم أسوة حسنة وقدوة صالحة فله
أن يتأسى بهم، فلعلهم أحفز له على التطبيق، ولكن باعتبارهم مبلغين
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأفعالهم، وهذا الأمر تنتابه بعض
المحاذير نذكر منها:
أولًا: قضية
عدم التمييز بين الغث والسمين، فالأصل في الناس التقصير والخطأ فيجب
أن تأخذ من هذا كثرة تعبده، ومن ذاك علمه وحكمته، ومن ذلك دعوته إلى
الله...إلخ.
ويرحم الله
الإمام مالكا إذ يقول: «كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر».
ثانيًا: قضية
الإعجاب بالذوات، فالحب كما يقال يعمي ويصم، فيقتدي المرء بأفعال من
يعجب به صحيحها وسقيمها، ولا يستطيع التفرقة لأن معيار التمييز قد
طمسه جلال الإكبار والإعجاب.
ثالثًا: ذوبان
الشخصية فقد يصل الأمر بالمقتدي حدًا يفقد عنده شخصيته فلا يكاد يحرك
ساكنًا إلا بفعل أوامر من يقتدي به.
رابعًا: الاقتصار
على سير الأحياء دون الرجوع إلى المعين الصافي، وتكمن خطورة هذا الأمر
في كون الأحياء معرضين للفتن والانحراف، فيكون ضلالهم في الغالب سببًا في
تأثر المقتدين بهم.
خامسًا: ينبغي
لمن اقتدى بحي ألا يخبره، فإن ذلك مدعاة
لغروره وريائه وإعطاء الشيطان فرصة سانحة للدخول عليه.
وختامًا يجب على
المسلم أن يكون نموذجًا حيًا للقدوة الصالحة، وحذار أن يؤتى الإسلام
من قبله.
والله تعالى أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] في الأصل: تسعة عشر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل