العنوان القراء يناقشون قضية الحجاب المطالبة بفتاوى أخرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 140
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-أبريل-1988
القراء يناقشون
قضية الحجاب المطالبة بفتاوى أخرى
القرضاوي: أجمع
المسلمون على شرعية صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكعبين.
الألباني: الحكم
الشرعي الثابت في الكتاب والسنة لا يجوز كتمانه وطيّه عن الناس بعلة فساد الزمان.
كنا قد نشرنا في
بريد القراء في الصفحة 49 في العدد 857 تاريخ 20 رجب 1408هـ الموافق 1988/3/8 فتوى
شيخ الكويت المرحوم عبد الرحمن الفارس بشأن حجاب المرأة وستر وجهها وكفيها، وقد
خلصت الفتوى إلى أن الإسلام يأمر المرأة أن تستر جسدها ما عدا الوجه والكفين فقد
أباح لها كشفهما، وما عدا ذلك من الظهر والعنق والصدر والساقين والشعر والقدمين
فلا يجوز كشف شيء من هذا للأجنبي، لذلك: يقول الشيخ عبد الرحمن: يجوز للمرأة أن
تكشف وجهها ويديها للأجانب إذا أمنت الفتنة، أما القدمان فلا يجوز كشفهما لعدم
وجود الضرورة التي تستدعي ذلك. والله أعلم.
وفي العدد
الماضي 863 تاريخ 3 رمضان 1408هـ الموافق 19 أبريل 1988 ناقشنا آراء القراء
الأكارم وأوردنا ملخص آرائهم مع فتوى فضيلة العالم الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
وملخصها هو أن: الحجاب الشرعي هو حجب المرأة ما يحرم عليها إظهاره أي سترها ما يجب
عليها ستره، وأولى ذلك وأوله ستر الوجه لأنه محل الفتنة ومحل الرغبة، فالواجب على
المرأة أن تستر وجهها عمن ليسوا بمحارمها.
وما أن صدر
العدد المذكور 863 حتى انهال على المجلة سيل من الاتصالات الهاتفية وبخاصة من
الكويت والسعودية والإمارات العربية وبقية دول الخليج بعضها يعترض على الفتوى
المذكورة لفضيلة العالم الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ويطالب بنشر فتاوى أخرى،
خاصة وأن المذهب الدارج في الكويت والخليج العربي ومصر وسوريا وغيرها من البلاد هو
كشف الوجه واليدين فقد طالبت القارئة أم أنس المجلة بالعودة إلى كتاب فضيلة
الدكتور يوسف القرضاوي «من هدي الإسلام فتاوى معاصرة» ونشر فتواه على صفحات المجلة
في العدد القادم.
والقارئة لولوة
إبراهيم من الكويت طالبتنا بالرجوع إلى عالم الحديث وكتابه «حجاب المرأة المسلمة
في الكتاب والسنة» محمد ناصر الدين الألباني حيث أفتى صراحة في الصفحة 41 من
الكتاب المذكور بعد أن سرد الأدلة الطويلة والكثيرة من القرآن والسنة والقياس
لينتهي إلى قوله: إن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن
رشد في «البداية» (1/89) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في
«المجموع» (3/169). وحكاه الطحاوي في «شرح المعاني» (2/9) عن صاحبي أبي حنيفة
أيضًا، وجزم في «المهمات» من كتب الشافعية أنه الصواب كما ذكره الشيخ الشربيني في
«الإقناع» (2/110).
وأما القراء عبد
العزيز سعد-السعودية، سيد أحمد حامد–السعودية، منى خالد العبد الله–الكويت، جوهرة
محمود–الكويت، فقد طلبوا جميعًا أن نعود إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في
الكويت وننشر فتواها المعتمدة في هذا الموضوع حتى لا يُحرج أحد.
وعليه فإن مجلة
المجتمع ترى أن القضية موضع نقاش وخلاف فقهي بين علماء الأمة الأفاضل، وترى أن
القارئ مخير في اتباع الفتوى التي يطمئن إليها قلبه، لأننا نعلم أن اختلاف علماء
الأمة رحمة، وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، لذلك يسعدنا في هذا العدد
أن ننشر فتوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وفتوى الدكتور يوسف القرضاوي، وفتوى
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويتية.
فتوى الشيخ محمد
ناصر الدين الألباني
بعض أهل العلم
وطلابه، لا سيما المقلدين منهم، فإنهم مع إعجابهم بالكتاب وأسلوبه العلمي، وقوة
حجته، ونصاعة برهانه، لم يَرُقْهم ما جاء فيه من التصريح بأن وجه المرأة ليس
بعورة، وقد كتب إلى أحد الأساتذة في المدارس الثانوية، وشافهني به آخرون هنا في
سوريا، وفي الحجاز أيضًا، وهؤلاء فريقان:
الأول: من لا
يزال يرى أن الوجه عورة، وليس ذلك عن دراسة الأدلة الشرعية، وتتبعها من مصادرها
الأصلية، وإنما تقليدًا لمذهبه الذي نشأ عليه، أو البيئة التي عاش فيها، وفيها بعض
المتحمسين لذلك أشد الحماسة بحسن نية، وعاطفة إسلامية، وغيرة دينية، وقد جلستُ إلى
أحد هؤلاء الفضلاء جلسة دامت ساعات، تباحثنا فيها حول المسألة، وكان ذلك بطلب مني،
لعلي أجد عنده ما يؤيد رأيه، فلم أحظَ بشيء من ذلك، وكل الذي سمعته منه، إنما هي
شبهات عرضت له على بعض أدلة الكتاب، صدّته عن الاقتناع بها، وتبنّي لازمها، فأجبته
ليلتئذ عن شبهاته بما يسر الله، ثم فكرت بعد ذلك في المسألة مرة أخرى، وأجلت النظر
في أدلتها، وما وردني من شبهات حولها، فازددت بذلك اقتناعًا بصواب رأيي، وخطأ
الرأي المخالف له، كيف لا، ورأينا هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من المفسرين
والفقهاء، كما هو مشروع في هذا الكتاب، وقد أوردت تلك الشبهات، وما فتح الله عليّ
من الجواب في هذه الطبعة منه.
الثاني: يذهب
معنا إلى أن الوجه ليس بعورة، ولكنه يرى مع ذلك أنه لا يجوز إشاعة هذا المذهب
نظرًا لفساد الزمان وسدًا للذريعة، فإلى هؤلاء أقول:
إن الحكم الشرعي
الثابت في الكتاب والسنة لا يجوز كتمانه وطيّه عن الناس بعلة فساد الزمان أو غيره
لعموم الأدلة القاضية بتحريم كتمان العلم، مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا
بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:159)
وفي قوله صلى
الله عليه وسلم: «من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» رواه ابن
حبان في «صحيحه» والحاكم وصححه هو والذهبي، وغير ذلك من النصوص الرادعة عن كتم
العلم.
فإذا كان القول
بأن وجه المرأة ليس بعورة حكمًا ثابتًا في الشرع كما نعتقد، فكيف يجوز القول
بكتمانه وترك تعريف الناس به؟! اللهم غفرًا.
نعم من كان يرى
أنه مع ذلك لا يجوز العمل به سدًا للذريعة، فعليه هو بدوره أن يبين ذلك الذي يراه
للناس ولا يكتمه، ويأتي بالأدلة التي تؤيد رأيه، وهيهات هيهات! فهذا رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يرى الفضل بن العباس -رضي الله عنه- يلتفت إلى المرأة
الخثعمية، وكانت امرأة حسناء ينظر إليها، وتنظر إليه، وهي غير محرمة، ثم لا يكون
منه عليه الصلاة والسلام أكثر من أن يصرف وجه الفضل عنها، ولا يأمرها أن تستر
وجهها عنه، فأي ذريعة ووسيلة أوضح من هذه، وهو -صلى الله عليه وسلم- القائل بهذه
المناسبة: «رأيت شابًا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما».
فهذا الحديث
الصحيح، يقرر أن كشف المرأة عن وجهها- ولو كانت جميلة- حق لها إن شاءت أن تأخذ به
فعلت، وليس لأحد أن يمنعها من ذلك، بزعم خشية الافتتان بها، فمثل هذا الحديث منعنا
من أن نقول برأي الفريق المذكور، وأوجب علينا إشاعة الرأي الصواب في المسألة.
فتوى الدكتور
يوسف القرضاوي
روى المفسرون عن
ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
(النور:31)، قال: الكف والخاتم والوجه، وعن ابن عمر: الوجه والكفان، وعن أنس: الكف
والخاتم، قال ابن حزم: وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك عن عائشة وغيرها من التابعين.
وتبعًا للاختلاف
في تفسير «ما ظهر منها» اختلف الأئمة في تحديد عورة المرأة اختلافًا حكاه الشوكاني
في «نيل الأوطار».
فمنهم من قال:
جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين، وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد أقواله،
وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومالك، ومنهم من قال: ما عدا الوجه والكفين
والقدمين والخلخال، وإلى ذلك ذهب القاسم في قول، وأبو حنيفة في رواية عنه،
والثوري، وأبو العباس.
وقيل: بل جميعها
إلا الوجه وإليه ذهب أحمد بن حنبل وداود.
الوجه ليس
بعورة: ولم يقل أحد بأن الوجه عورة إلا في رواية عن أحمد- وهو غير المعروف عنه-
وإلى ما ذهب إليه بعض الشافعية.
والذي تدل عليه
النصوص والآثار، أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو ما روي عن ابن عباس وابن عمر
وغيرهما من الصحابة والتابعين والأئمة واستدل ابن حزم- وهو ظاهري يتمسك بحرفية
النصوص- بقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ (النور:31) على إباحة كشف
الوجه، حيث أمر بضرب الخمر على الجيوب لا على الوجوه، كما استدل بحديث البخاري عن
ابن عباس أنه شهد العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه -عليه السلام- خطب
بعد أن صلى، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن وذكّرهن وأمرهن أن يتصدقن، قال:
فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه - أي المال- في ثوب بلال- قال: فهذا ابن عباس بحضرة
رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة ليست بعورة.
وروى الشيخان
وأصحاب السنن عن ابن عباس، أن امرأة من خثعم، استفتت رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في حجة الوداع، والفضل ابن العباس رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي
الحديث: إن الفضل جعل يلتفت إليها- وكانت امرأة حسناء- وأخذ النبي يصرف وجه الفضل
إلى الشق الآخر، وفي بعض ألفاظ الحديث «فلوى -صلى الله عليه وسلم- عنق الفضل، فقال
العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «رأيت شابًا
وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما» وفي رواية: «فلم آمن عليهما الفتنة».
وقد استنبط بعض
المحدثين والفقهاء من هذا الحديث: جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمر النبي
صلى الله عليه وسلم المرأة بتغطية وجهها، ولو كان وجهها مُغطى، ما عرف ابن عباس
أحسناء هي أم شوهاء، وقالوا: لو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل النبي صلى
الله عليه وسلم ولو لم يكن فهمه صحيحًا ما أقره النبي عليه.
وهذا بعد نزول
آية الحجاب قطعًا، لأنه في حجة الوداع سنة 10، والآية نزلت سنة 5.
عادة الحجاب:
أما الغلو في حجب النساء عامة الذي عرف في بعض البيئات والعصور الإسلامية، فهو من
التقاليد التي استحدثها الناس احتياطًا منهم، وسدًا للذريعة في رأيهم، وليس مما
أمر به الإسلام.
فقد أجمع
المسلمون على شرعية صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكفين- على أن تكون
صفوفهن خلف الرجال، وعلى جواز حضورهن مجالس العلم.
كما عُرف من
تاريخ الغزوات والسير أن النساء كن يسافرن مع الرجال إلى ساحات الجهاد والمعارك،
يَخدمن الجرحى، ويسقينهم الماء، وقد رووا أن نساء الصحابة كن يساعدن الرجال في
معركة «اليرموك».
كما أجمعوا على
أن للنساء المحرمات في الحج والعمرة كشف وجوههن في الطواف والسعي والوقوف بعرفة
ورمي الجمار وغيرها، بل ذهب الجمهور إلى تحريم تغطية الوجه- ببرقع ونحوه- على
المحرمة لحديث البخاري وغيره: «لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين».
ومن الفتاوى
السديدة ما أفتي به ابن عقيل الفقيه الحنبلي ردًا على سؤال وُجّه إليه عن كشف
المرأة وجهها في الإحرام- مع كثرة الفساد اليوم – أهو أولى أم التغطية.
فأجاب بأن الكشف
شعار إحرامها، ورفع حكم ثبت شرعًا بحوادث البدع لا يجوز، لأنه يكون نسخًا
بالحوادث، ويُفضي إلى رفع الشرع رأسًا، وليس ببدع أن يأمرها الشرع بالكشف، ويأمر
الرجل بالغض، ليكون أعظم للابتلاء، كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهى عنه.
أ.هـ. نقله ابن القيم في بدائع الفوائد.
هذا موجز رأي
الشريعة في مسألة الحجاب والسفور، كما بينته مصادرها الصحيحة. والله الموفق
والهادي إلى سواء السبيل.
فتوى وزارة
الأوقاف والشؤون الإسلامية
يجوز للمرأة أن
تكشف وجهها وكفيها أمام غير محارمها «وأخو زوجها من غير محارمها» سواء في بيتها أو
خارج بيتها لقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
وقد جاء تفسير ذلك في الأحاديث والآثار ومنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا
بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا» وأشار إلى وجهه وكفيه، أما بالنسبة
للنظر إلى وجه المرأة وكفيها فهو جائز إلا إذا كان بشهوة أو خشي الناظر الفتنة على
نفسه فيجب عليه غض البصر والإثم على الناظر بشهوة لا على المرأة.
على أن للمرأة
أن تستر وجهها متى شاءت لأن ما هو جائز فللإنسان فعله أو تركه، فكما لا يجب عليها
الستر، لا يجب عليها الكشف إلا لحاجة كأداء الشهادة أو العلاج ونحوه، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.